عربي ودولي

الأحد 05 أبريل 2026 5:12 مساءً - بتوقيت القدس

ترمب يلوح بـ 'يوم الجسور' ويهدد بقصف منشآت الطاقة الإيرانية الثلاثاء

وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إنذاراً شديد اللهجة إلى القيادة الإيرانية، متوعداً بشن هجمات جوية تستهدف الجسور الحيوية ومحطات توليد الطاقة في عموم البلاد. وأكد ترمب أن يوم الثلاثاء المقبل سيكون موعداً لتنفيذ هذه الضربات ما لم تتراجع طهران عن قرار إغلاق مضيق هرمز، واصفاً العملية المرتقبة بأنها ستكون غير مسبوقة في قوتها وتأثيرها.

عبر منصته 'تروث سوشال'، استخدم ترمب لغة حادة لمطالبة السلطات الإيرانية بإنهاء القيود المفروضة على الملاحة الدولية في المضيق الاستراتيجي. وأشار الرئيس الأمريكي إلى أن المهلة الممنوحة لإبرام اتفاق ينهي حالة التوتر الحالية أوشكت على النفاد، محذراً من أن الرفض الإيراني سيؤدي إلى عواقب وخيمة وصفها بـ 'الجحيم'.

في المقابل، لم تتأخر طهران في الرد على هذه التهديدات، حيث أصدرت القيادة العسكرية المركزية الإيرانية بياناً رفضت فيه الابتزاز الأمريكي. ووصفت المؤسسة العسكرية الإيرانية تصريحات ترمب بأنها تعكس حالة من التوتر وعدم الاتزان السياسي، مؤكدة جاهزيتها للتعامل مع أي تصعيد عسكري محتمل ضد سيادتها وبنيتها التحتية.

صرح اللواء علي عبد اللهي علي آبادي، قائد مقر خاتم الأنبياء المركزي، بأن التهديدات الأمريكية بتدمير المنشآت الحيوية هي تصرفات 'عاجزة وغبية'. وأضاف علي آبادي رداً على مهلة الـ 48 ساعة التي وضعها ترمب، بأن من يهدد بفتح أبواب الجحيم على إيران يجب أن يدرك أن هذه الأبواب ستُفتح أولاً في وجه القوات والمصالح الأمريكية في المنطقة.

تأتي هذه التطورات الميدانية بعد قرار إيران في مطلع مارس الماضي بتقييد حركة الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما بررته حينها بالرد على الهجمات الأمريكية والإسرائيلية المستمرة. وهددت طهران باستهداف أي سفينة تحاول عبور المضيق دون تنسيق مسبق مع قواتها البحرية، مما أدى إلى شلل جزئي في أحد أهم ممرات الطاقة العالمية.

على الصعيد الدبلوماسي، شهدت العاصمة البريطانية لندن اجتماعاً موسعاً ضم ممثلين عن أكثر من 40 دولة لبحث سبل تأمين المرور الآمن عبر المضيق. وأبدت بريطانيا دعماً واضحاً للتحركات البحرينية الرامية لاستصدار قرار دولي من مجلس الأمن يضمن حماية السفن التجارية، في ظل تصاعد المخاوف من انهيار سلاسل التوريد العالمية.

في سياق متصل، كشفت مصادر دبلوماسية عن عقد اجتماع عُماني إيراني رفيع المستوى لبحث مقترحات تهدف إلى ضمان انسيابية عبور الحاويات والناقلات. وأوضحت وزارة الخارجية العُمانية أن المباحثات جرت على مستوى الوكلاء والمختصين، في محاولة لنزع فتيل الأزمة التي تسببت في ارتفاع حاد بأسعار النفط وتكاليف التأمين البحري.

يعد مضيق هرمز الشريان الرئيسي لتدفق النفط والغاز الطبيعي المسال من دول الخليج إلى الأسواق العالمية في آسيا وأوروبا. ويؤدي استمرار إغلاقه أو تهديد الملاحة فيه إلى ضغوط اقتصادية هائلة على الاقتصاد العالمي، وهو ما دفع القوى الكبرى للتحرك السريع لتفادي مواجهة عسكرية شاملة في المنطقة.

داخل أروقة الأمم المتحدة، يواجه مشروع القرار البحريني المدعوم غربياً عقبات سياسية، لا سيما مع الموقف الصيني المتحفظ. فقد أعلنت بكين، التي تمتلك حق النقض (الفيتو)، معارضتها لأي صياغة تمنح تفويضاً باستخدام القوة العسكرية لحل الأزمة، داعية إلى الحوار الدبلوماسي بدلاً من التصعيد الحربي.

من المقرر أن يواصل مجلس الأمن مشاوراته خلال الأسبوع المقبل بعد تأجيل التصويت الذي كان مزمعاً عقده يوم السبت الماضي. ويسعى الدبلوماسيون للوصول إلى صيغة توافقية تمنع انزلاق المنطقة نحو حرب مفتوحة، خاصة مع اقتراب الموعد النهائي الذي حدده ترمب لبدء العمليات العسكرية ضد الأهداف الإيرانية.

عربي ودولي

الأحد 05 أبريل 2026 4:58 مساءً - بتوقيت القدس

اللغة العربية في بنغلاديش.. جذور تاريخية ضاربة وآفاق اقتصادية متجددة

يمثل تاريخ بلاد البنغال نموذجاً فريداً للتنوع الثقافي والتفاعل الحضاري الذي امتد عبر القرون، حيث تشكل المجتمع البنغالي نتيجة تلاقح لغات وحضارات متعددة. وفي قلب هذا التحول، برزت اللغة العربية كعنصر أساسي في صياغة الهوية الدينية والثقافية للسكان، متجاوزة كونها مجرد لغة وافدة لتصبح جزءاً لا يتجزأ من الوجدان الشعبي.

يعود الفضل في وصول الحروف العربية إلى سواحل خليج البنغال إلى التجار العرب الذين شقوا طريقهم عبر المحيط الهندي في القرنين السابع والثامن الميلاديين. هؤلاء التجار لم يحملوا البضائع فحسب، بل نقلوا قيم الإسلام ولغته، وأقاموا علاقات اجتماعية وثيقة في مناطق استراتيجية مثل شيتاغونغ وسانديب، مما مهد الطريق لتغلغل الثقافة العربية.

لم يقتصر الحضور العربي على النشاط التجاري، بل تعزز بجهود المتصوفة والدعاة الذين جابوا أرجاء البلاد لنشر التعليم الديني. ومن أبرز هؤلاء الأعلام الشيخ شاه جلال الذي استقر في سلهت، والشيخ شاه مخدوم في راجشاهي، حيث أسسوا المساجد والكتاتيب التي جعلت من تعليم القرآن الكريم باللغة العربية ركيزة أساسية للمجتمع.

مع مرور الزمن، أصبحت المساجد والخانقاهات مراكز إشعاع حضاري، حيث اعتاد الأطفال في القرى والأرياف على تعلم الحروف العربية منذ الصغر. وقد أسهمت هذه المؤسسات في تحويل العربية من لغة للنخبة الدينية إلى لغة مألوفة تتردد أصداؤها في الممارسات اليومية والمناسبات الروحية لعامة الناس.

شهدت مكانة اللغة العربية طفرة نوعية مع قيام الحكم الإسلامي في البنغال، حيث أولى السلاطين اهتماماً كبيراً بإنشاء المدارس والمعاهد العلمية. ورغم أن الفارسية كانت لغة الإدارة الرسمية، إلا أن العربية ظلت اللغة السيادية للعلوم الإسلامية، من تفسير وحديث وفقه، مما عزز من مكانة العلماء وطلبة العلم.

استمر هذا الازدهار العلمي في العصر المغولي، حيث توسعت المؤسسات التعليمية وظهرت طبقة من العلماء البنغاليين الذين ألفوا كتباً باللغة العربية. هذا التراكم المعرفي جعل من العربية لغة للفكر والبحث العلمي، وربط المجتمع البنغالي بالدوائر الثقافية الكبرى في العالم الإسلامي بشكل وثيق ودائم.

تركت اللغة العربية بصمة لا تمحى في اللغة البنغالية وآدابها، حيث استوعبت الأخيرة آلاف المفردات العربية المتعلقة بالدين والعدالة والحياة اليومية. كلمات مثل 'إيمان' و'حق' و'كتاب' أصبحت جزءاً أصيلاً من القاموس البنغالي، مما يعكس عمق الاندماج الثقافي والروحي الذي حدث بين اللغتين عبر التاريخ.

في العصر الحديث، وبعد استقلال بنغلاديش، دخلت اللغة العربية مرحلة جديدة من المؤسساتية عبر إنشاء أقسام متخصصة في الجامعات الحكومية والخاصة. لم يعد الاهتمام بالعربية محصوراً في الإطار الديني التقليدي، بل امتد ليشمل الدراسات الأكاديمية والبحوث العلمية التي تربط البلاد بجذورها التاريخية وآفاقها المعاصرة.

أضافت العلاقات الاقتصادية المتنامية مع دول الشرق الأوسط بعداً براغماتياً لتعلم اللغة العربية في بنغلاديش خلال العقود الأخيرة. فقد أصبحت العربية جسراً للتواصل ووسيلة لتعزيز فرص العمل لملايين البنغلاديشيين في دول مثل السعودية والإمارات وقطر، مما زاد من الإقبال الشعبي على إتقانها.

تتجلى المكانة السامية للعربية في الحياة الدينية اليومية، حيث تؤدى الصلوات وتلقى خطب الجمعة وتتلى الأذكار بلسان عربي مبين. ويصل هذا الارتباط الروحي إلى ذروته في شهر رمضان المبارك، حيث تفيض المساجد بأصوات القراء، مما يجدد صلة المجتمع البنغلاديشي بالقرآن الكريم ولغته.

إن حضور اللغة العربية في مواسم الحج والعمرة والمناسبات الدينية الكبرى يعزز شعور الوحدة والتلاحم بين الشعب البنغلاديشي والأمة الإسلامية. هذه اللغة تعمل كإطار روحي جامع يتجاوز الحدود الجغرافية، ويؤكد على الهوية المشتركة التي تجمع بين مختلف الشعوب المسلمة تحت راية لغة الوحي.

في ظل العولمة والتحولات الدولية، تبرز العربية اليوم كلغة ذات ثقل سياسي ودبلوماسي واقتصادي على الساحة العالمية. وتدرك بنغلاديش أن تطوير تعليم العربية يعد ضرورة استراتيجية لتمكين الأجيال القادمة من الانخراط في مجالات التعاون الدولي والبحث العلمي، والاستفادة من الدور المتنامي للدول العربية.

إن المسيرة الطويلة للغة العربية في أرض البنغال ليست مجرد سرد لأحداث مضت، بل هي واقع حي يتجدد باستمرار في مختلف جوانب الحياة. لقد أصبحت هذه اللغة علامة فارقة في الهوية الحضارية للبلاد، وشاهداً على الروابط التاريخية المتينة التي لا تزيدها الأيام إلا رسوخاً وقوة.

ختاماً، تظل اللغة العربية في بنغلاديش لغة الماضي والحاضر والمستقبل، فهي تحمل إشراقة التراث وآفاق التطور الاقتصادي والعلمي. إن استمرار هذا الإشعاع الحضاري يؤكد أن العلاقة بين البنغال واللغة العربية هي علاقة وجودية، ستظل تنبض في وجدان الشعب البنغلاديشي وتدفع به نحو مستقبل أكثر تواصلًا مع محيطه العربي والإسلامي.

عربي ودولي

الأحد 05 أبريل 2026 4:58 مساءً - بتوقيت القدس

دبلوماسية 'الشرع' في أوروبا: مساعٍ لإنهاء العزلة الدولية وإعادة هيكلة الدولة السورية

شكلت الجولة الدبلوماسية الأخيرة للرئيس أحمد الشرع في ألمانيا وبريطانيا نقطة تحول مفصلية في مسار السياسة الخارجية السورية. تهدف هذه التحركات إلى إعادة تموضع دمشق كفاعل إقليمي يسعى لتحقيق الاستقرار وإنهاء العزلة الدولية الطويلة. ولم تعد الدولة تكتفي بالبحث عن القبول السياسي، بل تقدم رؤية قائمة على مؤسسات القانون وجذب الاستثمار العالمي.

تستند الدبلوماسية السورية الجديدة إلى قراءة واقعية للمتغيرات الدولية المعقدة، محاولةً تحويل البلاد إلى جسر استراتيجي للطاقة وسلاسل التوريد. وتتحرك هذه الجهود بحذر ومرونة بين العواصم الكبرى لضمان تأمين مصالح الأمن القومي السوري. إن الرغبة الجادة في الانفتاح الاقتصادي تتطلب بيئة سياسية مستقرة قادرة على طمأنة الشركاء الدوليين.

يعتبر حصر السلاح بيد الدولة وفرض سيادة القانون الركيزة الأساسية في رؤية الرئيس الشرع للمرحلة الانتقالية المقبلة. وقد شدد في حواراته الأوروبية على أنه لا مكان للفصائل المسلحة في مستقبل سوريا، مؤكداً على حتمية بناء منظومة قانونية متكاملة. هذا التوجه يهدف إلى تأسيس شرعية مجتمعية ودولية متينة تنهي حقبة التشرذم العسكري.

تتضمن الرؤية السياسية المطروحة صياغة دستور جديد للبلاد عبر لجان تنبثق عن مجلس الشعب، لضمان انتقال حقيقي نحو التعددية. وتمثل هذه الخطوة ضمانة أساسية لإجراء انتخابات حرّة تلبي تطلعات السوريين بعيداً عن أخطاء التجارب السابقة. ويسعى الوعي المؤسسي الجديد إلى تجاوز العقبات التي عرقلت بناء الدولة في السنوات الماضية.

انتهجت سوريا في جولتها الأوروبية سياسة القياس الدقيق للنأي بالنفس عن محاور الصراع الإقليمية والدولية المشتعلة. وتجلى ذلك في الموقف الواضح تجاه التدخلات الخارجية، مع التأكيد على التأني في تطبيع العلاقات مع القوى التي ساهمت في معاناة الشعب. هذا القرار السيادي يهدف لحماية البلاد من الاستهداف المباشر وتجنب الصراعات العبثية.

أكدت مصادر مطلعة أن التواجد السوري في مراكز القرار العالمي، من واشنطن إلى موسكو، يبرهن على حيوية النهج الدبلوماسي الجديد. وتسعى دمشق من خلال هذا الحضور إلى تحويل سوريا من ساحة صراع إلى منطقة استقرار وجذب للاستثمارات الكبرى. إن النأي بالنفس لا يعني العزلة، بل هو استراتيجية لحماية وحدة البلاد ومصالحها العليا.

تحول ملف التعافي الاقتصادي من مجرد المطالبة بالمعونات الإنسانية إلى طرح فرص استثمارية ضخمة في قطاعات حيوية. وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن قطاع الطاقة إلى توجه الدولة لإنتاج نحو 5000 ميغاواط من الكهرباء التقليدية. بالإضافة إلى ذلك، هناك خطط طموحة لمشاريع الطاقة المتجددة بقدرة تصل إلى 4700 ميغاواط لتلبية الاحتياجات المتزايدة.

تسعى سوريا فعلياً لإعادة بناء بنية تحتية متطورة عبر تفاهمات استراتيجية مع شركات عالمية رائدة في مجالات الطاقة والغاز. ويشمل ذلك تطوير نظام قيادة وتشغيل الشبكة الكهربائية الوطنية وتحديث منشآت الإنتاج المتضررة. إن هذه الرؤية تعتمد على تحويل الدمار الذي خلفته الحرب إلى نقطة انطلاق لنهضة عمرانية وصناعية شاملة.

تفتح الحاجة الماسة لملايين الوحدات السكنية أبواباً واسعة أمام الشركات الدولية الطامحة للمشاركة في نهضة سوريا الحديثة. ويهدف هذا التوجه إلى تجاوز آثار المرحلة السابقة عبر بناء مدن ومجتمعات عمرانية متطورة تنهي أزمة السكن. وتعتبر الحكومة السورية أن الاستثمار في البنية التحتية هو المفتاح الحقيقي لتحقيق الاستقرار الاجتماعي.

يمثل اللاجئون السوريون في أوروبا ركيزة أساسية في مشروع النهوض الوطني الذي تطرحه القيادة السورية حالياً. وقد برز مفهوم 'الهجرة الدائرية' كحل إبداعي يسمح للكفاءات من أطباء ومهندسين بنقل خبراتهم إلى وطنهم الأم. هذا المسار يضمن استمرار ارتباط المغتربين بمجتمعاتهم الجديدة مع المساهمة الفاعلة في إعمار بلادهم.

يهدف الربط بين عودة اللاجئين وعملية إعادة الإعمار إلى تحويل هذا الملف من أزمة إنسانية ضاغطة إلى محرك اقتصادي. ومن شأن عودة الكفاءات أن تسهم في سد فجوة البطالة وزيادة عجلة الإنتاج المحلي في مختلف القطاعات. وقد أظهرت اللقاءات مع الجاليات السورية رغبة واسعة في المشاركة في بناء المستقبل الوطني.

يعتبر المبدعون السوريون في الخارج جسراً حضارياً يربط سوريا بالعالم المتقدم وينقل التجارب التقنية والإدارية الناجحة. وتسعى الدولة لتوطين هذه الخبرات في التربة الوطنية بما يخدم المصلحة القومية العليا ويسرع من وتيرة التنمية. إن الشراكة بين الداخل والخارج هي الضمانة الحقيقية لتحقيق نهضة مستدامة تليق بتضحيات الشعب.

يبقى التحدي الأكبر أمام هذا الزخم الدبلوماسي هو مدى القدرة على تحويل الوعود والأرقام إلى واقع ملموس يلمسه المواطن. ويواجه هذا المسار تحديات جسيمة تتعلق بثقة المستثمرين والبيئة المالية والتنظيمية التي تحتاج لإصلاحات هيكلية عميقة. إن الرهان الحقيقي يبدأ الآن من خلال تنفيذ التفاهمات الموقعة على أرض الواقع.

تتطلع سوريا نحو أفق مشرق يستند إلى ركائز السيادة والقانون، لتتحول إلى مركز استراتيجي للاستقرار في قلب المنطقة. ومع اكتمال مسار العدالة الانتقالية والتحول الديمقراطي، يطمح السوريون لبناء دولة عصرية تستثمر في الإنسان. إن النجاح في هذا المسار سيجعل من سوريا نموذجاً ملهماً في النهوض من الركام وصناعة المستقبل.

اسرائيليات

الأحد 05 أبريل 2026 4:57 مساءً - بتوقيت القدس

احتجاجات واسعة لأهالي جنود الاحتلال: أبناؤنا يواجهون الموت في لبنان بلا غطاء جوي

أفادت مصادر إعلامية بأن موجة من الغضب تسود أوساط عائلات جنود جيش الاحتلال، حيث وجه عشرات الآباء رسالة شديدة اللهجة إلى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير حربه يسرائيل كاتس. تضمنت الرسالة احتجاجاً صارخاً على ما وصفوه بالظروف غير المعقولة والمخاطر الجسيمة التي يواجهها أبناؤهم المنخرطون في العمليات البرية المتعثرة بجنوب لبنان، مطالبين بإعادة النظر في استمرار نشرهم هناك.

وأوضح أهالي الجنود التابعين لكتيبة الاستطلاع في لواء 'ناحال' أن أبناءهم يفتقرون إلى الدعم الجوي الكافي أثناء توغلهم الميداني، مشيرين إلى أن معظم قدرات سلاح الجو موجهة حالياً نحو الجبهة الإيرانية. واعتبرت الرسالة أن هذا النقص في التغطية الجوية يعد سبباً رئيساً في الارتفاع الملحوظ لمعدلات الإصابات والقتلى بين صفوف القوات البرية التي تواجه مقاومة شرسة.

وكشفت الرسالة عن مخاوف الأهالي من استراتيجية القيادة السياسية والعسكرية، التي تهدف بحسب تقارير أمنية إلى تحويل نيران حزب الله وصواريخه نحو أجساد الجنود في لبنان بدلاً من سقوطها على المستوطنات في الشمال. ووصف الآباء هذا التوجه بأنه استغلال غير أخلاقي لشباب يقاتلون بلا توقف منذ ثلاث سنوات على جبهات متعددة، معتبرين ذلك ظلماً لا يمكن السكوت عليه.

من جانبه، حاول وزير الحرب يسرائيل كاتس تهدئة المخاوف بالإشارة إلى أن القوات ستنتقل قريباً إلى وضعية 'الخط الدفاعي' لمواجهة الصواريخ المضادة للدبابات فور انتهاء المرحلة الحالية من العمليات. إلا أن هذه التصريحات تقابل بتشكيك واسع في ظل استمرار حزب الله في تنفيذ ضربات دقيقة تستهدف تجمعات الجنود ومنعهم من تحقيق أي تقدم استراتيجي ملموس على الأرض.

وفي سياق متصل، يضغط نتنياهو على رؤساء البلديات في المستوطنات الشمالية المحاذية للحدود اللبنانية لمنع تفاقم موجات النزوح الجماعي نحو الداخل المحتل. ورغم محاولات الطمأنة الحكومية، إلا أن وتيرة الهجمات الصاروخية المكثفة دفعت آلاف المستوطنين إلى مغادرة منازلهم، مما زاد من الضغوط السياسية والاقتصادية على كاهل الحكومة الائتلافية.

وعلى الصعيد الشعبي، تعكس التقارير الإعلامية العبرية حالة من الانقسام الحاد، حيث وصلت الانتقادات إلى حد تساؤل بعض القنوات عن 'الجدول الزمني المتبقي للزوال' في ظل تعدد الجبهات المفتوحة. هذا التوتر يعززه شعور متنامٍ لدى الجمهور الإسرائيلي بأن القيادة السياسية تفتقر إلى رؤية واضحة لإنهاء الصراع أو تحقيق الأهداف المعلنة للحرب.

وبحسب أحدث استطلاعات الرأي الصادرة عن معاهد دراسات الأمن القومي، فإن ثقة الإسرائيليين في القدرة على تحقيق 'نصر حاسم' تراجعت إلى مستويات قياسية. ويتهم قطاع واسع من المستطلع آراؤهم حكومة نتنياهو بالفشل الذريع في إدارة الأزمة، وتغليب المصالح الشخصية والسياسية الضيقة على أمن الجنود وسلامة المجتمع الإسرائيلي.

فلسطين

الأحد 05 أبريل 2026 4:42 مساءً - بتوقيت القدس

الموجة 96 من 'الوعد الصادق': صواريخ إيران تضرب المنطقة الصناعية في بئر السبع

أعلن الحرس الثوري الإيراني، اليوم الأحد، عن إطلاق الموجة السادسة والتسعين ضمن عملية عسكرية واسعة أطلق عليها اسم 'الوعد الصادق 4'. وأكدت القيادة الإيرانية أن هذه الضربات تأتي رداً مباشراً على الهجمات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت جسر 'بي1' في كرج ومنشآت حيوية في ماهشهر.

وأوضح البيان الصادر عن الحرس الثوري أن الهجمات تركزت على البنية التحتية لقطاع الطاقة والبتروكيماويات التابعة للاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة. وشملت الأهداف المعلنة منشآت في مدينة حيفا المحتلة، بالإضافة إلى مواقع أخرى في الإمارات العربية المتحدة والبحرين والكويت، دون الكشف عن تفاصيل دقيقة لحجم الدمار.

وفي الداخل المحتل، أفادت مصادر ميدانية بسقوط صاروخ إيراني بشكل مباشر في المنطقة الصناعية 'ناؤوت حوفاف' الواقعة جنوب مدينة بئر السبع. وتسببت قوة الانفجار في وقوع أضرار مادية جسيمة في محيط الموقع المستهدف، وسط حالة من التضارب في الروايات الرسمية الإسرائيلية حول دقة الإصابة.

وذكرت وسائل إعلام إسرائيلية نقلاً عن مصادر عسكرية أن الصاروخ سقط في منطقة مفتوحة داخل المجمع الصناعي الضخم، إلا أن الشظايا وعصف الانفجار ألحقا أضراراً بالمصانع المجاورة. وتعتبر منطقة 'ناؤوت حوفاف' من أهم المراكز الصناعية في النقب، حيث تضم منشآت حساسة للبتروكيماويات.

وأشارت مصادر صحفية إلى أن هذا النمط من الاستهداف بات يتكرر في الآونة الأخيرة، حيث تحاول الرقابة العسكرية الإسرائيلية تصنيف الضربات بأنها في 'مناطق مفتوحة'. ومع ذلك، فإن حجم الدمار المشاهد في المنشآت القريبة يكشف عن دقة متزايدة في توجيه الصواريخ الإيرانية نحو أهداف اقتصادية وعسكرية محددة.

وشوهدت أعمدة الدخان تتصاعد بكثافة من موقع الاستهداف في النقب، مما أثار مخاوف من تكرار حوادث تسرب المواد السامة التي وقعت قبل أسبوعين. وتفرض السلطات الإسرائيلية طوقاً أمنياً مشدداً حول المناطق الصناعية المتضررة لمنع تسريب تفاصيل الخسائر الحقيقية للجمهور.

على صعيد الخسائر البشرية، كشفت وزارة الصحة الإسرائيلية عن بيانات جديدة تتعلق بحصيلة المصابين منذ بدء التصعيد العسكري في 28 فبراير الماضي. وأكدت الوزارة أن إجمالي عدد الذين تم إجلاؤهم إلى المستشفيات جراء القصف الإيراني ومن لبنان بلغ 6833 مصاباً حتى صباح اليوم.

وخلال الساعات الأربع والعشرين الماضية فقط، استقبلت المستشفيات الإسرائيلية 108 مصابين جدد، وصفت معظم حالاتهم بالطفيفة والمتوسطة. ويتلقى حالياً نحو 138 شخصاً العلاج السريري، من بينهم حالات حرجة وخطيرة تخضع لرقابة طبية مكثفة في مراكز العلاج المختلفة.

وتواجه الرواية الرسمية الإسرائيلية تشكيكاً واسعاً في ظل التعتيم الإعلامي المشدد الذي تفرضه الرقابة العسكرية على نتائج الضربات الصاروخية. ولا تزال الأرقام الحقيقية للقتلى والمصابين العسكريين طي الكتمان، خاصة في المواقع التي يستهدفها حزب الله والحرس الثوري بشكل متزامن.

ويأتي هذا التصعيد في وقت نشر فيه الحرس الثوري مقاطع فيديو توثق لحظات إطلاق أسراب من الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية. وتؤكد هذه المشاهد استمرار العمليات الهجومية الإيرانية ضمن استراتيجية استنزاف الدفاعات الجوية الإسرائيلية وضرب العمق الاستراتيجي للاحتلال.

فلسطين

الأحد 05 أبريل 2026 3:42 مساءً - بتوقيت القدس

سلة غزة الغذائية في خطر: الاحتلال يسيطر على 60% من الأراضي الزراعية

لم تعد الزراعة في قطاع غزة مجرد نشاط اقتصادي أو مهنة يتوارثها الأجيال، بل تحولت في ظل الحرب المستمرة إلى معركة يومية للبقاء على قيد الحياة. فقدت مساحات شاسعة من الأراضي قدرتها الإنتاجية نتيجة القصف والتجريف، مما قلص الخيارات المتاحة أمام السكان لتأمين قوت يومهم في ظل حصار خانق.

أكد الخبير الاقتصادي ماهر الطباع أن القطاع الزراعي يحل في مقدمة القطاعات التي تعرضت لتدمير ممنهج وواسع النطاق. وأوضح أن الاستهداف الإسرائيلي تركز بشكل أساسي في المناطق الشرقية للقطاع، وهي المناطق التي كانت تشكل تاريخياً السلة الغذائية الكبرى والعمود الفقري للإنتاج الزراعي المحلي.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن سلطات الاحتلال تسيطر حالياً على أكثر من 60% من تلك المساحات الحيوية، مما أدى إلى حرمان المزارعين من الوصول إليها. ولم يتبقَ للفلسطينيين سوى 40% فقط من الأراضي الواقعة داخل ما يسمى بـ 'الخط الأصفر'، وهي مساحة غير كافية بتاتاً لتلبية احتياجات السكان المتزايدة.

تتفاقم الأزمة مع استمرار القيود الصارمة المفروضة على دخول المستلزمات الزراعية الأساسية إلى القطاع، حيث تمنع إسرائيل إدخال الأسمدة الكيماوية والبذور والأشتال. هذا المنع أدى إلى شلل شبه كامل في الدورة الزراعية الطبيعية، وعمّق من حدة انعدام الأمن الغذائي الذي يضرب كافة مناطق غزة.

على الصعيد الإنساني، تروي شهادات المواطنين قصصاً مأساوية عن تحول الأراضي الخضراء التي كانت تفيض بالزيتون والخضروات إلى ركام وأراضٍ قاحلة. وتؤكد المصادر المحلية أن المجاعة أصبحت واقعاً ملموساً، حيث يعجز الكثيرون عن شراء ما يتوفر من خضروات بأسعار باهظة، مما انعكس سلباً على صحتهم وقدرتهم البدنية.

ورغم هذا الدمار، يحاول بعض الأهالي استصلاح أجزاء صغيرة من أراضيهم المجاورة للركام، في محاولة يائسة لزراعة بعض البذور التي قد تسد رمق أطفالهم. يصف السكان عملهم في الأرض بأنه واجب مقدس يشبه الحفاظ على الأبناء، حيث يزيلون الأنقاض بأيديهم العارية لغرس ما يمكن غرسه.

وفي ظل غياب الأدوات الحديثة، باتت الزراعة تعتمد كلياً على طرق بدائية ووسائل ابتكارية لمواجهة النقص الحاد في المواد. يضطر المزارعون لاستخدام مخلفات الطيور كبديل للأسمدة المفقودة، ويحاولون حماية محاصيلهم البسيطة من الآفات باستخدام مواد تنظيف منزلية لعدم توفر المبيدات الحشرية.

يؤكد المزارعون أنهم لا يملكون ترف الاستسلام للواقع المفروض عليهم، بل يسعون للاستمرار في الإنتاج مهما كانت الظروف قاسية. بالنسبة لهم، فإن بقاء الشتلة خضراء في الأرض يعني بقاء الأمل في استمرار الحياة ومقاومة سياسة التجويع التي تهدف إلى كسر إرادتهم.

لقد أصبح الدافع وراء الزراعة اليوم مرتبطاً بالخوف من الموت جوعاً أكثر من ارتباطه بالربح أو التجارة، حيث لجأ المواطنون لزراعة مساحات ميكروسكوبية حول خيامهم. يستغل النازحون كل شبر متاح، حتى لو كان وعاءً صغيراً، لزراعة محاصيل ورقية بسيطة توفر لهم الحد الأدنى من الغذاء اليومي.

في نهاية المطاف، تتقاطع الأرقام الاقتصادية الصادمة مع الواقع المعيشي الصعب لتكشف عن كارثة زراعية وبيئية غير مسبوقة في قطاع غزة. وبين مطرقة القيود الإسرائيلية وسندان الدمار، يواصل الفلسطينيون كفاحهم الأخضر، ليس لتحسين جودة حياتهم، بل لتفادي الأسوأ وضمان البقاء على قيد الحياة.

فلسطين

الأحد 05 أبريل 2026 3:10 مساءً - بتوقيت القدس

النائب العام من نابلس: متابعة ميدانية وتكامل مؤسسي وتوقيع مذكرة لتعزيز القدرات القانونية

قام النائب العام المستشار أكرم الخطيب بزيارة تفقدية إلى محافظة نابلس، اطّلع خلالها على سير العمل في النيابة، ووقف على أبرز التحديات والإشكاليات العملية، وبحث مع الشركاء المحليين سبل تطوير التنسيق والتكامل بما يكرّس سيادة القانون.

وأكد النائب العام خلال الزيارة أن:"تطوير منظومة العدالة لا يتحقق إلا من خلال حضور ميداني فاعل، وتكامل حقيقي بين المؤسسات، يضع سيادة القانون فوق كل اعتبار، ويضمن إنفاذه بكفاءة وعدالة، بما يعزز ثقة المواطن ويصون حقوقه."

حيث استهل زيارته بلقاء رئيس وأعضاء نيابة نابلس، حيث استمع إلى عرض حول واقع العمل وسير الإجراءات، مشدداً على أهمية تطوير الأداء ورفع كفاءة العمل، بما يضمن تحقيق العدالة وصون حقوق المواطنين.

كما التقى النائب العام سعادة رئيس محكمة نابلس القاضي مجدي جرار، حيث جرى بحث سبل تعزيز التكامل بين جناحي العدالة بما يسهم في تسريع الإجراءات وترسيخ مبادئ العدالة. 

وعلى صعيد التنسيق المؤسسي، اجتمع النائب العام مع محافظ محافظة نابلس غسان دغلس، بحضور قادة ومدراء وممثلي الأجهزة الأمنية، ورئيس نيابة نابلس الأستاذ خليل سلامة، ورئيس نيابة الأحداث الأستاذ ثائر خليل، حيث تم استعراض أبرز القضايا ذات الأولوية وبحث آليات تطوير التنسيق بين الجهات المختصة بما يعزز الأمن المجتمعي ويكفل حسن إنفاذ القانون.

وأكد المحافظ دغلس أهمية تكامل الجهود والعمل بروح الفريق الواحد، فيما أشاد النائب العام بدور المحافظة والأجهزة الأمنية في دعم منظومة العدالة، مؤكداً أن الشراكة المؤسسية تمثل ركيزة أساسية لتعزيز سيادة القانون وتحقيق الأمن والاستقرار.

كما التقى النائب العام نائب رئيس مجلس أمناء جامعة النجاح الوطنية الدكتور رامي الحمد الله، حيث تم التأكيد على أهمية تعزيز التعاون مع المؤسسات الأكاديمية، وربط الجانب النظري بالتطبيق العملي، بما يسهم في تطوير الكفاءات القانونية.

وتوّجت الزيارة بتوقيع مذكرة تفاهم مع رئيس الجامعة الأستاذ الدكتور عبد الناصر زيد، بهدف تعزيز التعاون في مجالات التدريب والتأهيل القانوني، وتبادل الخبرات، بما يسهم في بناء قدرات الكوادر القانونية ورفد منظومة العدالة بكفاءات مؤهلة.

وتأتي هذه الزيارة في سياق الجولات التفقدية الدورية التي تنفذها النيابة العامة، بما يعكس حرصها على تطوير بيئة العمل القضائي، وتعزيز التكامل المؤسسي، وترسيخ ثقة المواطنين بمنظومة العدالة.

GENERAL

الأحد 05 أبريل 2026 2:57 مساءً - بتوقيت القدس

دلالات دخول الجيش المصري على خط تسويق سياسات التقشف الاقتصادي

في خطوة لافتة أثارت تساؤلات واسعة، سارعت المؤسسة العسكرية المصرية للدخول على خط الأزمة الاقتصادية عبر تسويق سياسات التقشف المؤلمة التي أقرتها الحكومة مؤخراً. ويرى مراقبون أن هذا التدخل لا يحدث إلا في حالات الضرورة القصوى، عندما تشعر القوات المسلحة بخطر داهم يهدد استقرار النظام نتيجة تصاعد الغضب الشعبي من الإجراءات القاسية.

شملت حزمة التقشف الجديدة قرارات غير مسبوقة، من بينها إغلاق المحال التجارية والمطاعم ودور السينما في تمام التاسعة مساءً، وتقليل إضاءة الشوارع العامة لترشيد الطاقة. كما تضمنت الإجراءات خفض مخصصات الوقود للمركبات الحكومية واعتماد نظام العمل عن بعد يوماً واحداً في الأسبوع لتقليل الضغط على المرافق.

لم تتوقف الإجراءات عند الترشيد الإداري، بل امتدت لتشمل رفعاً تدريجياً لأسعار الوقود والكهرباء وتقليص الدعم الحكومي، تزامناً مع إدارة مرنة لسعر الصرف. تهدف هذه الخطوات، بحسب الرواية الرسمية، إلى احتواء الضغوط المتزايدة على العملة الصعبة وتقليل العجز المتفاقم في الميزانية العامة للدولة.

بادر المتحدث العسكري بنشر مقطع فيديو يبرر فيه هذه السياسات، معتبراً إياها نتيجة لظروف قهرية فرضتها الحروب الإقليمية وتداعياتها الجيوسياسية. وحاول الخطاب العسكري طمأنة الشارع بأن دولاً أخرى اتخذت إجراءات مماثلة، في محاولة لامتصاص الاحتقان الشعبي المتزايد جراء تدهور الأوضاع المعيشية.

تشير الأرقام إلى أن الأزمة الاقتصادية في مصر بلغت مستويات حرجة، حيث لامس الدين الخارجي حاجز 165 مليار دولار، وهو ما يمثل تضاعفاً لأربع مرات خلال العقد الأخير. وتستنزف فوائد وأقساط هذه الديون نحو 60% من إجمالي الميزانية العامة، مما يقلص مساحة المناورة المالية للحكومة.

تجد الدولة المصرية نفسها مطالبة بسداد نحو 50 مليار دولار خلال العام الحالي كالتزامات دولية، وهو رقم ضخم في ظل تراجع المصادر التقليدية للعملة الصعبة. وقد ساهمت المشروعات الكبرى التي لم تمثل أولوية تنموية عاجلة في تفاقم هذه المديونيات، مما أدى في النهاية إلى انهيار قيمة الجنيه أمام الدولار.

تأثرت إيرادات قناة السويس بشكل حاد نتيجة التوترات في البحر الأحمر، حيث فقدت القناة نحو 60% من دخلها المعتاد بسبب هجمات الحوثيين. هذا التراجع في أهم مصادر العملة الصعبة زاد من تعقيد المشهد المالي، ودفع النظام للبحث عن بدائل عاجلة لسد الفجوة التمويلية.

اعتمد الاقتصاد المصري في السنوات الأخيرة بشكل كبير على المساعدات والاستثمارات الخليجية، والتي تجاوزت في مراحلها الأولى 50 مليار دولار. وبرزت صفقة 'رأس الحكمة' مع الإمارات بقيمة 35 مليار دولار كطوق نجاة مؤقت لتغطية استحقاقات ديون خارجية عاجلة كانت تهدد الدولة بالإفلاس.

ومع ذلك، تبرز مخاوف من تراجع هذه الاستثمارات مستقبلاً نتيجة انشغال الدول الخليجية بإعادة تأهيل منشآتها الاقتصادية المتضررة من التوترات الإقليمية. إن استمرار النزاعات المسلحة لفترات أطول قد يدفع هذه الدول لتقليص توسعاتها الخارجية، مما سيؤثر مباشرة على تدفقات رؤوس الأموال إلى السوق المصرية.

على الصعيد الطاقي، واجهت مصر نقصاً في إمدادات الغاز، مما اضطرها لاستيراد مليون برميل نفط من ليبيا بشكل عاجل لتعويض العجز. هذه الأزمات المتلاحقة في قطاع الطاقة تزيد من كلفة الإنتاج وتؤدي بالتبعية إلى موجات غلاء جديدة ترهق كاهل المواطن البسيط.

توقعات المؤسسات الدولية، ومن بينها ستاندرد آند بورز، تشير إلى احتمالية تراجع إضافي في قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية. كما يُتوقع أن تتأثر تحويلات المصريين في الخارج، التي تعد المصدر الرئيسي للإيرادات، نتيجة الاضطرابات الاقتصادية العالمية والإقليمية المستمرة.

يرى محللون أن ربط الأزمة الحالية بالحرب فقط هو هروب من مواجهة الفشل في السياسات الاقتصادية التي اتبعت على مدار سنوات. فالاعتماد على المشروعات الاستعراضية بدلاً من بناء قاعدة إنتاجية قوية جعل الاقتصاد المصري هشاً وغير قادر على الصمود أمام الهزات الخارجية.

إن دخول المؤسسة العسكرية على خط التسويق السياسي للتقشف يعكس قلقاً عميقاً من انفلات الغضب الشعبي الذي قد يصعب احتواؤه. وتعد هذه الخطوة رسالة مبطنة بأن القوات المسلحة تضع ثقلها خلف هذه القرارات، مما يضفي طابعاً أمنياً على الملف الاقتصادي الصرف.

في نهاية المطاف، يبقى التساؤل حول مدى قدرة هذه الإجراءات التقشفية على إنقاذ الاقتصاد دون إصلاحات هيكلية حقيقية. فبدون تغيير في فلسفة إدارة الموارد وتقليل الاعتماد على الاستدانة، ستظل البلاد عرضة للأزمات المتكررة مع كل اضطراب يشهده المحيط الإقليمي أو الدولي.

فلسطين

الأحد 05 أبريل 2026 2:57 مساءً - بتوقيت القدس

بمشاهد حصرية.. القسام تنشر تفاعل 'أبو عبيدة' مع الضربات الصاروخية الإيرانية

عرض الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح المسلح لحركة حماس، مقطعاً مصوراً جديداً يتضمن تسجيلات صوتية للناطق العسكري باسمها، أبو عبيدة. ويوثق المقطع لحظات رصد الصواريخ الإيرانية وهي تعبر سماء قطاع غزة باتجاه أهدافها العسكرية في عمق الاحتلال، مما أثار تفاعلاً واسعاً عبر منصات التواصل الاجتماعي.

وظهر في التسجيل الصوتي تفاعل أبو عبيدة المباشر مع مشهد الانفجارات والصواريخ الانشطارية، حيث وصف المشهد بعبارة 'حرب نجوم' داعياً الله بالتسديد لتلك الضربات. وتعود هذه التسجيلات إلى الهجمات التي نفذتها الجمهورية الإسلامية في أكتوبر 2024، والتي طالت مستوطنات الغلاف ومنطقة محور نتساريم التي كانت تفصل شمال القطاع عن جنوبه.

وتضمن الفيديو مشاهد توثيقية لعمليات إطلاق واسعة للصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة من الأراضي الإيرانية، بالإضافة إلى لقطات تظهر سقوطها المباشر داخل المدن والمنشآت الإسرائيلية. وأعاد المقطع التذكير بمواقف القسام الداعمة لعمليات 'الوعد الصادق' التي تنفذها إيران في إطار الاشتباك المباشر مع الاحتلال الصهيوني.

وفي تعليق سابق أدرج ضمن السياق، أكدت كتائب القسام أن هذه الضربات الصاروخية تمثل رداً طبيعياً وضرورياً على استمرار العدوان المدعوم أمريكياً ضد دول المنطقة. وأشارت الكتائب إلى أن هذه الهجمات تأتي ثأراً لمجازر الإبادة الجماعية التي يرتكبها جيش الاحتلال بحق المدنيين في قطاع غزة منذ أشهر طويلة.

وشدد المتحدث باسم القسام في تصريحاته على أن الاحتلال الإسرائيلي لا يستجيب للمبادرات السياسية ولا يفهم سوى لغة القوة العسكرية ومبدأ الرد بالمثل. وأوضح أن إجبار العدو على دفع أثمان باهظة في عمقه الاستراتيجي هو السبيل الوحيد لوقف عربدته ومنعه من الاستفراد بالدول العربية والإسلامية واحدة تلو الأخرى.

وشهدت منصات التواصل الاجتماعي موجة من التفاعل مع وصف 'حرب النجوم'، حيث استذكر المدونون الحضور البارز لأبو عبيدة وخطاباته التي ترافق العمليات العسكرية الكبرى. واعتبر المتابعون أن بث هذه التسجيلات في هذا التوقيت يحمل رسائل معنوية وسياسية تؤكد على وحدة الساحات وتنسيق العمليات ضد الاحتلال.

وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار العمليات العسكرية المنسقة التي ينفذها الحرس الثوري الإيراني وحزب الله في لبنان، إلى جانب جماعة الحوثي في اليمن. وتستهدف هذه الهجمات المتواصلة بالصواريخ والمسيرات مصانع حيوية وقواعد عسكرية استراتيجية ممتدة من شمال فلسطين المحتلة إلى جنوبها، مما يضع الجبهة الداخلية للاحتلال تحت ضغط مستمر.

تحليل

الأحد 05 أبريل 2026 2:29 مساءً - بتوقيت القدس

هندسة الخراب: كيف تُفكك الدول العربية من الداخل إلى الخارج؟

لم يعد مشهد تفكك بعض الدول العربية مجرد مصادفة تاريخية أو حدث عابر، بل تحول إلى نمط متكرر يُدار بعناية فائقة عبر أدوات تتطور بتطور الصراعات. إن ما تشهده المنطقة اليوم يتجاوز كونه سلسلة أزمات منفصلة، ليصل إلى مرتبة العملية المنظمة لإعادة تشكيل المجال العربي جغرافياً وسياسياً.

تعتمد عملية التفكيك في جوهرها على تحويل الدولة من كيان 'فاعل' يمتلك السيادة والمؤسسات، إلى مجرد 'ساحة' تتحرك فيها القوى المتصارعة. هذا التحول يبدأ عندما تفقد الدولة قدرتها على الضبط المؤسسي وتتآكل شرعيتها أمام مواطنيها، مما يجعل قراراتها رهينة للضغوط.

تعتبر الهوية الوطنية الجامعة هي الحصن الأول ضد الانهيار، ولذلك تبدأ معاول الهدم دائماً بتفتيت هذه الهوية. حين تتحول الاختلافات الطبيعية، سواء كانت طائفية أو عرقية، إلى صراعات وجودية، يصبح المجتمع عبارة عن جزر متناحرة تنتظر لحظة الانفجار الكبرى.

في هذه المرحلة الحرجة، يغيب السؤال عن كيفية حماية كيان الدولة، ويحل محله صراع محموم حول من يحكم ومن يقصي الآخر. هنا تكون الدولة قد انخرطت فعلياً في مسار التفكك، حيث تصبح الصراعات الداخلية هي المحرك الأساسي للمشهد السياسي والاجتماعي.

تلعب النخب السياسية والثقافية دوراً حاسماً في لحظات التحول، إلا أن الواقع العربي يشير إلى تحول الكثير منها إلى عامل تسريع للانهيار. فبدلاً من أن تكون هذه النخب رافعة للاستقرار، انخرطت في صراعات ضيقة على السلطة أو ارتبطت بأجندات خارجية لا تخدم بقاء الدولة.

الخطر الأكبر يكمن في رؤية بعض النخب للخارج كحليف استراتيجي للوصول إلى السلطة في الداخل، وليس كتهديد يجب تحييده. هذا الارتباط يفتح الباب واسعاً أمام التدخلات الدولية التي لا تأتي من فراغ، بل تستثمر في لحظات الضعف الهيكلي للدولة.

القوى الدولية تجيد استثمار هذه الفجوات لإعادة هندسة موازين القوى بما يخدم مصالحها، سواء عبر دعم أطراف معينة أو تغذية النزاعات. ولم يعد التدخل يعتمد فقط على الجيوش التقليدية، بل انتقل إلى استخدام الإعلام والاقتصاد والسرديات المضللة كأدوات فعالة.

تاريخياً، وضعت اتفاقية سايكس بيكو بذور الهشاشة البنيوية في المنطقة عبر رسم خرائط لا تراعي التوازنات الاجتماعية. لكن النسخة الحديثة من التفكيك تبدو أكثر تعقيداً، حيث تعتمد على استراتيجية 'إدارة التفكك' بدلاً من المواجهة المباشرة أو الإسقاط السريع للأنظمة.

الهدف من إدارة التفكك هو إبقاء الدولة في حالة دائمة من الضعف والانشغال بالصراعات الداخلية، بحيث لا تستطيع التماسك أو التأثير إقليمياً. في هذه الحالة، تتحول الدولة إلى عبء ثقيل على نفسها، وتصبح تكلفة الحفاظ على وحدتها أعلى من تكلفة انهيارها.

تتجلى الأزمة الأعمق في 'فجوة الوعي الاستراتيجي' لدى المجتمعات، التي تتعامل مع الأحداث كأزمات منفصلة وليست كجزء من مسار استراتيجي. هذا التفسير الجزئي للأزمات يحول دون الوصول إلى حلول جذرية، ويبقي الحلول محصورة في إطار المسكنات الآنية.

إن تفكيك الدول ليس قدراً محتوماً لا يمكن رده، بل هو نتيجة لتفاعل عوامل داخلية وخارجية يمكن مواجهتها. الحقيقة الصارمة تؤكد أنه لا يمكن لأي قوة خارجية أن تنجح في تفكيك مجتمع ما لم يكن مهيأً لذلك من الداخل عبر الانقسام والضعف.

إعادة بناء المنطقة تتطلب أولاً إرادة سياسية حقيقية تتجاوز الرغبة في البقاء في السلطة إلى الرغبة في حماية كيان الدولة. كما يستوجب الأمر إحياء الهوية الوطنية الجامعة وتقوية المؤسسات لتكون قادرة على استيعاب التناقضات وحل النزاعات سلمياً.

لا يمكن الحديث عن استقرار دون إنتاج نخب وطنية تدرك أن بقاء الدولة ومؤسساتها مقدم على أي صراع حزبي أو فئوي. الوعي بطبيعة المخاطر المحيطة هو الخطوة الأولى نحو صياغة مشروع وطني قادر على الصمود أمام محاولات هندسة الخراب.

في الختام، ستظل المنطقة العربية تدور في حلقة مفرغة من الفوضى والتدخلات ما لم يتم كسر نمط التفكيك من جذوره. إن استعادة الدولة لمكانتها كفاعل وطني يتطلب عملاً دؤوباً على مستوى الوعي والمؤسسات، لضمان عدم تكرار سيناريوهات الانهيار بصيغ جديدة.

اسرائيليات

الأحد 05 أبريل 2026 1:57 مساءً - بتوقيت القدس

اعترافات عسكرية إسرائيلية: نزع سلاح حزب الله هدف غير واقعي والضربات لن تسقطه

كشفت تقارير صحفية عبرية عن حالة من التشكيك تسود أروقة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بشأن الأهداف المعلنة للحرب على لبنان. ونقلت مصادر عن ضابط رفيع المستوى في جيش الاحتلال اعترافه بأن العمليات العسكرية الجارية لن تفضي في نهاية المطاف إلى نزع سلاح حزب الله بشكل كامل، وهو ما يتناقض مع الوعود المتكررة التي يطلقها رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو.

وأوضح الضابط أن سقف الإنجازات العسكرية الممكنة يقتصر على إلحاق الضرر بالبنية التحتية التابعة للحزب في المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني. وأشار إلى أن هذه الضربات، رغم قوتها، لن تنجح في استئصال القدرات الصاروخية أو العسكرية للحزب التي تمتد في عمق الأراضي اللبنانية، مما يجعل الحديث عن حسم نهائي أمراً غير واقعي.

وفي سياق تقييم الفعالية الجوية، أكدت المصادر أن الغارات المكثفة التي تستهدف مراكز القيادة والسيطرة في العاصمة بيروت ومنطقة البقاع لن تؤدي إلى انهيار المنظومة التنظيمية لحزب الله. ويرى كبار القادة العسكريين، وعلى رأسهم رئيس الأركان أن القوة الجوية وحدها لا يمكنها حسم المعركة ضد تنظيم يمتلك جذوراً عميقة وبنية تحتية معقدة.

وتبرز في الأفق فجوة متزايدة بين تقديرات الجيش والخطاب السياسي الذي يتبناه نتنياهو ووزير أمنه يسرائيل كاتس، حيث يصر الأخيران على ترويج رواية 'الهزيمة الساحقة'. هذا التباين يعكس صراعاً داخلياً حول تعريف 'النصر' وإمكانية تحقيقه على أرض الواقع في ظل استمرار الرشقات الصاروخية باتجاه العمق الإسرائيلي.

ولا تتوقف الأزمة عند حدود القيادة، بل تمتد لتشمل جمهور المستوطنين، لا سيما في مناطق الشمال الذين يقبعون في الملاجئ منذ أسابيع طويلة. هؤلاء المستوطنون يعيشون حالة من الإحباط نتيجة الفجوة بين الوعود الحكومية بالنتائج الحاسمة وبين الواقع الميداني الذي يفتقر للأمان والهدوء المستدام.

ميدانياً، بدأ جيش الاحتلال بتنفيذ استراتيجية تدميرية واسعة في القرى الحدودية بجنوب لبنان بعد تهجير سكانها قسراً. وتصف تقارير هذا السلوك بأنه محاولة لاستنساخ 'نموذج غزة' القائم على محو المربعات السكنية والبنية العمرانية لخلق منطقة عازلة، وهو ما يعكس العجز عن تحقيق حسم عسكري تقليدي.

وعلى الصعيد الإقليمي، تتقاطع المواجهة في لبنان مع التوتر المتصاعد مع إيران، وسط حالة من الغموض تكتنف الموقف الأمريكي المستقبلي. وبينما يلوح الرئيس المنتخب دونالد ترامب بتصعيد محتمل ضد طهران، تسود مخاوف من أن تكون توقعاته السابقة بحرب قصيرة الأمد مجرد تقديرات خاطئة لا تدرك تعقيدات المنطقة.

وتشير التقديرات الاستخباراتية إلى أن إيران لا تزال تحتفظ بنحو نصف منصات إطلاق الصواريخ الخاصة بها في حالة جاهزية تامة. هذا المعطى يعزز من فرضية قدرة طهران وحلفائها على خوض حرب استنزاف طويلة الأمد، مما يضعف الرهانات الإسرائيلية على ضربة قاضية وسريعة للمشروع الإيراني.

وحذر محللون عسكريون من تداعيات استهداف منشآت الطاقة الإيرانية، مؤكدين أن مثل هذه الخطوة قد تشعل أزمة اقتصادية عالمية لا يمكن التنبؤ بنتائجها. ويرى مراقبون أن استقرار المنطقة بات معلقاً بقرارات قد تتخذها واشنطن دون مراعاة كاملة للمصالح الأمنية المباشرة لتل أبيب.

وتخشى الأوساط الأمنية الإسرائيلية من سيناريو تجد فيه إسرائيل نفسها وحيدة في مواجهة تبعات الحرب، في حال قررت الإدارة الأمريكية إبرام تسوية سريعة مع إيران. مثل هذه التسوية قد تنهي الصراع وفق شروط دولية تضمن الهدوء الإقليمي لكنها قد تترك التهديدات المباشرة على حدود إسرائيل قائمة كما هي.

ختاماً، يبدو أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بدأت في تهيئة الرأي العام لنتائج أقل من التوقعات العالية التي رسمتها الحكومة. فبين التدمير الممنهج للقرى اللبنانية واستمرار القدرات الصاروخية لحزب الله، تظل الأسئلة حول جدوى الاستمرار في التصعيد دون أفق سياسي واضح هي المهيمنة على المشهد.

اسرائيليات

الأحد 05 أبريل 2026 1:27 مساءً - بتوقيت القدس

فشل قيادي في صفوف جيش الاحتلال: فرار جنود وترك آليات عسكرية جنوب لبنان

كشفت تقارير إعلامية عبرية عن تفاصيل واقعة وصفتها بالصادمة، جرت أحداثها خلال التوغل البري في جنوب لبنان أواخر شهر آذار/مارس الماضي. وأوضحت المصادر أن قوة من جيش الاحتلال تعرضت لهجوم عنيف شنه مقاتلو حزب الله باستخدام وابل كثيف من الصواريخ وقذائف الهاون، مما أحدث حالة من الإرباك الشديد في صفوف القوة المتوغلة.

أسفر الهجوم المباغت عن مقتل جندي من لواء المظليين وإصابة ثلاثة آخرين بجروح وصفت بالخطيرة، وهو ما دفع القيادة الميدانية لاتخاذ قرار سريع بالانسحاب. وبدلاً من تأمين المعدات العسكرية، غادر الجنود الموقع تحت وطأة النيران تاركين خلفهم عدداً من الآليات الهندسية الثقيلة دون محاولة سحبها أو تأمينها.

وصف كبار القادة في جيش الاحتلال ما جرى بأنه 'فشل أخلاقي وقيادي' من الطراز الأول، مشيرين إلى أن الانسحاب اتسم بالذعر غير المبرر. وأكدت المصادر أن الموقف الميداني، رغم صعوبته، لم يكن يستدعي التخلي عن الآليات العسكرية وتركها في قبضة الطرف الآخر، مما يعكس خللاً في الانضباط العسكري والقيادي.

في تطور لاحق، تمكن مقاتلو حزب الله من الوصول إلى الآليات الهندسية المتروكة وقاموا بتفخيخها بالكامل، تمهيداً لتفجيرها في حال عودة قوات الاحتلال لاستعادتها. وقد رصدت أجهزة الاستخبارات والمسيرات الإسرائيلية هذه التحركات لاحقاً، مما كشف حجم الثغرة الأمنية التي خلفها الانسحاب المتسرع للقوة.

اضطر جيش الاحتلال في نهاية المطاف إلى اتخاذ قرار بقصف آلياته الهندسية الخاصة من الجو، خشية وقوع انفجارات تؤدي إلى وقوع مزيد من القتلى والجرحى في صفوفه. واعتبرت أوساط عسكرية أن تدمير المعدات الذاتي هو اعتراف صريح بالفشل في السيطرة على الميدان وحماية الأصول العسكرية الحيوية خلال المواجهة.

نقلت مصادر عسكرية رفيعة أن الحادثة تعتبر 'خطيرة للغاية' وتمثل سابقة في تاريخ العمليات البرية الحالية، حيث أن ترك معدات قتالية وهندسية متطورة قد يخدم الطرف الآخر استخباراتياً وعسكرياً. وأضافت المصادر أن التحقيقات الجارية تركز على كيفية اتخاذ قرار الانسحاب وترك المعدات خلف القوات المنسحبة.

تثير هذه الفضيحة تساؤلات واسعة داخل المؤسسة العسكرية حول جاهزية الجنود وقدرتهم على الصمود في مواجهة الكمائن المتقدمة جنوب لبنان. وتأتي هذه التسريبات لتسلط الضوء على حالة التخبط التي تعاني منها بعض الوحدات الميدانية في ظل استمرار العمليات القتالية وتصاعد وتيرة ضربات حزب الله.

فلسطين

الأحد 05 أبريل 2026 12:57 مساءً - بتوقيت القدس

عون يحذر من 'الجنون الإسرائيلي' والمقاومة تستهدف بارجة قبالة السواحل اللبنانية

أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن مسار التفاوض مع الاحتلال الإسرائيلي لا يعني بأي حال من الأحوال الاستسلام أو التنازل عن الحقوق الوطنية. وأوضح عون في كلمة له بمناسبة عيد الفصح أن الدولة اللبنانية تبذل جهوداً ديبلوماسية مكثفة مع القوى الدولية لوقف ما وصفه بـ'الجنون الإسرائيلي' وتخفيف حدة المآسي الإنسانية الناتجة عن العدوان المستمر.

وشدد الرئيس اللبناني على أن السلم الأهلي يمثل خطاً أحمر، محذراً من محاولات إثارة النعرات الطائفية التي لا تخدم سوى أجندات الاحتلال. وأشار إلى أن حرية التعبير يجب أن تقف عند سقف الأمن الوطني، واصفاً بعض السلوكيات بـ'التوحش الاجتماعي' الذي يهدد استقرار البلاد في وقت يحتاج فيه اللبنانيون للوحدة.

ودافع عون عن دور الجيش اللبناني في حماية الاستقرار الداخلي، مستنكراً الهجمات الإعلامية والسياسية التي تستهدف المؤسسة العسكرية. وأكد أن الجيش يعمل وفق المصلحة الوطنية العليا وليس تبعاً لأجندات خاصة، مشيراً إلى أن وجود المواطنين في منازلهم مرهون بالجهود التي تبذلها القوات المسلحة في الميدان.

ميدانياً، صعد جيش الاحتلال من وتيرة غاراته الجوية مستهدفاً الضاحية الجنوبية لبيروت وسلسلة من البلدات في عمق الجنوب اللبناني. وأفادت مصادر محلية بسقوط شهيد وعدد من الجرحى في غارة عنيفة استهدفت بلدة كفرحتى، حيث طال القصف عائلة نازحة كانت قد لجأت للبلدة هرباً من النبطية.

وفي قضاء صور، ارتكبت قوات الاحتلال مجزرة جديدة في بلدة صديقين أسفرت عن استشهاد ثلاثة مواطنين وإصابة آخرين بجروح متفاوتة. وتأتي هذه الغارات في ظل تهديدات إسرائيلية مستمرة وتوسيع لرقعة الاستهدافات لتشمل مناطق مأهولة بالسكان ومرافق حيوية في مختلف المحافظات اللبنانية.

وشهدت القرى الحدودية عمليات تدمير ممنهجة، حيث أقدمت قوات الاحتلال على نسف وتفجير مربعات سكنية كاملة في بلدت الناقورة ودبل وعلما الشعب. كما طالت عمليات التدمير المحال التجارية والمرافق العامة، في محاولة لخلق منطقة عازلة خالية من معالم الحياة عبر استخدام الجرافات والآليات الثقيلة لهدم المنشآت.

وفي تطور لافت، هدد جيش الاحتلال باستهداف معبر المصنع الحدودي الواصل بين لبنان وسوريا، مدعياً استخدامه لنقل معدات عسكرية. وأدى هذا التهديد إلى إخلاء مقر الأمن العام وتوقف العمل في المعبر بشكل كامل، مما يزيد من حصار لبنان ويقطع شريان الإمداد البري الوحيد المتبقي للبلاد.

على صعيد الرد العسكري، أعلنت مصادر في المقاومة عن تنفيذ عملية نوعية استهدفت بارجة عسكرية إسرائيلية قبالة السواحل اللبنانية. وأوضح البيان أن الاستهداف جرى بواسطة صاروخ كروز بحري أصاب هدفه على بعد 68 ميلاً بحرياً، بينما كانت البارجة تستعد لتنفيذ اعتداءات على الأراضي اللبنانية.

وفي قطاع غزة، واصلت طائرات الاحتلال المسيرة استهداف المدنيين، حيث استشهد ثلاثة من عناصر الأمن الفلسطينيين في حي التفاح شرقي مدينة غزة. وذكرت مصادر طبية أن جثامين الشهداء نقلت إلى مستشفيي المعمداني والشفاء، في ظل استمرار القصف الجوي والمدفعي على مختلف مناطق القطاع المحاصر.

وتشير الإحصائيات الأخيرة إلى أن حصيلة ضحايا حرب الإبادة الجماعية في غزة قد تجاوزت 72 ألف شهيد وأكثر من 172 ألف جريح منذ أكتوبر 2023. كما بلغت خروقات الاحتلال لاتفاقات وقف إطلاق النار المزعومة أرقاماً قياسية، حيث سجلت المصادر استشهاد مئات الفلسطينيين خلال الأشهر القليلة الماضية فقط.

وتعاني البنية التحتية في قطاع غزة من دمار شبه كامل طال 90% من المنشآت الحيوية والطرق وشبكات المياه والكهرباء. وتتزامن هذه الكارثة الإنسانية مع دعوات دولية متكررة للمواطنين الأجانب بمغادرة لبنان فوراً، وسط مخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة لا يمكن التنبؤ بتبعاتها.

فلسطين

الأحد 05 أبريل 2026 12:20 مساءً - بتوقيت القدس

المغرب: شركات فلسطينية ناشئة تشارك في معرض "جيتكس إفريقيا" بدعم من "بيت مال القدس"


تشارك ست شركات فلسطينية ناشئة في مجالات التجديد والابتكار في النسخة الرابعة من معرض "جيتكس إفريقيا"، الذي تحتضنه مدينة مراكش، ابتداءً من يوم الثلاثاء المقبل، بدعم من وكالة بيت مال القدس الشريف، التابعة للجنة القدس، برئاسة العاهل المغربي الملك محمد السادس.
وتسجل الوكالة حضورها في هذا الحدث للعام الثالث على التوالي بمساهمة مالية من وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة بالمملكة المغربية، من خلال رواق مؤسساتي وجناح مخصص لحاضنة مشاريع التجديد والابتكار"BMAQ Innovation Hub" .
وتم اختيار الشركات الفلسطينية المشاركة، وفق معايير دقيقة تم تطويرها بالتعاون مع فريق متخصص من جامعة القدس.
وتتوزع مشاركة الشركات لهذه السنة على تخصصات التقييم النفسي المدعوم بالذكاء الاصطناعي لتوجيه المسارات المهنية، من خلال منصة "برهان" (Burhan)، ورقمنة خدمات الحضانات وتعزيز التواصل بين المربين وأولياء الأمور، بواسطة تطبيق "App Grow".
وتشارك كذلك منصة "HowAISees" المتخصصة في توظف الذكاء الاصطناعي لتحسين تجربة التجارة الإلكترونية والتسويق، إلى جانب مشروع "Labebo"، الذي يقدم حلولاً مبتكرة في مجال العلاج والتأهيل عن بعد للأطفال عبر تقنيات تفاعلية ثلاثية الأبعاد.
كما تحضر منصة "QREDIT"، التي توفر خدمات في مجال الدفع الرقمي لفائدة الشركات الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب نظام "Hives 360"، القائم على إنترنت الأشياء لتطوير تربية النحل وتحسين إنتاجيته من خلال المراقبة الذكية وتحليل البيانات.
ويحتضن جناح الوكالة، على مدى أيام المعرض الذي يستمر إلى 9 نيسان/أبريل 2026، سلسلة من الأنشطة المهنية، تشمل عروضا تقديمية للشركات المشاركة، ولقاءات ثنائية مع فاعلين مغاربة ودوليين، لبحث فرص الشراكة والانفتاح على الأسواق.
بهذه المناسبة، أكدت الوكالة أن هذه المشاركة تمثل "فرصة نوعية لتعزيز دور الشركات الفلسطينية في دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية، خاصة في مدينة القدس، وذلك انسجاما مع أهداف استراتيجيتها الرقمية للفترة 2024-2027".
وأضافت أن هذه الخطوة تعكس توجهها نحو "ترسيخ التزامها بتمكين الشباب الفلسطيني اقتصادياً، وفتح آفاق جديدة أمامهم في مجالات الابتكار وريادة الأعمال، عبر توفير منصات دولية تتيح لهم عرض مشاريعهم وبناء شراكات استراتيجية".
يذكر أن وكالة بيت مال القدس الشريف، كانت قد أطلقت استراتيجيتها في مجال الرقمنة والتجديد والابتكار، عام 2024 تحت شعار: "التنمية الرقمية في خدمة التنمية الاقتصادية والاجتماعية في القدس".
وترتكز هذه الاستراتيجية على خمسة أركان رئيسية، تشمل: منصة "بيت المغرب في القدس" لتوثيق التراث الإنساني للمدينة، وحاضنة المشاريع الناشئة في مجالات التجديد والابكار، ومنصة "دلالة" للتجارة الإلكترونية والتضامنية، ومنظومة متكاملة للتعليم عن بُعد، إضافة إلى تطبيقات "هيّا" الموجهة للأطفال واليافعين لتعزيز الوعي بفضائل بيت المقدس.
واستفادت لحد الآن 34 شركة فلسطينية ناشئة من برامج حاضنة الوكالة لمشاريع التجديد والابتكار، نجحت بعضها في بلوغ مراحل التسريع والشراكات، بينما تمكنت شركات ناشئة أخرى من الولوج إلى الأسواق.

أقلام وأراء

الأحد 05 أبريل 2026 11:40 صباحًا - بتوقيت القدس

العاطفة والسياسة: غلبة الانفعال على العقلانية في الشارع العربي والفلسطيني

في قلب الشارع العربي والفلسطيني، تبدو السياسة كأنها مرآة للهوية والجغرافيا والصراع المستمر، أكثر من كونها مجالًا للتحليل العقلاني والنقد المنطقي. ليست السياسة مجرد برامج أو مشاريع أو قوانين، بل تمثل بالنسبة للكثيرين معيار الولاء والانتماء، وأحيانًا معيار الأخلاق والضمير. من هنا، يتضح أن العاطفة غالبًا ما تتقدم على العقل، وأن التحليل النقدي العقلاني يظل في الظل، يكاد يكون هامشيًا أمام موجة الانفعالات الشعبية. الظاهرة ليست سطحية، بل متجذرة في سياق طويل من الصراعات المستمرة، خصوصًا في فلسطين ولبنان، حيث تتداخل السياسة مع الهوية والدين والتاريخ بطريقة تجعل كل موقف سياسي مشحونًا بالعاطفة. فحين تُعرض قضية فلسطين على الإعلام، ليس المشاهد مجرد متلقي للمعلومة، بل يشارك تجربة عاطفية تراكمت على مدى عقود: ألم فقدان الأرض، مشهد الدمار، صرخات الأطفال، الصور التي تتحدث عن الانتهاك والظلم. هذا التفاعل العاطفي، الطبيعي إنسانيًا، يتحول في الشارع إلى معيار للحكم على السياسة والقيادات، ويتفوق على التحليل العقلاني الذي يتطلب وقوفًا موضوعيًا بعيدًا عن الانفعال اللحظي.

في السياق الفلسطيني تحديدًا، هناك عناصر تزيد من هيمنة العاطفة على النقاش السياسي. أولها طول أمد الصراع وعمق الانتهاكات المستمرة، مما يخلق حالة مستمرة من الغضب والضغط النفسي الجماعي. ثانيها، غياب الثقة في المؤسسات الرسمية والتحليل المؤسسي، ما يجعل الناس أكثر اعتمادًا على الرواية العاطفية المباشرة، سواء كانت من وسائل الإعلام، أو شبكات التواصل الاجتماعي، أو حتى الخطاب الشعبي اليومي. ثالثًا، الخلط بين الأخلاق والسياسة، حيث يصبح موقف الشخص من قضية معينة معيارًا أخلاقيًا قبل أن يكون سياسيًا. أي نقد معقد للخطط أو السياسات يُفهم أحيانًا على أنه خيانة أو ضعف في الولاء للقضية. وسائل الإعلام الحديثة، وعلى رأسها وسائل التواصل الاجتماعي، تلعب دورًا مضاعفًا. المحتوى العاطفي ينتشر أسرع، يخلق موجة من التأييد أو الغضب، ويجعل الخطاب العقلاني يبدو بطيئًا وغير جذاب. الصور والفيديوهات العاطفية، والخطب المؤثرة، وحتى الميمات الساخرة، تصبح وسائل أقوى في تشكيل الرأي العام من المقالات الطويلة والتحليلات الموضوعية.

لكن هل يعني هذا أن المجتمع العربي أو الفلسطيني عاجز عن التحليل العقلاني؟ بالتأكيد لا. فهناك دوائر ومجالات تظهر فيها العقلانية والتحليل النقدي بشكل واضح: المؤسسات الأكاديمية، المناقشات المغلقة، بعض الصحف والمجلات المتخصصة، والمنتديات الفكرية. المشكلة ليست في غياب القدرة على التفكير النقدي، بل في البيئة التي تجعل الخطاب العاطفي هو الصوت الأعلى والأكثر تأثيرًا في المجال السياسي. وفي ظل سيادة العاطفة، لا يقتصر الأمر على تفوق الانفعال على التحليل، بل يصل إلى حد تجريم العقل. أي محاولة لفهم الواقع بعقلانية أو تقديم نقد هادئ يُفهم أحيانًا على أنه خيانة، أو خنوع، أو ضعف في الولاء للقضية. هنا، يصبح العقل السياسي مكبوتًا ومختبئًا، يراقب من بعيد، ينتظر لحظة مناسبة، خوفًا من الصدام مع الجوقة الشعبية أو الخطاب العام المشحون بالانفعال. في مثل هذه البيئة، يتحول النقاش السياسي إلى عرض مسرحي للعاطفة، بينما التحليل العقلاني يتحول إلى ترف أو رفاهية لا يقدرها الشارع، وربما يُدان من قبل نفسه أيضًا. العقل يصبح في حالة تسرب مستمر: يتحدث في دوائر صغيرة، في أحاديث مغلقة، أو على منصات قليلة، بينما الخطاب العاطفي يهيمن على الميادين العامة، وعلى كل وسيلة إعلامية أو اجتماعية.

النتيجة، للأسف، ليست محايدة. غلبة العاطفة على العقلانية في السياسة تجعل القرارات الشعبية عرضة للتأثر بالمشاعر المؤقتة، ويجعل من الصعب بناء توافق على سياسات طويلة الأمد. يصبح النقاش السياسي مسرحًا لتراكم الانفعالات والهتافات، أكثر من كونه مساحة لتحليل الخيارات، مقارنة النتائج، أو صياغة حلول قابلة للتنفيذ. وفي ظل استمرار الصراع، تصبح هذه الدورة مستمرة: الصراع يغذي العاطفة، والعاطفة تؤثر في السياسة، والسياسة بدورها تعيد إنتاج الصراع.

إن النقد الحقيقي لا يعني التقليل من شأن هذه العاطفة. فهي تعكس حساسية المجتمع تجاه القضايا الأساسية، وإيمانه بالعدالة والحقوق. لكنها في نفس الوقت تشير إلى حاجة ملحة لتقوية الثقافة السياسية النقدية، وخلق فضاءات للنقاش الهادئ، وتعليم أدوات التحليل الموضوعي. ففي غياب هذه الثقافة، تظل العاطفة العامل المهيمن في رسم ملامح السياسة، والشارع، والقرار الشعبي، وتصبح السياسة حقلًا لتراكم الانفعالات، وليس ميدانًا للتحليل العقلاني المنطقي.

وفي النهاية، يظل الشارع العربي والفلسطيني محكومًا بعاطفته، لكنها عاطفة ذات وزن مزدوج: من جهة تحرك المجتمع، وتجعل القضايا الحقيقية محسوسة، ومن جهة أخرى تُقيد العقل النقدي، وتحوّل النقاش السياسي إلى ساحة للصراخ والتراشق بدلًا من التحليل والتخطيط. هذا التوازن الهش بين العاطفة والعقل ليس مجرد ظاهرة، بل تحدٍ وجودي للسياسة نفسها. إذا استمرت الدورات المتكررة من الانفعال، والتعبئة العاطفية، والنبذ المباشر لأي صوت نقدي، فإن المجتمع يواجه خطر تجذر سياسة اللحظة العاطفية على حساب القرار العقلاني طويل المدى. أما إذا نجح بعض المفكرين والقادة والإعلاميين في خلق فضاءات للنقاش المفتوح، وتقديم التحليل العقلاني بطريقة تفهمها الجماهير، فقد تتغير المعادلة تدريجيًا، ويصبح العقل السياسي قادرًا على الخروج من مخبئه، والمشاركة في تشكيل القرارات، دون أن يُدان أو يُتهم بالخيانة. وهكذا، يبقى السؤال الأكبر مفتوحًا: هل ستظل السياسة في هذا الجزء من العالم مرآة للعاطفة فقط، أم أن العقل سيجد طريقه إلى النقاش العام، ليوازن بين شعور الغضب المشروع والقدرة على التخطيط العقلاني؟ المستقبل السياسي العربي والفلسطيني يعتمد على الإجابة، وعلى قدرة المجتمع على تحويل العاطفة من قوة مهيمنة إلى شريك في عملية التفكير السياسي، لا سيما في زمن تتداخل فيه الحرب، والتاريخ، والهوية، والحقوق، في نسيج واحد لا يقبل الاسترخاء.

فلسطين

الأحد 05 أبريل 2026 11:35 صباحًا - بتوقيت القدس

أهم التدخلات التنموية والإصلاحية التي نفذتها الحكومة الاسبوع الماضي

 أصَدَر مركز الاتصال الحكومي تقريرًا يُبرز أهم التدخلات التنموية والإصلاحية التي نَفَّذَتها الحكومة الفلسطينية، خلال الأسبوع الماضي (29/03/2026– 04/04/2026)، وهي على النحو الآتي:

⭕ وجّه رئيس الوزراء د. محمد مصطفى مختلف جهات الاختصاص وخاصة وزارة الخارجية نحو أوسع تحرك دولي وعاجل للضغط باتجاه إلغاء قرار الكنيست بإعدام الأسرى، لما ينطوي عليه من إضفاء غطاء تشريعي على القتل، وتكريس لنهج الإعدام الميداني. وشدد مصطفى خلال الجلسة الأسبوعية، الثلاثاء الماضي، على أن هذا القانون يعكس سياسات ممنهجة تقوم على الإبادة والتمييز والإفلات من العقاب بحق الشعب الفلسطيني في مختلف الأراضي المحتلة. وأكد أن هذه الخطوة لن تجلب الأمن أو السلام، بل تكشف عن هيمنة اليمين المتطرف على القرار الإسرائيلي وتشريعاته.

نَفَّذَت وزارة التنمية الاجتماعية تدخلات متكاملة شملت توزيع طرود غذائية وغير غذائية وقسائم شرائية بالتعاون مع الشركاء، استفادت منها حوالي 2000 أسرة بقيمة تقديرية بلغت 184,000 شيقل، كما قَدَّمَت في الضفة الغربية خدمات الحماية والتمكين بواقع 302 خدمة تأمين صحي، و44 تدخلاً للأشخاص ذوي الإعاقة، و97 للمسنين، و145 في قسم المرأة، و95 في الطفولة، و102 في الأحداث، و82 في الحضانات، و58 في التمكين الاقتصادي، إضافة إلى استفادة 895 يتيماً من تدخلات متنوعة، وتنفيذ برامج في التطوع والتدريب ودعم الجمعيات وتعزيز التنسيق، وفي إطار تطوير منظومة الحماية تم توقيع مذكرة تفاهم بين وزيرة التنمية الاجتماعية ووزيرة الدولة لشؤون الإغاثة د. سماح حمد ومؤسسة قادر للتنمية المجتمعية لتحسين خدمات الأشخاص ذوي الإعاقة، وفي قطاع غزة بَلَغَ عدد المستفيدين من المساعدات الغذائية 251,982 مستفيداً شملت الفواكه والوجبات والخبز والطرود، إلى جانب توزيع 2,270 كوب مياه صالحة للشرب، كما استفاد 1,810 مستفيدين من مساعدات غير غذائية، وفي ملف حماية المرأة استفادت 4,539 مستفيدة من خدمات الدعم النفسي والاستشارات والتحويلات، بينما بَلَغَ عدد الأطفال المستفيدين في حماية الطفولة 95 طفلاً ضمن تدخلات الاستجابة لحالات العنف والإهمال.

⭕ وَقَّعَت وزارة الزراعة 12 اتفاقية دعم لمزارعين بقيمة (605 آلاف) شيكل في القدس وضواحيها وسلفيت ورام الله والبيرة، و25 اتفاقية بقيمة (1.236 مليون) شيكل في نابلس وطوباس وطولكرم وقلقيلية ضمن برنامج المساعدة الزراعية الممول من الاتحاد الأوروبي، إلى جانب تسلّم 9 مشاريع في بروقين وكفر الديك ضمن مرحلة دعم 35 مشروعاً في سلفيت. وفي مجال تطوير البنية الزراعية، تسلّمت الوزارة مشروع تأهيل 8 آبار في نوبا- الخليل مع شبكة ري وخزان مياه ضمن مشروع ممول من برنامج الأغذية العالمي، وسلمت مشروعين لتطوير الأعلاف البديلة في الخليل ضمن مشروع "سانيت" الممول من الوكالة الإيطالية، كما وَقَّعَت اتفاقيات دعم لـ29 مستفيداً في إذنا ضمن مشروع تحسين الأمن الغذائي. وعلى صعيد التدخلات الميدانية، وَزَّعَت الإغاثة الزراعية 224 لفة نايلون لمزارعي طوباس والأغوار الشمالية، ونَفَّذَت الوزارة بالتعاون مع "الفاو" جولات كشف ميداني لـ331 مزارعاً في صوريف وجالا وشيوخ العروب وشيوخ شمال الخليل، إضافة إلى جولات لمتابعة 11 مستفيداً بدعم من الاتحاد الأوروبي بقيمة (136,732) يورو. كما وَقَّعَت الوزارة وبلدية البيرة مذكرة لإنشاء مشتل حرجي لإنتاج 50 ألف شتلة على مساحة 2 دونم، مع برامج إنتاج الكومبوست والإرشاد الزراعي، ونَفَّذَت جولات ميدانية، وحَصّنَت 1000 رأس من الأبقار والخراف، ونظمت نشاطات إرشادية ومحاضرات، إضافة إلى فعاليات زراعة أشتال زيتون في جنوب الخليل ورام الله لتعزيز صمود المزارعين.

⭕ أحيت وزارة التربية والتعليم العالي فعالية يوم الأرض الخالد افتراضيًا ووجاهيًا في الضفة وقطاع غزة، مع مواصلة التعليم الوجاهي في أكثر من 700 من النقاط التعليمية في القطاع والتي تطال أكثر من 230 ألف طالب/ة والمدارس الافتراضية التي تستهدف أكثر من 100 ألف من الطلبة؛ إلى جانب عقد سلسلة لقاءات مع جهات مجتمعية وأهلية لمتابعة التعليم وسير الحصص الرقمية في ظل الظروف الحالية.

⭕ أكد وزير العدل خلال مباحثاته مع نائب ممثل الاتحاد الأوروبي أن قانون إعدام الأسرى الذي أقره كنيست الاحتلال يتعارض مع المواثيق الدولية، إلى جانب مناقشة مسودة مشروع الدستور المؤقت لدولة فلسطين، كما اجتمع مع رئيسة بعثة الشرطة الأوروبية لبحث تعزيز التعاون وتنفيذ خطط وبرامج مشتركة، أبرزها مشروع قانون الجرائم الإلكترونية، وقانون مراكز الإصلاح والتأهيل بالشراكة مع جهاز الشرطة، ودعم المبنى المشترك للطب العدلي والمختبر الجنائي، إضافة إلى مأسسة لجنة صنع السياسات القائمة على الأدلة في وزارة العدل.

⭕ تَرأس وزير الداخلية اجتماع اللجنة الإعلامية للاستجابة الطارئة، بحضور قادة المؤسسة الأمنية وممثلي الجهات المختصة، مؤكدًا أهمية توحيد الرسائل الإعلامية وتعزيز التنسيق بين المؤسسات الرسمية لضمان إيصال معلومات دقيقة وموثوقة للمواطنين في الوقت المناسب. كما شارك الوزير في أعمال الدورة الثالثة والأربعين لمجلس وزراء الداخلية العرب عبر الاتصال المرئي، حيث شدد على خطورة التصعيد العسكري في المنطقة وانعكاساته على الأمن والاستقرار، مجددًا موقف دولة فلسطين الرافض للاعتداءات على الدول العربية والداعي إلى تغليب الحلول السياسية. كما بحث خلال لقائه رئيس الممثلية الكندية لدى دولة فلسطين سبل تعزيز التعاون والتنسيق في ظل التحديات الراهنة، إلى جانب مشاركة فلسطين في اجتماع عربي متخصص لمناقشة الاستعدادات للطوارئ النووية والإشعاعية. ميدانيًا، نَفَّذَت الأجهزة المختصة سلسلة من الإجراءات؛ إذ ألقت الشرطة القبض على 1088 مطلوبًا، بينهم 7 مصنفون خطرين، ونَفَّذَت 2457 مذكرة قضائية، وتعاملت مع 71 قضية مخدرات و167 حادثة جنائية. وفي السياق ذاته، نَفَّذَ الدفاع المدني 48 مهمة إطفاء و108 مهمات إنقاذ، وأصدر 214 تصريحًا مهنيًا، وفحص 134 مصعدًا، ونَفَّذَ 643 جولة تفتيشية. كما تابعت الضابطة الجمركية 53 قضية تهرب ضريبي وجمركي، وأتلفت 31 طنًا من البضائع غير الصالحة أو المخالفة للمواصفات.

⭕ أَنجَزَت سلطة الطاقة والموارد الطبيعية 8 أنظمة طاقة شمسية في شركات الحجر والرخام ضمن مشروع "فلسطين خضراء" بالشراكة مع "Enabel"، من أصل 13 منشأة مستهدفة في الخليل وبيت لحم، بهدف خفض التكاليف وتعزيز الاستدامة والاقتصاد الدائري، بالتوازي مع تسجيل ارتفاع قياسي في الطلب على الطاقة الشمسية بنسبة 270% عبر نحو 2700 طلب مقارنة بـ100 طلب فقط العام الماضي، والعمل مع البنك الدولي لإطلاق المرحلة الثانية من "الصندوق الدوار" لتمويل الأنظمة بالتقسيط دون فوائد، مع تطبيق نظام صافي الفوترة وتسهيل الربط ودعم المنشآت الحيوية بأنظمة شمسية وتخزين. كما بحثت سلطة الطاقة مع هيئة التدريب العسكري تزويد كلية أريحا بأنظمة طاقة شمسية ضمن توجه لتعزيز البنية التحتية للطاقة في المؤسسات الحكومية والأمنية، مع الاتفاق على متابعة التنسيق الفني تمهيدًا لبدء التنفيذ خلال الفترة المقبلة، بما يسهم في خفض التكاليف وتعزيز الاستدامة.

⭕ شاركت وزيرة الخارجية والمغتربين في الدورة (165) لمجلس جامعة الدول العربية عبر الاتصال المرئي، واستعرضت في لقاءات صحفية ودبلوماسية التصاعد غير المسبوق في إرهاب المستوطنين بالضفة الغربية، محذّرة من سياسة ممنهجة لتقويض حل الدولتين، كما حثّت سفراء مجلس حقوق الإنسان على دعم القرارات المتعلقة بفلسطين. وبحثت مع القنصل التركي جهود دعم القضية الفلسطينية، بما يشمل مساندة طلبة غزة والتحركات السياسية والدبلوماسية. في السياق، أكد وفد فلسطين لدى اليونسكو أن استهداف التراث والمواقع الدينية سياسة لطمس الهوية، داعيًا لتحرك دولي عاجل. ونَظَّمَت الوزارة ندوة حول تجربة ليلى شهيد، شددت خلالها الوزيرة على دور المرأة في النضال والعمل السياسي. كما أدانت منع بطريرك اللاتين من دخول كنيسة القيامة واعتبرته انتهاكًا خطيرًا لحرية العبادة، إلى جانب إدانة إقرار قانون إعدام الأسرى، واعتباره تصعيدًا خطيرًا يستوجب مساءلة دولية وعقوبات.

⭕ عالجت وزارة السياحة والآثار انهيارًا جزئيًا في جدار ساند وتضرر واجهة مبنى تاريخي في بلدة صرّة بمحافظة نابلس، واتخذت إجراءات عاجلة لتأمين الموقع. كما تفقد الوزير البلدة القديمة في بني نعيم واطّلع على أعمال ترميم مسجد ومقام النبي لوط، المٌنفَّذَة بشراكة حكومية ومحلية، إلى جانب جولة في قرية عين عريك لتعزيز التعاون مع البلدية والاطلاع على القيمة الدينية والتاريخية للكنيسة الأرثوذكسية. وتواصل الوزارة جهودها لحماية وصون المواقع التراثية باعتبارها جزءًا من الهوية الوطنية الفلسطينية.

⭕ شاركت وزارة النقل والمواصلات في لجنة السير بطولكرم، إلى جانب استمرار دوريات السلامة في نابلس، والإشراف الفني على تعديلات المركبات ومتابعة مراكز الدينمومترات وتمديد ترخيص بعضها مؤقتًا، والتعاون التقني مع شركة "أكسبرت" وتطوير الربط الإلكتروني. كما أصدَرَت موافقات لتسجيل مركبات عمومي، وتابعت معاملات مهن المواصلات وتعميم إجراءات الترخيص، إلى جانب إعداد الخطة التنفيذية لهندسة المركبات 2026 وتحديد الاحتياجات، وطلب تعزيز الكادر بموظف مهن في بيت لحم، ومعالجة الشكاوى ضمن الاختصاص. وبلغت الإحصائيات: 7882 تجديد مركبة، 319 تسجيل أولي، 3545 تجديد رخص سائقين، و584 رخصة صادرة.

⭕ وَقَّعَت وزيرة العمل عدة مذكرات تفاهم لتعزيز التشغيل والشمول الاقتصادي، شملت دعم تشغيل الأشخاص الصم وتمكينهم عبر التدريب وريادة الأعمال، وتعزيز فرص تشغيل المهندسين وتنظيم قطاع التجميل، إلى جانب بحث تطوير التدريب المهني داخل مراكز الإصلاح والتأهيل بالتعاون مع الشرطة، ودعم الجمعيات التعاونية لتعزيز الاستقرار المالي للموظفين، ومناقشة احتياجات المناطق المهمشة في قلقيلية لفتح فرص تشغيل جديدة، والتعاون مع سلطة جودة البيئة لدمج السلامة المهنية والوظائف الخضراء في التدريب. ونَفَّذَ الصندوق الفلسطيني للتشغيل تدريبات لـ97 مستفيدًا ضمن مشروع "ITCN" واستهدف 1500 مستفيد، ووقّع عقودًا مع 85 مستفيدًا و17 مراقبًا في مشروع إدارة النفايات، ونَفَّذَ 126 زيارة ميدانية ضمن برامج التعافي والصلادة الاقتصادية. كما واصلت الإدارة العامة للتدريب المهني تنفيذ دورات جديدة وافتتحت برامج في نابلس بمشاركة 24 مستفيدًا، وأطلقت تدريبات متخصصة، ونَفَّذَت زيارات لعدة مراكز لتطوير بيئة تدريبية خضراء، والعمل على إنشاء مركز جديد في الخليل. وفي الرقابة، نَفَّذَت فرق التفتيش 63 زيارة شملت 825 عاملًا، وتسجيل 215 عاملًا بالأجر الأدنى فأعلى، واتخاذ 14 إجراءً بحق المخالفين، ومعالجة 15 شكوى وتقديم 20 استشارة، وتنفيذ لقاءين توعويين. وفي السلامة المهنية، شملت الجولات 27 منشأة، وتسجيل 20 مخالفة و9 إصابات عمل، واتخاذ 18 إجراءً رقابيًا، وتنفيذ 5 تقييمات مخاطر، مع التزام 86% من العمال بإجراءات الوقاية. وفي القطاع التعاوني تم تدقيق 10 جمعيات وتقديم 8 استشارات ومعالجة شكوى، بينما أصدَرَت خدمات التشغيل 1055 شهادة تأمين صحي، وقدمت خدمات لـ3478 مستفيدًا، إضافة لفحص بيانات 37 حالة من عمال ومرضى غزة وإرسال كشف يضم 656 مشروعًا ضمن مبادرة "بادر (1)".

⭕ نَفَّذَت سلطة جودة البيئة 32 جولة رقابة وتفتيش على المنشآت، وتابعت شكويين بيئيتين، وأصدَرَت 7 تصاريح لاستيراد المواد الكيميائية، كما أجرت فحوصات ميدانية لجودة الهواء جنوب الخليل عقب حادثة المنطقة الصناعية في النقب، وأظهرت النتائج أن مستويات الملوثات ضمن الحدود الآمنة ولا تشكل خطرًا حاليًا، وفي الإطار المؤسسي بحث رئيس السلطة مع وزيرة العمل تعزيز إدماج البعد البيئي في التدريب المهني وخلق فرص عمل خضراء، كما ناقش مع هيئة التدريب العسكري تطوير مفهوم الأمن البيئي، ومع سرية رام الله الأولى تعزيز العمل البيئي والتطوعي للشباب، وبمناسبة اليوم الدولي للحد من النفايات (30/3) نَشَرَت السلطة مواد توعوية حول صفر نفايات والاقتصاد الدائري والبلاستيك أحادي الاستخدام لتعزيز الوعي البيئي.

⭕ عَمِلَت وزارة الاقتصاد الوطني على تعزيز البيئة التشريعية وتسهيل المعاملات المالية بالتعاون مع الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الفلسطينية، خاصة في ظل أزمة تكدس الشيقل. ميدانيًا، نَفَّذَت 71 جولة تفتيشية شملت 431 محلًا، وتم تحرير 7 تعهدات قانونية، وضبط 20 طنًا وإتلاف 110.5 أطنان من المنتجات التالفة، وإحالة 4 مخالفين للنيابة العامة، إلى جانب التعامل مع 18 شكوى في مجال حماية المستهلك. وفي قطاع الشركات والتجارة، تم تسجيل 15 شركة وتقديم 548 خدمة، وتسجيل 81 تاجرًا جديدًا وتقديم 46 خدمة في السجل التجاري. وتم إصدار 202 رخصة استيراد، و13 بطاقة تعامل تجاري، و32 شهادة منشأ، و32 معاملة تجارية مع تركيا، وتسجيل 90 علامة تجارية، وتقديم 84 خدمة في مجال الملكية الفكرية.

⭕ تواصل وزارة الحكم المحلي تنظيم قطاع التخطيط والبناء، حيث اتخذ مجلس التنظيم الأعلى برئاسة الوزير وبمشاركة الجهات المختصة عدة قرارات تتعلق بتعديلات تنظيمية وهيكلية وترخيص الأبنية وتسهيلات البناء في عدد من التجمعات. ميدانيًا، تمت متابعة إنجاز مشروع تأهيل وتعبيد طرق داخلية في دير أبو ضعيف بمحافظة جنين بتمويل ذاتي، إلى جانب متابعة تنفيذ أعمال إعادة تأهيل شوارع حيوية في مدينة جنين ضمن برنامج التعافي المجتمعي وخلق فرص عمل عبر صندوق تطوير وإقراض الهيئات المحلية، بما يعزز البنية التحتية ويدعم فرص التشغيل.

⭕ نَفَّذَت الهيئة للشؤون المدنية سلسلة تدخلات ميدانية منسقة في عدة محافظات، حيث تم في محافظة أريحا والأغوار الحصول على الموافقة لتنظيف محيط مبنى الصحة في بلدة العوجا على أن يبدأ التنفيذ صباح اليوم التالي، وفي محافظة الخليل جرى التنسيق مع وكيل وزارة الأوقاف ونائب المحافظ للدخول إلى الحرم الإبراهيمي مع تواجد ميداني لطواقم الشؤون المدنية. وفي محافظة جنين تم التنسيق لإزالة ساتر ترابي على طريق مؤدٍ إلى مزارع دجاج في بلدة فقوعة بمحاذاة الجدار، وإعادة تأهيل الطريق باستخدام مادة "بيس كورس" لتسهيل الحركة، كما شملت تدخلات مكتب جنين التنسيق مع هيئة كهرباء يعبد لتركيب إنارة في أمريحة وخربة المكحل، وصيانة خط الإنترنت قرب السواتر أمام المشفى الحكومي بالتعاون مع شركة مدى، وصيانة خط الاتصالات في حي الجابريات مع شركة الاتصالات الفلسطينية، إضافة إلى التنسيق لعدد من النازحين لنقل مقتنياتهم من محيط المخيم. وفي محافظة نابلس تم التنسيق لإصلاح خطوط الكهرباء في بلدتي بيت دجن وقبلان، بينما شمل التنسيق في منطقة الرام إدخال المواد التموينية والاحتياجات الأساسية للمواطنين خلف الجدار في مناطق النبي صموئيل، حارة الخلايلة وبيت إكسا.

⭕ نَفَّذَت وزارة شؤون المرأة جهودًا وطنية ودولية لتعزيز قضايا المرأة، حيث ترأست الوزيرة اجتماعًا طارئًا للجنة مناهضة العنف لبحث جريمة قتل الشابة جوسيان وتعزيز منظومة الحماية وآليات التدخل المبكر. كما أكدت في بيان يوم الأرض على دور المرأة في حماية الهوية الوطنية والصمود. كما شاركت في إطلاق دراسة حول التكلفة الاقتصادية للعنف ضد المرأة ضمن حملة "ننجو فنقود"، مؤكدة ضرورة معالجته كقضية تنموية، كما شاركت في ندوة تناولت تجربة ليلى شهيد مع التشديد على تعزيز مشاركة المرأة في العمل السياسي والدبلوماسي وتمكينها في مواقع صنع القرار.

⭕ زار وزير الثقافة محافظة طولكرم للاطلاع على الواقع الثقافي ومتابعة عمل المؤسسات والمراكز الثقافية، وشارك في تأبين الشاعر الراحل عبد الناصر صالح، كما التقى أعضاء المجلس الاستشاري الثقافي والجمعيات والمؤسسات المرخصة، وجرى بحث أبرز الأنشطة والفعاليات المشتركة الممكن تنفيذها. وفي قطاع غزة، أطلقت الوزارة فعاليات يوم الثقافة الوطنية بالشراكة مع مبادرة "هويتنا ثقافتنا"، وشملت أمسية شعرية بعنوان "قصيدة وهوية" وندوة "الهوية والبقاء". وفي سلفيت، نَفَّذَت سلسلة أنشطة لتعزيز الهوية والإبداع تضمنت لقاءً دينيًا "فضائل ليلة القدر"، ونشاط "غسان كنفاني… اقتباسات خالدة"، وفعالية فنية في إعادة التدوير، وندوة "القدس سردية لا تُختصر"، إلى جانب نشاط تعريفي حول توظيف الآلات الإيقاعية خاصة آلة "الرّق" في الغناء والإنشاد. كما اختتمت الوزارة دورة تدريبية متخصصة في فن الفسيفساء استهدفت النساء في إطار تمكينهن، وأعلنت عن مسابقة شبابية في الكتابة الإبداعية بعنوان "اكتب في ثلاث ساعات"، ونَظَّمَت في محافظة نابلس عرضًا للفيلم الوثائقي "جنين.. جنين" للمخرج الراحل محمد بكري.


فلسطين

الأحد 05 أبريل 2026 11:32 صباحًا - بتوقيت القدس

في يوم الطفل الفلسطيني.. 64,616 طفلاً يتيماً في القطاع

غزة- "القدس" دوت كوم - (وفا)- كشفت وزارة التنمية الاجتماعية في قطاع غزة، عن أرقام صادمة حيث ارتفع عدد الأطفال الذين فقدوا أحد والديهم أو كليهما إلى 64,616 طفلاً. هذا الرقم يمثل قفزة هائلة من 17 ألف يتيم كانوا مسجلين قبل بدء الحرب التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة في أكتوبر 2023.
وتشير الوزارة إلى أن "هؤلاء الأطفال يعيشون في ظروف إنسانية غير مسبوقة، يواجهون تحديات تتجاوز فقدان الوالدين، تشمل النزوح القسري وفقدان المأوى وتعطل الخدمات الصحية والتعليمية، ونقصاً حاداً في الغذاء والدواء".

في خيمة من الخيام المتناثرة على رمال المواصي جنوب قطاع غزة، تفتتح الطفلة علا أبو جامع سبع سنوات، يومها برسم منزل كان لها ذات يوم وتتمتم بكل براءة: "قطاري قطاري ودّيني عداري".
لم يعد ذلك المنزل موجود في شرق خان يونس، فقد سواه القصف الإسرائيلي بالأرض، مع كل من كانوا فيه: الأب والأم وشقيقان اليوم، تعيش الطفلة مع جدتها المريضة.
وليست وحدها في هذا المصير، فهي واحدة من أكثر من 64 ألف طفل فلسطيني فقدوا أحد والديهم أو كليهما منذ بدء الحرب على غزة قبل ثلاثة اعوام، حيث يواجه أطفال غزة واقعاً مختلفاً تماماً: واقع الفقد والنزوح والمرض والموت البطيء.
في خيمة من الخيام المتناثرة على رمال المواصي جنوب قطاع غزة، تفتتح الطفلة علا أبو جامع سبع سنوات، يومها برسم منزل كان لها ذات يوم وتتمتم بكل براءة: "قطاري قطاري ودّيني عداري".
لم يعد ذلك المنزل موجود في شرق خان يونس، فقد سواه القصف الإسرائيلي بالأرض، مع كل من كانوا فيه: الأب والأم وشقيقان اليوم، تعيش الطفلة مع جدتها المريضة.
وليست وحدها في هذا المصير، فهي واحدة من أكثر من 64 ألف طفل فلسطيني فقدوا أحد والديهم أو كليهما منذ بدء الحرب على غزة قبل ثلاثة اعوام، حيث يواجه أطفال غزة واقعاً مختلفاً تماماً: واقع الفقد والنزوح والمرض والموت البطيء.
الطفلة آية النجار والتي فقدت والدها بقصف منزلهم في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، تروي بصوت طفولي مثقل بالمرارة: "كان لنا بيت، كنا نعيش فيه ومبسوطين، نضحك ونلعب. فجأة لما أجت الحرب، بيتنا انقصف وبابا استشهد، كل شيء تغير".
تضيف بمرارة تليق بطفلة في العاشرة: "أطفال العالم عايشين مع أهلهم بأمان. أنا والدي استشهد، وأتمنى أن أعيش بسلام مع أمي وإخوتي، يكون إلنا بيت، ونشعر بالأمان".
الأرقام أكثر قسوة حين ننظر إلى حجم الخسائر البشرية. بحلول شباط/ فبراير 2026، أعلنت وزارة الصحة في غزة استشهاد 21,289 طفلاً منذ بدء الحرب، إضافة إلى إصابة أكثر من 44,500 آخرين.
من بين الشهداء، هناك 274 طفلاً حديث الولادة و876 رضيعاً تحت عام واحد، وفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.
وعندما سألنا الطفلة سيلين سعيد (12 عاماً) عن أحلامها، لم تتحدث عن لعب أو سفر، بل عن مقعد دراسي. "أفضل شيء هو الجلوس في الفصل ورؤية المعلمة والسبورة، والإمساك بالقلم مجدداً".
سيلين واحدة من المحظوظات. فهي التحقت بإحدى مدارس وهي عبارة عن صفوف من الخيام في مراكز النزوح بجنوب قطاع غزة. هذه المدارس بالكاد تغطي جزءاً بسيطاً من احتياجات أكثر من 700 ألف طفل حرموا من التعليم النظامي بسبب حرب الاحتلال على قطاع غزة.
وتشير تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) إلى أن نحو 90% من المدارس في غزة تضررت أو دمرت بالكامل خلال العدوان الإسرائيلي على غزة.
وفي مشهد إنساني نادر، عاد 11 طفلاً من الأطفال الخُدّج إلى قطاع غزة في مارس 2026، بعد أن أمضوا أكثر من عامين بعيدًا عن عائلاتهم، إثر إجلائهم من مستشفى الشفاء في نوفمبر 2023 خلال اقتحامه من قبل الجيش الإسرائيلي.
هؤلاء الأطفال، الذين وُلدوا في ظروف قاسية وقطع الاحتلال الكهرباء عن حاضناتهم، تم نقلهم إلى مصر لتلقي الرعاية الطبية، دون أن تعرف عائلاتهم مصيرهم لشهور طويلة.
أحد هؤلاء الأطفال هي الطفلة "شام" (عامان)، التي احتضنتها والدتها روان الوادية للمرة الأولى منذ ولادتها. تقول الأم: "شعور لا يوصف اللحظة التي رأيت فيها ابنتي. كنت أنتظرها منذ زمن طويل. دموعي لم تتوقف، وكأن جزءًا من قلبي عاد بعد طول غياب".
حتى الرضّع لم يسلموا من آثار الحرب. فقد أظهرت بيانات صحية أن واحداً من كل خمسة مواليد يحتاج إلى رعاية مكثفة بسبب انخفاض الوزن عند الولادة، نتيجة سوء تغذية الأمهات والتوتر المزمن وضعف الرعاية الصحية خلال الحمل.
أما الطفل آدم شقلية (12 عامًا) فقد عاش تجربة النزوح المتكرر: "نزحنا من الشمال الى خانيونس، ومن ثم إلى عدنا إلى الشمال، وبعد ذلك نزحنا إلى الجنوب مرة أخرى. كل مرة نصل إلى مكان يحدث أمر إخلاء من الاحتلال. نلم أغراضنا ونمشي. لا يوجد استقرار، ولا مكان نشعر به بالأمان".
يشار إلى أنه نزح أكثر من 1.9 مليون شخص في قطاع غزة، معظمهم عدة مرات، تحت القصف الإسرائيلي العنيف لبيوتهم ومدنهم وأوامر الإخلاء التي يصدرها الاحتلال بالتوجه إلى أماكن غرب القطاع ما اضطرهم للعيش في خيام بالية ومدارس مكتظة، يعانون الجوع الحاد وشح المياه النظيفة وانتشار الأمراض كالتهاب الكبد الوبائي والأمراض الجلدية. وانقطعت عنهم أبسط مقومات الحياة: الكهرباء، الدواء، والكرامة، وفقد الكثيرون أطفالهم بسبب البرد أو القصف أو سوء التغذية، بينما تتفاقم معاناتهم يوما بعد يوم بسبب سوء الظروف المعيشية.
وتختزل الطالبة ريم موسى في المرحلة الابتدائية، معاناة جيل كامل بقولها: "بدل ما أكون واقفة بطابور الصباح في المدرسة، صرت أوقف بطابور التكية لأحصل على الطعام. أتمنى أن أكون مثل أطفال العالم. أتعلم، ألعب، يكون لدي ألعاب. ولا انتظر كل يوم الطعام أو الماء".
أضف إلى ذلك أن الأرقام الطبية وحدها لا تكفي لوصف الحالة النفسية لأطفال غزة. تقرير صادر عن صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA) في وصف ما يحدث بأنه "حالة طوارئ صحية نفسية عميقة".
وبحسب بيانات الصندوق، فإن 96% من الأطفال في غزة يشعرون بأن الموت وشيك، فيما يعاني نحو 61% من المراهقين والشباب من اضطراب ما بعد الصدمة، و38% يعانون الاكتئاب، و41% يعانون القلق.
فيقول الطفل محمد زعرب النازح في مواصي خان يونس بحزن شديد: "كان عمري سبع سنوات حين تحول منزلنا إلى كومة حجارة عندما قصفته طائرات الاحتلال. فقدت أبي وأمي وأختي الصغرى تحت الأنقاض، ولم أجد سوى دميتي الممزقة بين الغبار. كل ليلة أحلم أنهم عائدون، فأصحو على صوت الطائرات والرصاص. لم أعد أخاف الموت، لكني أخاف أن أنسى وجوههم".
وزارة التنمية الاجتماعية طالبت بـ "تدخل عاجل من المؤسسات المحلية والدولية، مع التركيز على رعاية الأيتام الشهرية، وإعادة بناء مرافق الطفولة المدمرة، وتقديم برامج دعم نفسي مكثفة".
لكن مع استمرار إغلاق الاحتلال للمعابر وتقييد دخول المساعدات، تبقى هذه النداءات أسيرة الواقع. أطفال غزة لا يحتاجون فقط إلى يوم يُذكرون فيه، بل إلى مستقبل يُعاش يشعرون فيه بالأمان.
وخلف كل طفل في غزة قصة. قصة حلم تأجل، وبيت لم يعد، وأب رحل. لكن رغم كل هذا، يظل هؤلاء الأطفال ممسكين بطائراتهم الورقية، رافعين أذرعهم للسماء، مصرّين على الحياة.
يشار إلى أنه في الخامس من نيسان عام 1995، وخلال انعقاد مؤتمر الطفل الفلسطيني الأول، أعلن الرئيس الراحل ياسر عرفات التزام دولة فلسطين باتفاقية حقوق الطفل الدولية، ليصبح هذا التاريخ مُخلّدًا في ذاكرة الأجيال يومًا للطفل الفلسطيني.
وتحل هذه الذكرى هذا العام ولا تزال آلة الاحتلال الإسرائيلية مستمرة في القتل والحرب على قطاع غزة منذ تشرين الأول/ اكتوبر 2023.



فلسطين

الأحد 05 أبريل 2026 11:30 صباحًا - بتوقيت القدس

رئيس سلطة الطاقة في مقابلة حصرية مع "القدس".. ستتم مراجعة القضايا الخلافية المتعلقة بنظام صافي الفوترة لربط أنظمة الطاقة الشمسية

رام الله – خاص بـ"القدس" - في مقابلة حصرية مع جريدة القدس، أوضح رئيس سلطة الطاقة، المهندس أيمن إسماعيل، أن إعادة النظر في نظام صافي الفوترة المتعلق بمشاريع الطاقة الشمسية جاء نتيجة تغيّر الظروف الاقتصادية والاجتماعية بعد إصدار النظام في أكتوبر 2025، وتأثر القدرة الشرائية للمواطنين والقطاع الخاص بسبب الحرب والأحداث الأخيرة، وسيتم دراسة كل القضايا الخلافية المتعلقة بنظام الطاقة الشمسية الأخير في فلسطين لما فيه مصلحة المواطن واستدامة عمل الشركات.
وأكد إسماعيل أن ما تم تداوله عن فرض ضريبة على المواطنين غير دقيق، مشيراً إلى أن المساهمات الرمزية المخصصة لموزعي الكهرباء (شركات التوزيع، والهيئات المحلية الموزعة للكهرباء) تهدف لدعم البنية التحتية للشبكات وليس للحكومة.
وأكد إسماعيل أن الحكومة تسعى للوصول إلى نسبة 30٪ من الطاقة المتجددة بحلول 2030، مع استمرار دعم الاستثمار الفردي والمجتمعي، مشيراً إلى أن الرسوم الرمزية وسيلة لضمان استدامة الشبكات وتمكين شركات التوزيع من تطوير التخزين والشبكات الذكية.
ودعا إسماعيل المواطنين والمستثمرين إلى الانخراط في مشاريع الطاقة الشمسية، مستعرضاً الفوائد الاقتصادية المباشرة من تقليل فاتورة الكهرباء وبيع الفائض، مع التأكيد على العدالة الاقتصادية واستقرار الشبكة الوطنية.
وفي ما يلي نص المقابلة:

* بداية، سمعنا كثيراً في الفترة الأخيرة عن قضية الضرائب المتعلقة بمشاريع الطاقة الشمسية، قبل أيام، حيث كانت هذه القضية محور جدل واسع، وصولاً إلى قرار رئيس الوزراء د. محمد مصطفى بتجميد العمل بالنظام الخاص بذلك، ما هو السبب وراء إعادة النظر في النظام من قبل الحكومة؟ وما دوافعه ومبرراته؟
شكراً لكم. أود بداية أن أوضح أن موضوع النظام المتعلق بالطاقة الشمسية ليس جديداً، حيث أنه في شهر أكتوبر من عام 2025 تم اعتماد النظام الجديد المنظم لمشاريع الطاقة الشمسية في فلسطين، بعد تنسيبه من مجلس تنظيم قطاع الكهرباء وهو الجهة المسؤولة عن وضع التشريعات الثانوية الخاصة بالطاقة الشمسية وتنظيم ومراقبة القطاع.
بعد ذلك، تم نشر النظام في الجريدة الرسمية في كانون الأول/ ديسمبر 2025، وهذا يعني أن التعليمات كانت متاحة لكل الأطراف المعنية منذ ذلك الوقت.
لكن الظروف الاقتصادية والاجتماعية تغيرت بعد إصدار النظام ونشره، خصوصاً بعد الأحداث الأخيرة التي لها علاقة بالحرب الأخيرة مع إيران، والتي أثرت على القدرة الشرائية للمواطنين وعلى القطاع الخاص، حيث تم تخفيض دفعات الرواتب أو حتى فقدان بعض الوظائف في القطاع الخاص. لذلك، كانت الحاجة لإعادة النظر في بعض البنود، خصوصاً تلك المتعلقة بالرسوم.
أود التأكيد هنا أن ما تم تداوله في وسائل الإعلام بشأن فرض ضريبة على الطاقة الشمسية غير دقيق، ولم يكن هناك ضريبة تفرضها الحكومة على المواطنين الذين يستثمرون في الطاقة الشمسية. ما كان مطروحاً هو مساهمة رمزية تُدفع لشركات توزيع الكهرباء، بهدف دعم البنية التحتية للشبكات، وليس للحكومة.

* هل يمكن أن توضح لنا سبب ضرورة هذه المساهمات ولماذا هي مرتبطة بشبكة الكهرباء؟
 بالطبع. عند تركيب نظام طاقة شمسية في المنزل، سواء كنت تولد كهرباء للاستهلاك الشخصي أو تبيع الفائض، أنت ما زلت تعتمد على الشبكة الكهربائية كمصدر آخر احتياطي. وشبكات التوزيع صُممت تاريخياً لنقل الطاقة باتجاه واحد، ومع ازدياد انتشار الأنظمة الشمسية ظهرت تحديات فنية، أهمها: ارتفاع الجهد في الشبكات خلال ساعات النهار وتدفقات القدرة العكسية، وتعقيد أنظمة الحماية الكهربائية، والحاجة لاستثمارات كبيرة في تطوير الشبكات الكهربائية للعمل مع مصادر طاقة متجددة موزعة.
لو ركبت نظام طاقة شمسية دون مساهمة، وإن كانت بسيطة، فإن تحميل تكاليف البنية التحتية بالكامل سيكون على عاتق المشتركين الذين لا يمتلكون أنظمة شمسية، وهذا غير عادل.
لذلك، تُدفع هذه المساهمة لشركات التوزيع أو موزعي الكهرباء كمساهمة لدعم الصيانة والتوسعة والتطوير بما يتيح استيعاب المزيد من مشاريع الطاقة المتجددة.

* وهل تختلف هذه الرسوم حسب نوع النظام الذي يركبه المواطن؟
 نعم، هناك اختلافات. لدينا ثلاث آليات أو نظم لمشاركة المواطن في توليد الطاقة الشمسية:
1. النظام الأول (بيع الكل وشراء الكل – Prosumer): حيث يبيع المواطن كل إنتاجه من الكهرباء لشركة التوزيع، ويستهلك من الشبكة حسب التعرفة الرسمية. هذا النظام لا يحمل أي رسوم إضافية، ويتيح للمواطن أن يصبح منتجاً ومستثمراً في الوقت نفسه، ويحقق دخل إضافي من الإنتاج.
2. النظام الثاني (صافي الفوترة – Net Billing): المواطن يستهلك احتياجاته من النظام الشمسي أولاً، والفائض يُباع لشركة التوزيع بسعر الجهد المتوسط، وهناك رسوم رمزية على كل كيلوواط فائض، تقدر بـ 5 شواكل لكل كيلو. على سبيل المثال، نظام منزلي بقدرة 5 كيلوواط قد يولد نحو 500 شيكل، تكون الرسوم 25 شيكل، أي ما يعادل 5٪ من إجمالي الإنتاج، وهي نسبة أقل بكثير من النظام القديم الذي كان يستقطع 10٪.
3. النظام الثالث (صافي الفوترة مع بطاريات التخزين): هنا يتم استهلاك الطاقة أولاً من النظام، والفائض يُخزن في بطاريات للاستخدام الليلي أو في أوقات عدم وجود شمس.
هذا النظام يحمل رسوماً أعلى قليلاً، لكنها لا تزال مقبولة، ويمكن خفضها أو تعديلها عبر آليات أخرى مثل شراء الشركة للفائض بسعر أقل قليلاً لتعويض الرسوم.

* هل هذا يعني أن المواطنين الذين يملكون أنظمة Zero Export هم معفيون من المساهمة في الشبكة؟
لم يناقش النظام هذه الحالة، ولكن حتى أنظمة Zero Export، التي تعمل دون تصدير فائض للطاقة، ما زالت تعتمد على الشبكة للحصول على الكهرباء عند الحاجة.
هذه الأنظمة ستتم دراستها من خلال اللجنة، لأن الشبكة الكهربائية تظل المصدر الاحتياطي الأساسي في حالات الطوارئ، مثل أيام غياب الشمس أو خلال العواصف والطقس السيء، أو عند الأعطال الفنية مثل تلف الإنفيرتر أو بطاريات التخزين.

* إذاً، ما هي الدوافع الحقيقية لإعادة دراسة الرسوم؟
هناك عدة دوافع:
أولاً: الظروف الاقتصادية الحالية التي أثرت على القدرة الشرائية للمواطنين والقطاع الخاص.
ثانياً: الملاحظات والشكاوى التي وردت من المواطنين حول الرسوم، خصوصاً مع اختلاف فهم طبيعة هذه الرسوم، وكان لا بد من الإيضاح للمواطنين.
ثالثاً: التوسع الكبير في مشاريع الطاقة الشمسية، الذي يتطلب تحديث وتوسيع الشبكة الكهربائية بشكل سريع لضمان الاستقرار وعدم الانقطاع.
لذلك، تم تشكيل لجنة مختصة تضم خبراء من مختلف المؤسسات الحكومية، ممثلين عن القطاع الخاص، جمعية حماية المستهلك، شركات التوزيع، مجلس تنظيم قطاع الكهرباء، معهد أبحاث الدراسات الاقتصادية (ماس)، واتحاد صناعات الطاقة المتجددة، لإعادة تقييم الرسوم ووضع آلية عادلة تحقق الهدف دون تحميل المواطنين أعباء إضافية.

* كيف يتم التوازن بين التوسع في الطاقة الشمسية واستدامة قطاع الكهرباء؟
 التوجه الأساسي هو تنظيم القطاع وليس الحد من انتشار الطاقة الشمسية. التركيز على تنظيم الأنظمة المرتبطة بالشبكة، خصوصاً أنظمة Zero Export، لأنها تعتمد على الشبكة كمصدر احتياطي.
لذلك، يجب تسجيل هذه الأنظمة لدى شركات التوزيع لضمان التخطيط الصحيح للأحمال الكهربائية، واستثمار الشركات في تطوير الشبكة لاستيعاب هذه الأنظمة دون الإضرار باستقرار الكهرباء.
كما أن شركات التوزيع بدأت تتحول من مجرد بائع كهرباء إلى مشغل شبكة متكامل، قادر على إدارة الشبكات الذكية، واستيعاب الطاقة الموزعة، وتطوير أنظمة التخزين، وتطبيق تقنيات ذكية لضمان استقرار الشبكة. هذا التحول ضروري لتوسيع انتشار الطاقة الشمسية ودعم الاستثمارات الفردية في المنازل والمشاريع الصغيرة.

* وماذا عن استراتيجية الحكومة للطاقة المتجددة؟
الحكومة تهدف إلى وصول نسبة الطاقة المتجددة في فلسطين إلى 30٪ من الاستهلاك الإجمالي بحلول عام 2030. حتى الآن، وصلنا إلى حوالي 8.2٪ من الطاقة المستهلكة، لذلك، لا يزال هناك نحو 22٪ لتحقيق الهدف، كما أن دعم الاستثمار الفردي والمجتمعي في الطاقة الشمسية أساسي للوصول إلى هذا الهدف.
رسوم المساهمة الرمزية ليست عائقاً، بل وسيلة لضمان استدامة الشبكات الكهربائية، وتمكين شركات التوزيع من الاستثمار في التخزين والشبكات الذكية، وبالتالي ضمان كهرباء موثوقة لجميع المواطنين.

* وما هي أهمية الربط بين المواطنين وشبكة الكهرباء، خاصة لأولئك الذين يملكون أنظمة شمسية مستقلة؟
 حتى المواطن الذي يمتلك نظاماً مستقلاً 100٪ مع بطاريات تخزين، فإنه يظل بحاجة إلى الشبكة كمصدر احتياطي في حالات الطوارئ.
لا يمكن الاعتماد على الشمس فقط طوال السنة، إذ يمكن أن تتعرض لمراحل غياب شمسية، أعطال في الأجهزة أو ظروف جوية قاسية. لذلك، استمرار الربط بالشبكة أساسي، وهذا يبرر الحاجة لمساهمة رمزية لدعم البنية التحتية.

* وما هي الفوائد الاقتصادية للمواطنين عند اعتماد هذه الأنظمة؟
المواطن يستفيد بطريقتين:
1. الاستهلاك الذاتي: يستهلك الكهرباء من نظامه الشمسي أولاً، وبالتالي يقلل من فاتورة الكهرباء.
2. بيع الفائض: يبيع الفائض لشركة التوزيع بأسعار عادلة، ما يوفر له دخل إضافي. حتى في النظام الثالث مع البطاريات، الرسوم الرمزية تبقى منخفضة، وفترة استرداد الاستثمار حوالي خمس سنوات، وهو أمر مقبول في الظروف الحالية.

* هل هناك اختلاف بين أنواع استخدام الأنظمة الشمسية؟
 نعم، هناك فئات مختلفة:
- من يرغب بتركيب أنظمة صغيرة لتقليل فاتورة الكهرباء فقط.
- من يرغب بأن يصبح منتجاً ومستثمراً يبيع كل الإنتاج للشركة (Prosumer).
- من يسافر جزءاً من السنة ويحتاج أن يبيع فائض الإنتاج خلال غيابه.
لذلك، النظام مصمم ليكون مرناً ويتيح لكل مواطن اختيار ما يناسبه من ثلاث آليات، بما يضمن الاستفادة القصوى ودعم الشبكة في الوقت ذاته.

* ما دور الحكومة في دعم المواطنين في هذه المرحلة؟
 الحكومة، من خلال لجنة إعادة تقييم النظام، تبحث عن حلول لتخفيف الأعباء على المواطنين. قد يشمل ذلك تعديل الرسوم، أو البحث عن آليات بديلة مثل شراء الفائض بسعر مختلف لتعويض الرسوم، أو حتى دعم جزئي من الحكومة للرسوم، بحيث يظل الاستثمار في الطاقة الشمسية مجدياً وميسوراً للمواطنين.

* ما الرسالة التي تود توجيهها للمواطنين والمستثمرين في مجال الطاقة الشمسية؟
 الرسالة واضحة: الحكومة وسلطة الطاقة ملتزمون بدعم الانتقال إلى مصادر الطاقة النظيفة، ووصول نسبة الطاقة المتجددة إلى 30٪ بحلول عام 2030.
نحن نشجع كل المواطنين، سواء كانوا مستهلكين منزليين أو مستثمرين صغار أو كبار، على الاستثمار في الطاقة الشمسية. الرسوم الرمزية موجودة لدعم البنية التحتية للشبكة فقط، وليست ضريبة، وستتم مراجعتها لضمان عدالة التطبيق وعدم تحميل المواطنين أعباء إضافية.  الاستثمار في الطاقة الشمسية يحقق فوائد مزدوجة: تخفيف الفاتورة وتحقيق دخل إضافي، وفي الوقت ذاته دعم استقرار الكهرباء الوطنية.

* بشكل واضح، حدثنا عن الرسوم وآليات الاستثمار في الطاقة الشمسية؟
بكل وضوح أود التأكيد على أن:
- الاستراتيجية الوطنية للطاقة المتجددة تهدف للوصول إلى 30٪ من الاستهلاك بحلول 2030.
- الرسوم المخصصة ليست ضريبة، بل مساهمة رمزية لتطوير شبكات الكهرباء.
- تم تشكيل لجنة مختصة لإعادة تقييم النظام والرسوم بما يتوافق مع الظروف الاقتصادية.
- أنظمة صافي الفوترة توفر للمواطن ثلاث آليات للاستثمار واستهلاك الطاقة.
- الهدف الأساسي هو التوسع في الطاقة الشمسية دون الإضرار باستقرار الشبكة.
- شركات التوزيع تتحول من بائع كهرباء إلى مشغل شبكة متكامل يشمل التخزين والتقنيات الذكية.
بهذه الطريقة، نجحت فلسطين في وضع إطار متوازن يتيح التوسع في الطاقة الشمسية، ودعم الاستثمارات الفردية، وضمان استدامة وكفاءة الشبكة الكهربائية، مع مراعاة العدالة الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين.

فلسطين

الأحد 05 أبريل 2026 11:28 صباحًا - بتوقيت القدس

غزة تواجه 'إرهاباً بيئياً': القوارض تنهش أجساد الأطفال والأوبئة تهدد مليون نازح

لم تعد غزة مجرد ساحة للعمليات العسكرية، بل تحولت إلى بيئة خصبة لكارثة صحية وبيئية تتصاعد أبعادها يوماً بعد آخر. تتكدس أطنان النفايات في الشوارع ومحيط مراكز الإيواء، مما أدى إلى انهيار كامل في منظومة النظافة العامة وغياب أبسط مقومات الحياة الكريمة للنازحين.

في ظل هذا الواقع المرير، بات السكان يواجهون خطراً صامتاً يتمثل في الانتشار الكثيف للقوارض والحشرات التي بدأت تغزو الخيام المتهالكة. وتتفاقم هذه الأزمة مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي في منع إدخال المبيدات الحشرية والمواد الكيميائية اللازمة لمكافحة الآفات منذ بدء العدوان في أكتوبر 2023.

شهدت مدينة غزة حادثة مأساوية هزت مشاعر المواطنين، حيث تعرض الرضيع آدم الأستاذ، الذي لم يتجاوز شهره الأول، لنهش مباشر من جرذ ضخم داخل خيمته. وقد نُقل الطفل إلى المستشفى في حالة صحية حرجة بعد إصابته بتسمم كاد يودي بحياته، مما يعكس حجم التهديد الذي يتربص بالأطفال.

تروي والدة الطفل آدم تفاصيل تلك الليلة المرعبة، مشيرة إلى أنها استيقظت على صراخ طفلها لتجده غارقاً في دمائه وسط ظلام الخيمة. وبعد تفتيش المكان، عثرت العائلة على جرذ كبير يختبئ تحت إحدى الطاولات، في مشهد يجسد انعدام الأمان حتى داخل أماكن النزوح المفترضة.

هذه الحادثة ليست معزولة، إذ تتواتر الشهادات من مختلف مخيمات النزوح حول هجمات مماثلة للقوارض والبراغيث التي باتت تنهش أجساد النازحين. ويشكو المواطنون عبر منصات التواصل الاجتماعي من حالة ذعر دائمة، خاصة مع رصد حشرات سامة وزواحف تقترب من الأطفال أثناء نومهم.

أفادت مصادر محلية بأن الوضع الإنساني في المخيمات تجاوز حدود الاحتمال، حيث تنتشر الحشرات السامة والبعوض بشكل غير مسبوق. كما تم رصد حيوانات برية مؤذية مثل 'ابن عرس' تتجول بين الخيام، مستغلة تراكم الركام وغياب الرقابة الصحية والبيئية.

يربط مراقبون وناشطون بين هذا الانتشار المخيف وبين تراكم الجثث تحت الأنقاض وفي المناطق التي يصعب الوصول إليها نتيجة القصف المستمر. إن تحلل الأجساد في الشوارع يجذب القوارض ويسرع من دورة حياة الحشرات الناقلة للأمراض، مما ينذر بكارثة وبائية وشيكة.

تؤكد بلدية غزة أن قوات الاحتلال تمنع طواقمها بشكل منهجي من الوصول إلى مكبات النفايات الرئيسية الواقعة شرق القطاع. هذا المنع أدى إلى تحول التجمعات السكانية إلى مكبات عشوائية، تختلط فيها النفايات الصلبة بمياه الصرف الصحي الملوثة، مما يجعل المناطق غير صالحة للسكن البشري.

من جانبه، أطلق وزير الصحة الفلسطيني ماجد أبو رمضان تحذيراً شديد اللهجة من تفاقم المخاطر الصحية الناجمة عن هذا التدهور البيئي الحاد. وأشار الوزير إلى أن تراكم الركام والنفايات غير المعالجة خلق بيئة مثالية لتكاثر الفئران والجرذان التي تحمل أمراضاً قاتلة.

أوضحت وزارة الصحة أن الظروف الراهنة تزيد من احتمالية تفشي أمراض خطيرة مثل فيروس 'هانتا'، والطاعون، وداء البريميات، والسالمونيلا. وتنتقل هذه الأوبئة إما عبر العض المباشر أو من خلال الفضلات والطفيليات الناقلة كالقراد والبراغيث التي تغزو ملابس وأغطية النازحين.

وجه الوزير نداءً عاجلاً إلى منظمة الصحة العالمية والجهات الدولية للتدخل الفوري لإدخال مواد المكافحة وتعزيز إجراءات الوقاية الصحية. وشدد على أن أكثر من مليون مواطن يعيشون في ظروف هشة للغاية، مما يجعلهم عرضة للإصابة السريعة بالأمراض المعدية في ظل سوء التغذية الحاد.

تعاني العائلات النازحة من تلف ملابسها ومخزونها المحدود من المواد الغذائية بسبب قضم القوارض لها، مما يزيد من أعبائهم الاقتصادية والنفسية. وباتت 'المعاناة اليومية' لا تقتصر على البحث عن الطعام والماء، بل تشمل خوض معركة ليلية ضد الحشرات والقوارض التي لا تهدأ.

ناشدت بلدية غزة المنظمات الإنسانية بضرورة توفير الوقود اللازم لآليات النظافة والمبيدات الحشرية التي انعدمت تماماً من الأسواق المحلية. وأكدت البلدية أن استمرار الوضع الحالي يعني حكماً بالإعدام الصحي على آلاف العائلات التي لا تملك وسيلة لحماية نفسها من هذه الآفات.

يبقى المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وإنسانية لوقف هذه الكارثة البيئية التي تتكامل مع آلة الحرب لتدمير ما تبقى من حياة في غزة. إن تأمين المستلزمات الصحية وفتح المعابر لإدخال مواد التعقيم والمكافحة يمثل ضرورة قصوى لإنقاذ آلاف الأطفال والرضع من خطر الأوبئة الفتاكة.

فلسطين

الأحد 05 أبريل 2026 11:28 صباحًا - بتوقيت القدس

موجة الغلاء..عندما تتداعى لها "جميع مفاصل الاقتصاد" بالضمور

د. شاكر خليل: يحب إيجاد حلول تخفف الأثر على المواطن لأن ارتفاع أسعار المحروقات ستكون له تداعيات خطيرة على الاقتصاد والفئات الأكثر فقراً
فراس الطويل: المحروقات تدخل في عمليات الإنتاج في قطاعات واسعة الأمر الذي يرفع تكلفة الإنتاج ويضغط على أسعار البيع للمستهلك النهائي
مسيف مسيف: الوقود يشكل أساساً للإنتاج بقطاعات مختلفة ترتبط بالطاقة ما يعني ظهور أثر رفع سعره بشكل مباشر على مناحي الحياة
د. يوسف داود: ما زال أمام السلطة هامش ضيق لزيادة دعم الديزل تحديداً الذي قد يخفف جزئياً من وطأة ارتفاع الأسعار على الاقتصاد الفلسطيني
أيهم أبو غوش: بروتوكول باريس الاقتصادي أتاح هامشاً لبيع الوقود بأقل من الأسعار الإسرائيلية واستخدمته الحكومة لتقديم دعم للمحروقات لكن الواقع الحالي مختلف
د. ثابت أبو الروس: الحكومة لم تتخلّ عن دعم المحروقات والوقود الذي يأتي عبر استرداد ضريبة "البلو" لكن قدرتها على الاستمرار تراجعت بسبب الأزمة المالية
إخلاص طمليه: يجب تبني دعم موجه للقطاعات الحيوية لتخفيف أثر ارتفاع المحروقات والوقود وضرورة الرقابة لمنع رفع هوامش الربح بشكل جائر


رام الله - خاص بـ "القدس"-


تواجه الأسواق الفلسطينية موجة جديدة من ارتفاع أسعار المحروقات والوقود، ما انعكس على أسعار السلع والخدمات بشكل فوري، وهو ما يزيد الضغط على اقتصاد يعاني أصلاً من انكماش واضح وتراجع شديد في القوة الشرائية.
ويرى خبراء اقتصاديون ومختصون وأساتذة جامعات في أحاديث منفصلة مع "القدس"، أن التبعية الكاملة للتسعيرة الإسرائيلية وأزمة المقاصة تحد من قدرة الحكومة على التدخل ودعم الوقود والمحروقات، وترتفع الأسعار بوتيرة متسارعة تترك أثرها المباشر على حياة المواطنين.
ويؤكدون أن الزيادة في أسعار البنزين والسولار والغاز تتسبب بارتفاع تكاليف النقل والإنتاج والخدمات، ما يؤدي إلى موجة غلاء تشمل السلع الأساسية والمواد الغذائية، كما أنه بين ضعف الدخل وارتفاع معدلات البطالة، تتسع دائرة المتضررين وتشتدّ الضائقة المعيشية.
ويحذر الخبراء الاقتصاديون والمختصون وأساتذة الجامعات من أن استمرار هذا الوضع، ترتفع المطالب باتخاذ خطوات عاجلة للحد من آثار الغلاء وتخفيف العبء عن الأسر الفلسطينية التي باتت تواجه تحدياً يومياً في تغطية احتياجاتها الأساسية.







موجة غلاء ضمن السياق الإقليمي والدولي

يؤكد الخبير الاقتصادي د. شاكر خليل أن ارتفاع أسعار الوقود والمحروقات في فلسطين، وانعكاسها بموجة من الغلاء ليست معزولة عن السياق الإقليمي والدولي، بل ترتبط بشكل مباشر في الحرب الدائرة، خصوصاً في الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز، ما تسبب بقفزة كبيرة بأسعار البترول والتي انعكست على جميع دول العالم، ومن ضمنها فلسطين.

الوضع المحلي أكثر تعقيداً

ويشير خليل إلى أن الوضع المحلي أكثر تعقيداً بسبب الارتباط الكامل بالسوق الإسرائيلية في استيراد المحروقات وتحديد التعرفة، ما يجعل أي ارتفاع في إسرائيل يرتد تلقائياً على السوق الفلسطينية.
ويلفت خليل إلى أن الأسعار ارتفعت بنسب قياسية وغير مسبوقة تجاوزت ما يقارب 15% للبنزين و 40% للسولار و27%للغاز، وهو ارتفاع لا يقتصر أثره على قطاع الطاقة بل يمتد ليشمل كل السلع والخدمات الأساسية، بحكم اعتماد الإنتاج والتوزيع والنقل على الوقود والمحروقات بشكل مباشر.

تداعيات خطيرة

ويؤكد خليل أن ارتفاع أسعار المحروقات وخصوصاً السولار الذي وصل إلى 40%، سيكون له تداعيات خطيرة على الاقتصاد المتهالك أصلاً وخصوصاً على الفئات الأكثر فقراً لارتباطه المباشر بسلة السلع الأساسية.
ويوضح خليل أن قطاع النقل سيكون أول المتأثرين، تليه السلع الأساسية التي ترتفع تكاليف إنتاجها، الأمر الذي سيضغط بشدة على الفئات الفقيرة ومحدودي الدخل، الذين تشكل السلع الأساسية الجزء الأكبر من نفقاتهم الشهرية.

تعميق الأزمة

ويصف خليل الوضع بأنه "صبّ للملح على الجرح"، في ظل الواقع الاقتصادي المتدهور منذ الحرب على غزة، وما تلاها من فقدان آلاف العمال لوظائفهم داخل الخط الأخضر، وتراجع الحركة التجارية، وتدهور أداء القطاع الخاص، إضافة إلى الأزمة المستمرة في صرف الرواتب بنسب غير مكتملة.
ويبيّن خليل أن الناتج المحلي الإجمالي شهد تراجعاً يتجاوز 25% مقارنة بما قبل الحرب، ما يعكس حجم الانكماش الحاد في الاقتصاد الفلسطيني.

حلول خارج الصندوق

ويدعو خليل إلى إيجاد حلول "خارج الصندوق" من قبل الحكومة عبر إشراك مختلف الأطراف في حوار وطني اقتصادي يهدف لتخفيف الأثر على المواطن وإعطاء الأولوية لتعزيز صمود الفئات الأشد فقراً، من خلال برامج دعم مباشرة تستهدف الفئات الأكثر فقرا كأولوية.

آليات التسعير

وفي سياق شرح آليات التسعير، يوضح خليل أن السلطة تشتري المحروقات مباشرة من الشركات الإسرائيلية بأسعار كاملة، ثم تعيد بيعها لمحطات الوقود محققة خسارة نقدية، تسترد جزءاً منها لاحقاً عبر ضريبة "البلو" التي تشكل نحو ثلث الإيرادات العامة، لكن احتجاز المقاصة منذ ما يقارب 10 أشهر حرم السلطة من استلام هذه الضريبة، فحوّل الخسارة النقدية إلى عبء حقيقي على السيولة الحكومية.

توقعات بارتفاعات إضافية

ويتوقع خليل أن تشهد الأسعار ارتفاعات إضافية خلال الفترة المقبلة، محذراً من خطورتها على اقتصاد غير قادر على التعافي سريعاً حتى لو انتهت الحرب.

توقيت خاطئ لقرار الطاقة الشمسية

ويتناول خليل الجدل حول الطاقة الشمسية، موضحاً أن بعض القرارت الأخيرة جاءت في سياق اعتراض شركات الكهرباء على فقدان جزء من الإيرادات نتيجة زيادة الإقبال على الطاقة الشمسية، لكنه يؤكد ضرورة التوسع في الطاقة المتجددة وتخفيف القيود لتخفيف العبء على المواطنين، منتقداً توقيت القرارات الذي اعتبره "غير موفق" في ظل موجة الغلاء الراهنة.

المحرك الأساسي للنشاط الاقتصادي

يؤكد رئيس تحرير موقع "الاقتصادي" فراس الطويل أن ارتفاع أسعار الوقود والمحروقات ستؤثر على مختلف مناحي الحياة اليومية في فلسطين، وستنعكس بشكل مباشر وسريع على كلفة المعيشة، باعتبار المحروقات "المحرك الأساسي للنشاط الاقتصادي".
ويوضح الطويل أن ارتفاع أسعار البنزين والسولار والغاز يدفع تلقائياً إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، وقد ظهر ذلك فعلياً في بيان رسمي أصدرته وزارة النقل والمواصلات يقضي بتعديل أجرة المواصلات بنسب معينة.
ويؤكد الطويل أن ارتفاع أسعار المحروقات والوقود سيمتد ليشمل أسعار السلع الأساسية والغذائية، نظراً لاعتماد السوق المحلي بشكل كبير على النقل في توزيع البضائع.
ويشير الطويل إلى أن المحروقات والوقود تدخل في عمليات الإنتاج في قطاعات واسعة، منها الزراعة والصناعة والمخابز والمولدات الكهربائية، الأمر الذي يرفع تكلفة الإنتاج ويضغط على أسعار البيع للمستهلك النهائي.
ويوضح الطويل أن بعض المصانع بدأت بالفعل الإعلان عن رفع أسعار منتجاتها—كمثال رفع أسعار البلاستيك بنسبة 10 إلى 15%—ما يعمّق أزمة القدرة الشرائية لدى الأسر ويزيد من اتساع دائرة الغلاء.

اقتطاع جزء أكبر من دخل الأسر

ويشير الطويل إلى أن ارتفاع أسعار الوقود والمحروقات سيقتطع جزءاً أكبر من دخل الأسر المتقلص أساساً، سواء عبر كلفة التنقل اليومي أو عبر شراء الوقود للمركبات، ناهيك عن تأثيراته غير المباشرة عبر تضخم أسعار السلع والخدمات.

جدل حول نظام "صافي الفوترة"

ويعتبر الطويل أن الاعتماد شبه الكامل على إسرائيل في استيراد المشتقات النفطية والكهرباء يجعل أي أزمة طاقة أكثر تعقيداً، خاصة مع الجدل الدائر حول نظام "صافي الفوترة" المرتبط بالطاقة الشمسية، ما قد يتعارض مع خطط سلطة الطاقة التي أعلنت نيتها رفع نسبة الاعتماد على الطاقة المتجددة إلى 30% بحلول عام 2030، كما أن إعلان الحكومة تجميد العمل بنظام الفوترة حالياً خطوة مهمة يجب العمل عليها لاحقاً ودراسة الحالة بشكل كامل.

إعادة النظر بالضرائب على المحروقات

ويدعو الطويل إلى إعادة النظر في الضرائب المفروضة على المحروقات، وكذلك فحص مدى التزام التسعيرة الفلسطينية بهامش الـ15% الذي يسمح به بروتوكول باريس مقارنة بالأسعار الإسرائيلية.

إعادة النظر بالحد الأدنى للأجور

وفيما يخص السياسات الاجتماعية، يؤكد الطويل أن الحد الأدنى للأجور البالغ 1880 شيكل لا يلبّي الحد الأدنى من المتطلبات المعيشية، فضلاً عن عدم التزام نسبة كبيرة من المؤسسات بتطبيقه، داعياً إلى إعادة النظر فيه بما يتناسب مع الارتفاعات المتتالية في الأسعار، مشيراً إلى أن المواطن لا يشعر بوجود خطوات حكومية حقيقية تدعم صموده في ظل الأوضاع الاقتصادية والمالية الصعبة.

المحروقات سلعة استراتيجية وحيوية

يحذّر الباحث في معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني "ماس" مسيف مسيف من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية العميقة لارتفاع أسعار الوقود في فلسطين، مؤكداً أن المحروقات تُعد سلعة استراتيجية وحيوية، وأي زيادة في أسعارها تنعكس مباشرة وغير مباشرة على مختلف جوانب الحياة.
ويوضح مسيف أن الوقود والمحروقات ليست مجرد سلع للاستهلاك، بل تشكل أساساً لعمل الأسر ولقطاعات مختلفة أبرزها النقل وللإنتاج والصناعات المرتبطة بالطاقة، ما يعني ظهور أثر رفع سعره بشكل مباشر على مناحي الحياة.

أثر مباشر على دخل المواطن

ويشير مسيف إلى أن الأثر المباشر يظهر أولاً على دخل المواطن، فصاحب السيارة الذي سيجد نفسه مضطراً لدفع ما بين 300 إلى 400 شيكل إضافية في ظل ارتفاع قد يصل إلى 35%، وهذا المبلغ يشكل ما بين 15% إلى 20% من راتب موظف يتقاضى بين 2000 و3000 شيكل، وهو عبء إضافي يصعب يتحمله في ظل الظروف الاقتصادية القائمة.

زيادة كلفة النقل

ويؤكد مسيف أن التأثير غير المباشر أكثر خطورة، إذ يؤدي ارتفاع أسعار الوقود إلى زيادة كلفة النقل، ما يرفع بدوره أسعار مختلف البضائع والخدمات في السوق الفلسطيني.
كما ترتفع وفق مسيف، تكاليف الإنتاج الصناعي المعتمد على الطاقة، ما يخلق دائرة تضخم تضغط على المستهلك والاقتصاد معاً.
ويشدد مسيف على أن سلعة البترول يؤدي ارتفاعها إلى ارتفاع جميع السلع دون استثناء، بما في ذلك الخدمات المهنية التي بات أصحابها يرفعون أجورهم نتيجة زيادة تكاليف التنقل.

دعم حكومي ضعيف للمحروقات

وفيما يتعلق بقدرة الحكومة على التدخل، يوضح مسيف أن الدعم الحكومي للمحروقات ضعيف وقد توقف فعلياً منذ أزمة أموال المقاصة، مشيراً إلى أن الحكومة اليوم لا تستطيع توجيه مواردها لدعم الوقود في ظل وصول إيراداتها إلى نحو 50% فقط، ما يجعل الأولويات موجهة للقطاعات الصحية والتعليمية والاجتماعية ورواتب الموظفين.

خيارات محدودة أمام الحكومة

ويشدد مسيف على أن الحكومة لا تمتلك أدوات حقيقية لضبط الأسعار كون الوقود مستورد من إسرائيل التي تتحكم بتسعيرته.
ويرى مسيف أن الخيارات المتاحة أمام الحكومة محدودة للغاية، وأن الحلول الممكنة تتمثل في التوجه لزيادة الاقتراض الداخلي والخارجي، أو الحصول على قروض بضمان أموال المقاصة، إضافة إلى تحرك دبلوماسي لحشد دعم مالي من الدول الصديقة.

الاقتراض يبقى أقل ضرراً

وبرغم المخاطر المترتبة على ارتفاع الدين العام، الذي قد يتجاوز 15 مليار دولار، يؤكد مسيف أن الاقتراض يبقى أقل ضرراً من انهيار القدرة الشرائية للمواطن وتراجع الخدمات الأساسية.
ويحذّر مسيف من استمرار تدهور الرواتب الذي بدأ منذ أزمة المقاصة، مشيراً إلى أن نسب الصرف التي تراجعت من 80% إلى 50% قد تهبط إلى 40% أو حتى 20% إذا استمرت الأزمة دون حل، ما يستدعي تحركاً سريعاً لتجنب تداعيات اجتماعية واقتصادية خطيرة.

انعكاس مباشر على حياة المواطنين وقطاعات الإنتاج

يحذّر أستاذ الاقتصاد في جامعة بيرزيت د. يوسف داود من تداعيات موجة الغلاء التي تفرضها الزيادات الأخيرة في أسعار الوقود والمحروقات في فلسطين، مؤكداً أن الارتفاعات الحالية—بنسبة 15% على بنزين 95 و13% على بنزين 98، إضافة إلى قفزة كبيرة تصل إلى 41% في سعر الديزل— وهي ستنعكس مباشرة على حياة المواطنين وقطاعات الإنتاج في ظل أزمة اقتصادية خانقة.

برتوكول باريس المقيد لأسعار البنزين

ويوضح داود أن ارتفاع سعر البنزين يبقى مقيداً ببروتوكول باريس، الذي يمنع أن تكون أسعاره في السوق الفلسطينية أقل من نظيرتها في إسرائيل، بينما تمتلك الحكومة مجالاً محدوداً للمناورة في سعر الديزل عبر تخفيض الضريبة، وهو ما لا يشكّل دعماً مباشراً بل تقليصاً لجانب من العبء الضريبي.
ويشير داود إلى أن السلطة الفلسطينية تستورد سنوياً بين 90 و100 مليون لتر وقود، يشكّل الديزل ثلثيها، ما يجعل تخفيض الضريبة عليه خطوة قادرة على تقليل الضغط على الأسعار نسبياً، نظراً لاعتماد قطاعات الإنتاج والمواصلات عليه بشكل أكبر من البنزين المستخدم للاستهلاك الفردي.
ويشير داود إلى أن ارتفاع أسعار المحروقات والوقود ينعكس بشكل متفاوت على السلع والخدمات، إذ تتأثر المواد الغذائية والزراعة وقطاع النقل والكهرباء.

سلوك بعض أصحاب محطات الوقود

ويبيّن داود أن الأسواق لا تتأثر فقط بفعل ارتفاع الأسعار، بل أيضاً بسلوك بعض أصحاب محطات الوقود الذين يعمدون إلى الإغلاق توقعاً بارتفاعات أكبر، ما يخلق حالة من الاحتكار ويدفع الأسعار نحو المزيد من الصعود.

تحذير من تأثر سلاسل التوريد

ويحذر داود من أن سلاسل التوريد قد تتعرض للانقطاع أو التأخير، الأمر الذي يؤدي إلى نقص في السلع والخدمات الأساسية للمستهلكين.
ويشير داود إلى أن هذه الارتفاعات تأتي في ظل انقطاع شبه كامل لإيرادات العاملين في سوق العمل الإسرائيلية، وعدم صرف رواتب الموظفين العموميين بالكامل، ما يضعف القدرة الشرائية ويؤدي إلى حالة من "التضخم المصحوب بالبطالة" وهي إحدى أصعب الأزمات الاقتصادية.

العبء على الفلسطينيين أكبر

وفي مقارنة بين فلسطين وإسرائيل، يوضح داود أن أسعار الوقود باتت متقاربة بين الجانبين، رغم أن متوسط الأجور في إسرائيل يبلغ نحو 14 ألف شيكل مقابل 2500–2600 شيكل فقط في فلسطين، ما يعني أن العبء على الفلسطينيين أكبر بكثير، ويمهد لارتفاع معدلات الفقر، علاوة على أن أسعار الوقود والمحروقات في الولايات المتحدة أقل بكثير من فلسطين والتي تقل بنسبة تصل إلى النصف، وكل ذلك بسبب الضرائب وبروتوكول باريس الاقتصادي.

هامش ضيق أمام الحكومة

ويشير داود إلى أن متوسط دعم الحكومة الفلسطينية لأسعار الوقود يتراوح بين 50 و60 مليون شيكل شهرياً، لكنه آخذ بالتقلص بسبب محدودية الموارد وعدم تحويل أموال المقاصة. ومع ذلك، يرى داود أنه ما زال أمام السلطة هامشاً ضيقاً لزيادة دعم الديزل تحديداً، كون تأثيره يمتد إلى قطاع النقل والإنتاج، وقد يخفف—ولو جزئياً—من وطأة ارتفاع الأسعار على الاقتصاد الفلسطيني.

أسعار الوقود والمحروقات في فلسطين من الأعلى

يحذّر الصحفي المختص بالشأن الاقتصادي أيهم أبو غوش من التداعيات العميقة لارتفاع أسعار المحروقات والوقود على الاقتصاد الفلسطيني، مؤكداً أن موجة الغلاء الحالية لا تعود فقط لزيادة الأسعار عالمياً، بل لكون أسعار الوقود والمحروقات في فلسطين من الأعلى أصلاً بسبب الضرائب المفروضة، وعلى رأسها ضريبة "البلو" الإسرائيلية وضريبة القيمة المضافة، اللتين تشكلان أكثر من 60% من سعر لتر الوقود.
ويوضح أبو غوش أن ضريبة المحروقات تعد أحد مصادر الدخل الرئيسية للسلطة الفلسطينية، وتُشكل نحو ثلث إيرادات المقاصة المحوّلة عبر الاحتلال.
ووفق أبو غوش، فإنه بموجب بروتوكول باريس الاقتصادي، يخضع الفلسطينيون والإسرائيليون لغلاف جمركي موحد، ما يعني أن المواطن الفلسطيني يدفع الضرائب ذاتها، لكن مع فوارق ضخمة في الأجور؛ إذ يبلغ متوسط أجر العامل الإسرائيلي بين 13.5 و14 ألف شيكل، فيما يتقاضى العامل الفلسطيني ما بين 2400 و2800 شيكل فقط.
ويشير أبو غوش إلى أن بروتوكول باريس الاقتصادي أتاح للسلطة هامشاً لبيع الوقود بأقل من الأسعار الإسرائيلية بما يصل إلى 15% في البنزين وبهامش مفتوح في السولار والكاز، وقد استخدمت الحكومة هذا الهامش سابقاً لتقديم ما أسمته "دعم المحروقات"، لكن الواقع الحالي مختلف.
ويلفت أبو غوش إلى أنه في عام 2022، ورغم تجاوز سعر برميل النفط 100 دولار، حافظت الأسعار محلياً على استقرار نسبي خصوصاً في السولار، لحماية الطبقات الاجتماعية من الغلاء عبر تخفيض الحصة الضريبية.
لكن أبو غوش يرى أن الواقع الحالي مختلف؛ إذ أُزيلت تقريباً الفجوة السعرية بين السوقين الفلسطيني والإسرائيلي، واختفت الهوامش التي تراوحت سابقاً بين 50 و60 أغورة لكل لتر، ما أدى إلى تحميل المواطن كامل الارتفاع العالمي، في ظل أزمة مالية تضيق على قدرة الحكومة على امتصاص الصدمات أو تقديم دعم فعلي.

نحو موجة تضخم واسعة

ويؤكد أبو غوش أن الزيادة الحالية في أسعار الوقود والمحروقات ستقود إلى موجة تضخم واسعة ستمتد لتشمل أجرة النقل العام وأسعار السلع الأساسية التي تعتمد على المحروقات.
وتأتي هذه التطورات وفق أبو غوش، في مرحلة اقتصادية شديدة الخطورة، إذ فقد الاقتصاد الفلسطيني ربع حجمه خلال عامين ونصف من الحرب، وحُرم نحو 200 ألف عامل من الدخول إلى أماكن عملهم داخل الخط الأخضر، ما كان يضخ نحو 1.8 مليار شيكل شهرياً في الأسواق، كما تعاني الحكومة من عجز في دفع الرواتب كاملة.
ويشير أبو غوش إلى أن الغلاء الحالي سيضاعف معاناة المواطنين، في ظل غياب تدخل حكومي حقيقي لتخفيف أثر الأزمة المتصاعدة.

تأثيرات على الحياة اليومية

يوضح الخبير والمحلل الاقتصادي د. ثابت أبو الروس أن ارتفاع أسعار المحروقات والوقود سيكون لها تأثيرات على الحياة اليومية للمواطنين في فلسطين، مؤكداً أن الزيادة الحالية تأتي في وقت يعاني فيه المواطنون أصلاً من تراجع مستويات الدخل، وانعدام فرص العمل، وارتفاع غير مسبوق في أسعار السلع الأساسية.
ويشدد أبو الروس على أن المحروقات والوقود ليست مجرد سلعة مرتبطة بالنقل والمواصلات، بل تشكل جزءاً رئيسياً من تكلفة الإنتاج في مختلف القطاعات الصناعية والزراعية والخدماتية.
وبحسب أبو الروس، فإن المحروقات والوقود تمثل أحد أهم مدخلات الإنتاج، ما يعني أن أي رفع في أسعارها سينعكس فوراً على تكلفة الصناعات المحلية، وبالتالي على أسعار السلع في السوق.
قطاع النقل والمواصلات الأكثر تضرراً

ويشير أبو الروس إلى أن قطاع النقل والمواصلات، الذي يشكل نحو 14% من دخل المواطن، سيكون من أكثر المتضررين، لافتاً إلى أن ارتفاع تعرفة المواصلات بين شيكل وشيكلين سيشكل عبئاً كبيراً على العائلات التي يبلغ متوسط عدد أفرادها خمسة، ما يرفع الكلفة اليومية لتلبية الاحتياجات الأساسية.
ويشير أبو الروس إلى أن الأزمة تتفاقم في ظل تراجع الدخل وانعدامه لدى جزء كبير من المواطنين، ما يخلق ضغوطاً على العائلات والقطاع الخاص والحكومة معاً.

تراجع قدرة الحكومة بسبب الأزمة المالية

ويتطرق أبو الروس إلى سياسة الدعم الحكومي للمحروقات، موضحاً أن الحكومة لم تتخلّ عن دعم المحروقات والوقود، لكن قدرتها على الاستمرار في ذلك تتراجع بسبب الأزمة المالية الخانقة.
ويؤكد أبو الروس أن الدعم الحكومي يأتي من خلال استرداد ضريبة "البلو" من الجانب الإسرائيلي، إلا أن تعليق تحويلات المقاصة منذ نحو عام أجبر الحكومة على تمويل الدعم من سيولتها مباشرة، الأمر الذي أثّر على أدائها المالي وحدّ من قدرتها على الحفاظ على مستويات الدعم السابقة.

ترشيد استخدام المحروقات والوقود

وفي ما يتعلق بالإجراءات المطلوبة، يوصي أبو الروس المواطنين بترشيد استخدام المحروقات والوقود وإدارة الأزمة باعتبارها مؤقتة مرتبطة بالحرب والأوضاع العالمية، داعياً في الوقت ذاته إلى تعزيز الرقابة على الأسعار في الأسواق خاصة السلع الأساسية ووضع قوائم إرشادية للأسعار.

الأزمة "شماعة" لرفع الأسعار

ويدعو أبو الروس السائقين إلى عدم استغلال الأزمة ورفع الأسعار بصورة مبالغ بها، والالتزام بنسب الزيادة المرتبطة بسعر الوقود فقط.
ويطالب أبو الروس القطاع الخاص بعدم اتخاذ الأزمة "شماعة" لرفع الأسعار بشكل كبير، بل الالتزام بزيادات موضوعية ومحدودة.
أما على المستوى الحكومي، فيشدد أبو الروس على ضرورة الاستمرار في دعم قطاع المحروقات ضمن الإمكانات المتاحة، والبحث عن مصادر توريد بديلة رغم العوائق التي واجهت محاولات سابقة للاستيراد من دول عربية.

مكافحة الشائعات

ويدعو أبو الروس إلى مكافحة الشائعات وتعزيز الرقابة على محطات الوقود ومنع دخول محروقات غير قانونية إلى السوق، إلى جانب الضغط على الجانب الإسرائيلي عبر القنوات الدولية لإعادة تحويل أموال المقاصة وضريبة "البلو"، بما يمكّن الحكومة من الاستمرار في دعم هذا القطاع الحيوي.

الارتباط البنيوي القسري بالاقتصاد الإسرائيلي

تعتقد الباحثة الاقتصادية إخلاص طمليه أن ارتفاع أسعار الوقود والمحروقات في فلسطين، ستقود إلى "تضخم مركّب متعدد القنوات"، نظراً لاعتماد معظم السلع والخدمات على المحروقات والوقود كمدخل أساسي في الإنتاج والنقل والتوزيع.
وتؤكد طمليه أن الوقود يُعد سلعة محورية، وأي ارتفاع فيه ينعكس تلقائياً على أسعار السلع الأساسية، إذ تتحدد نسب الارتفاع وفقاً لحجم استخدام الوقود والمحروقات في كل قطاع.
وترى طمليه أن الموجة التضخمية الحالية هي في الأساس تضخم مستورد نتيجة الارتفاع العالمي في أسعار النفط على خلفية الحرب الدائرة، لكن خصوصية الحالة الفلسطينية تزيد من تعقيدها بسبب الارتباط البنيوي القسري بالاقتصاد الإسرائيلي وفق بروتوكول باريس الاقتصادي، الذي يقيّد قدرة السلطة الفلسطينية على تحديد بعض أنواع الوقود أو استيراد بدائل أرخص، ما يجعل السوق الفلسطينية متلقياً كاملاً للصدمات الخارجية دون قدرة على امتصاصها.

مرحلة شديدة الحساسية

وتوضح طمليه أن هذه الصدمات تأتي في مرحلة شديدة الحساسية، حيث يعاني الفلسطينيون من تآكل في الرواتب وفقدان أكثر من 200 ألف عامل لأعمالهم في الداخل، إضافة إلى خسارة مصادر دخل عديدة.
وتشير طمليه إلى أن ذلك ترافق مع انكماش اقتصادي عميق عقب الحرب، خسر خلاله الاقتصاد الفلسطيني أكثر من 24% من الناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب ارتفاع غير مسبوق في معدلات البطالة والفقر.
كما ساهمت عوامل أخرى وفق طمليه، في تفاقم الأعباء على الأسر، منها تراجع القوة الشرائية بسبب هبوط سعر صرف الدولار الذي خسرت معه شريحة واسعة ربع رواتبها تقريباً، واقتطاعات رواتب القطاع العام، وتراجع النشاط في القطاع الخاص.

الاقتصاد الفلسطيني على حافة الركود

وترى طمليه أن هذه الظروف مجتمعة تضع الاقتصاد الفلسطيني على حافة الركود التضخمي، إذ تتزامن زيادة الأسعار في المحروقات والوقود وانعكاس الارتفاع على أسعار السلع، مع تراجع الدخل وفرص العمل، مما يفاقم هشاشة الأسر ويهدد بموجة تضخمية أوسع في قادم الأشهر.

تقليص دعم السولار

وفي ما يتعلق بدعم المحروقات، تؤكد طمليه – استناداً إلى متابعتها – أن الحكومة قلّصت مساهمتها في دعم السولار الذي كانت أعلنت عنه قبل سنوات، حيث انخفض الدعم من 80 أغورة إلى 30 أغورة لكل لتر، وهو ما اعتبرته قراراً "جاء في توقيت بالغ الحساسية" مع الارتفاع العالمي في أسعار الطاقة وتراجع قدرة المواطنين الشرائية.

تبني دعم موجه للقطاعات الحيوية

وتشدد طمليه على ضرورة تبني دعم موجه للقطاعات الحيوية مثل قطاعي المواصلات والغذاء، لتخفيف أثر ارتفاع المحروقات والوقود، إلى جانب تفعيل أدوات الرقابة والتنظيم لمنع رفع هوامش الربح بشكل جائر، ومحاربة أي ممارسات احتكارية، وفرض عقوبات صارمة على المخالفين.
وتدعو طمليه إلى تعزيز الشفافية في آليات التسعير والبيع، وبناء شبكات حماية للفئات الأكثر هشاشة في المجتمع، باعتبار أن هذه الفئات هي الأكثر تأثراً بالصدمات التضخمية الحالية.

فلسطين

الأحد 05 أبريل 2026 11:27 صباحًا - بتوقيت القدس

عون يؤكد أن التفاوض ليس استسلاماً وحزب الله يعلن استهداف بارجة إسرائيلية

أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن مسار التفاوض الرامي لوقف العدوان الإسرائيلي لا يمثل استسلاماً أو تنازلاً عن الحقوق الوطنية، مشيراً إلى أن الدولة تتحرك ديبلوماسياً مع القوى الدولية لوقف ما وصفه بالجنون الإسرائيلي. وأوضح عون في كلمة له بمناسبة عيد الفصح أن هناك أطرافاً تسعى لجر البلاد إلى أتون الحرب والفتنة، مشدداً على ضرورة الوعي الوطني في هذه المرحلة الدقيقة.

واعتبر الرئيس اللبناني أن السلم الأهلي يمثل خطاً أحمر، محذراً من أن أي محاولة لإثارة النعرات الطائفية تصب مباشرة في مصلحة الاحتلال الإسرائيلي. وأشار إلى أن حرية التعبير يجب أن تنضبط تحت سقف الأمن الوطني، واصفاً بعض السلوكيات الحالية بالتوحش الاجتماعي الذي يهدد استقرار المجتمع اللبناني الذي سئم من الحروب المتكررة.

ودافع عون بقوة عن دور المؤسسة العسكرية في حماية البلاد، معرباً عن أسفه للهجمات التي تستهدف الجيش اللبناني من قبل بعض الجهات. وأكد أن الجيش يقوم بمهامه الوطنية بعيداً عن الأجندات السياسية، مشدداً على أنه لولا تضحيات العسكريين لما تمكن المواطنون من البقاء في منازلهم في ظل الظروف الأمنية الراهنة.

ميدانياً، أعلن حزب الله عن تنفيذ عملية نوعية استهدفت بارجة عسكرية إسرائيلية قبالة السواحل اللبنانية، وهي المرة الأولى التي يعلن فيها عن استهداف قطع بحرية منذ بدء التصعيد الحالي. وأوضح الحزب في بيان رسمي أن العملية تمت باستخدام صاروخ كروز بحري، استهدف البارجة على بعد 68 ميلاً بحرياً أثناء تحضيرها لتنفيذ اعتداءات على الأراضي اللبنانية.

وفي سياق التصعيد الجوي، شن الطيران الإسرائيلي غارات عنيفة استهدفت بلدة كفرحتى في جنوب لبنان، مما أسفر عن سقوط شهيد وعدد من الجرحى ودمار واسع في الممتلكات. وكانت البلدة قد تعرضت لسلسلة من الهجمات الليلية المكثفة عقب أوامر إخلاء قسرية أصدرها جيش الاحتلال، مما أدى لاستشهاد عائلة نازحة كانت قد لجأت للبلدة هرباً من القصف.

كما طالت الغارات الإسرائيلية بلدة صديقين في قضاء صور، حيث أفادت مصادر طبية ومحلية بسقوط ثلاثة شهداء وعدد من المصابين جراء استهداف مباشر للمناطق السكنية. وتزامن ذلك مع غارة أخرى استهدفت بلدة الزرارية، في إطار حملة جوية واسعة شملت مناطق متفرقة من الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية لبيروت.

وعلى صعيد العمليات البرية، أقدمت قوات الاحتلال على تنفيذ عمليات نسف وتفجير ممنهجة للمنازل في عدة قرى حدودية، شملت الناقورة ودبل وعلما الشعب والقوزح والبياضة وشمع. وذكرت مصادر ميدانية أن الاحتلال قام بحرق وتدمير المحال التجارية، واستخدم الجرافات والآليات الثقيلة لهدم فندق بالقرب من مقر قوات 'اليونيفيل' في الناقورة.

وفي تطور لافت، هدد الجيش الإسرائيلي باستهداف معبر المصنع الحدودي الواصل بين لبنان وسوريا، مدعياً استخدامه لنقل وسائل قتالية وأسلحة. وأدى هذا التهديد إلى إخلاء مقر الأمن العام في المعبر وتوقف العمل فيه بشكل كامل، مما يزيد من تضييق الخناق على حركة التنقل والإمدادات الحيوية للبنان.

وتأتي هذه التطورات في وقت وجه فيه جيش الاحتلال إنذارات إخلاء جديدة لسكان سبعة أحياء في الضاحية الجنوبية لبيروت، مما ينذر بموجة جديدة من القصف العنيف على المنطقة. وتعيش العاصمة اللبنانية حالة من الترقب والقلق مع استمرار التحليق المكثف للطيران الحربي والمسير فوق مختلف المناطق اللبنانية.

وتشير التقارير الميدانية إلى أن سياسة 'الأرض المحروقة' التي يتبعها الاحتلال في القرى الحدودية تهدف إلى خلق منطقة عازلة خالية من السكان والمعالم العمرانية. وتواصل فرق الإسعاف والدفاع المدني محاولاتها للوصول إلى المناطق المستهدفة لانتشال الضحايا، رغم الصعوبات الكبيرة الناجمة عن استمرار القصف واستهداف الطرق الرئيسية.

وعلى المستوى الدولي، تتواصل التحذيرات من انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة، حيث دعت واشنطن رعاياها لمغادرة لبنان فوراً مع تصاعد وتيرة العمليات العسكرية. وفي المقابل، تصر الحكومة اللبنانية على التمسك بالمسارات الدبلوماسية والقرار 1701 كإطار للحل، رغم التعنت الإسرائيلي المستمر وتوسيع رقعة الاستهدافات لتشمل المدنيين والبنى التحتية.

أقلام وأراء

الأحد 05 أبريل 2026 11:27 صباحًا - بتوقيت القدس

حين يصبح التعليم قضية سيادة لا خدمة: لماذا يجب أن نعيد تعريف المعركة؟

في اللحظة التي يُختزل فيها التعليم إلى "خدمة عامة"  تُدار بالحد الأدنى من الإمكانات، نكون قد خسرنا المعركة قبل أن تبدأ. ليس لأن المدارس أغلقت، ولا لأن المعلم أُنهك، بل لأننا أخطأنا في تعريف ما ندافع عنه أصلًا.
التعليم ليس خدمة. التعليم قضية سيادة.
هذه ليست عبارة إنشائية. إنها توصيف دقيق لطبيعة الصراع الذي نعيشه. فالدول التي تدرك معنى السيادة لا تبدأ بالدبابات، بل تبدأ بالعقول. لا تحمي حدودها فقط، بل تحمي قدرتها على إنتاج المعرفة، وصياغة الوعي، وتحديد ما يجب أن يُعلَّم، وكيف، ولماذا.
في الحالة الفلسطينية، تبدو المفارقة صارخة: نحن من أكثر الشعوب حديثًا عن التعليم، ومن أكثرها استثمارًا رمزيًا فيه، لكننا في الوقت نفسه نتعامل معه عمليًا كملف خدماتي قابل للتأجيل، أو التكيّف، أو الإدارة المؤقتة. نطالب بتحسينه، لا بإعادة تعريفه. نُصلح جزئياته، دون أن نسأل عن جوهره.
وهنا يكمن الخلل.
حين نُخضع التعليم لمنطق "الطوارئ الدائمة"، فإننا نحوله إلى نظام بقاء، لا نظام بناء. وحين نربطه فقط بالتمويل والرواتب والبنية التحتية، فإننا نفصل بينه وبين وظيفته الأساسية: إنتاج إنسان قادر على الفهم، والاختيار، والمواجهة.
وهذا أخطر من أي نقص في الموارد.
المشكلة ليست أن لدينا أزمة تعليم، بل أن لدينا تعريفًا قاصرًا لماهية التعليم نفسه.
هل هو نقل معرفة؟
أم إعداد لسوق العمل؟
أم وسيلة للترقي الاجتماعي؟
كل ذلك صحيح، لكنه غير كافٍ في سياقنا.
في بيئة مستقرة، قد يكون التعليم أداة تنمية. أما في بيئة كبيئتنا، فهو أداة بقاء وكرامة ومعنى.
هو ما يمنع الانهيار الكامل للإنسان حين تنهار الظروف من حوله. وهو ما يحفظ الرواية حين تُستهدف الذاكرة. وهو ما يُبقي المجتمع قادرًا على إعادة إنتاج نفسه رغم كل شيء.
لهذا، فإن التعامل مع التعليم كقطاع خدمي هو خطأ استراتيجي، لا إداري.
خطأ ينعكس في كل شيء:
في طريقة تصميم المناهج، وفي موقع المعلم داخل المجتمع، وفي طبيعة الخطاب التربوي، وفي ترتيب الأولويات الوطنية.
المعلم، في هذا السياق، ليس موظفًا ينتظر راتبه- رغم مشروعية هذا الحق- بل هو فاعل سيادي.
ليس لأنه يملك سلطة، بل لأنه يملك القدرة على تشكيل الوعي.
وحين يُهمَّش المعلم، أو يُستنزف، أو يُختزل دوره، فإننا لا نخسر فردًا،، بل نخسر إحدى أهم أدواتنا في الصمود.
وكذلك الطالب، الذي لم يعد مجرد متلقٍ ينتظر المعرفة، بل أصبح-بحكم الواقع-شريكًا في إنتاجها تحت الضغط.
الطالب الفلسطيني يتعلم في ظروف لا تُدرّس في كتب التربية:
انقطاع، توتر، عدم يقين، وضغط نفسي مستمر. ومع ذلك، يستمر.
هذه ليست قصة نجاح فردية، بل مؤشر على أن لدينا نموذجًا كامناً لم نقرأه بعد.
وهنا يأتي السؤال الصعب: لماذا لا نحول هذا الواقع إلى نموذج؟
لماذا لا ننتج من تجربتنا نظرية، بدل أن نظل نحاول استيراد نظريات لا تشبهنا؟
الجواب مؤلم وبسيط: لأننا ما زلنا نفكر في التعليم كملف تحسين، لا كملف سيادة.
إعادة تعريف التعليم ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة سياسية. تعني أن نعيد ترتيب أولوياتنا: أن نرى المعلم استثمارًا لا عبئًا، والمحتوى التعليمي أداة تشكيل وعي لا مجرد مادة دراسية، والمدرسة مساحة إنتاج معنى، لا مجرد مكان للحضور والانصراف. وتعني أيضًا أن نتحرر من وهم أن الإصلاح يبدأ من التفاصيل.
الإصلاح الحقيقي يبدأ من السؤال الكبير: ما نوع الإنسان الذي نريد أن ننتجه؟
دون إجابة واضحة عن هذا السؤال، ستظل كل محاولات الإصلاح تدور في حلقة مفرغة، مهما كانت النوايا حسنة، أو الجهود كبيرة.
لسنا بحاجة إلى مزيد من الخطط التي تُكتب ثم تُنسى. نحن بحاجة إلى قرار وطني واضح يعيد وضع التعليم في مكانه الطبيعي: في قلب المشروع الوطني، لا على هامشه، لأن المعركة اليوم ليست فقط على الأرض، بل على الوعي الذي سيحدد شكل الأرض ومعناها في المستقبل. وحين نفهم ذلك، سنكتشف أن السؤال لم يكن يومًا: كيف نُحسّن التعليم؟ بل: كيف نحمي سيادتنا من خلاله؟

أقلام وأراء

الأحد 05 أبريل 2026 11:26 صباحًا - بتوقيت القدس

الرسوم على الشمس في فلسطين.. إلغاؤها واجب وطني !

رئيس الوزراء استجاب لنبض الشارع، وشكّل لجنة لدراسة ملف ما بات يُعرف بـ"صافي الفوترة"  أو ما فضل الناس على تسميته "ضريبة الشمس". القرار ارتقى من حيث المبدأ والسرعة لحالة الاحتقان والغضب الشعبي وهذا يسجل له، الجهات التي شكلت منها اللجنة تمثل اطياف مهمة لإعادة النظر مع ان وجود وزارة المالية وسلطة البيئة وشخصيات مستقلة عملت في المجال غير ذي مصلحة كان سيعطي اللجنة قوة حضور أكبر.
المطلوب من اللجنة جملة من المسائل والتي نراها تندرج على عدد من المسارات:
1. يجب عدم نقاش فرض الرسوم بأي حال من الأحوال على أي مواطن ربط أو خزن الكهرباء على نظام البطاريات، لان مجرد القبول بنقاش الامر يعد تعديا على حقوق الناس في استخدام الطاقة المتجددة والنظيفة، ويصبح بالفعل ما يردده الناس من تسميه صحيحاً.
2. إن كان ولا بد من فرض رسوم يجب أولاً أن تنسجم مع ما ورد في القانون الاساسي فيما يتعلق بالرسوم والضرائب بحيث يتم استثناء البيوت من أي رسوم أو ضرائب.
3. إن أي رسوم سيتم فرضها يجب أن تخضع لمراجعة وتقدير الحكومة الفلسطينية وليست الشركات الخاصة، بحيث لا يجوز للشركات أن تصبح جهة انفاذ قانون، بحيث تقوم بملاحقة المنشأت وفقاً لسياساتها برعاية أو تغطية بقرارات حكومية.
4. إن الحكومة الفلسطينية هي الأحق والأجدر بجمع اي رسوم او ضرائب من الشركات وبشكل مباشر، وإن كان هناك ضرورة لذلك يجب ان يكون هناك تنظيم صارم ويخضع للرقابة المالية من خلال وزارة المالية الفلسطينية.
5. إن كان لا بد من فرض رسوم وضرائب، فالأجدى أن تقوم الحكومة بالزام كل جهة تعمل في مجال الطاقة النظيفة أن تفتح ملفات ضريبية وتدفع الضرائب للحكومة من خلال ضريبة الدخل والقيمة المضافة وضريبة المهن وضريبة الأملاك والمعارف، وهذا يمكن جبايته من البائع والمشتري لمرة واحدة وحسب القانون.
إن مسؤولية أعضاء اللجنة أن يتوصلوا إلى صيغ واضحة ومحددة تعفي البيوت من أي رسوم على شبكة الكهرباء من الشمس مهما كانت طبيعة الشبكة ونوعها وقوتها وسبل التخزين والاستخدام، إلا في حال كان صاحب البيت يرغب ببيع الكهرباء للشركة، عند ذلك يمكن فرض رسوم على البيع وليس على الاستخدام أو مجرد أن تكون لديه طاقة متجددة في بيته.
القرار الآن بين أعضاء اللجنة المشكلة من رئيس الوزراء، ودون ذلك فإن الناس لن ترضى عن أي قرار يضر بحقوقهم الطبيعية، ولا يجوز للجنة أن تشكل غطاء لدفع أي رسوم مهما كانت على حقهم في استخدام الطاقة المتجددة في منازلهم. وإن رفعت اللجنة ذلك فمن المتوقع من الحكومة أن ترفض هذه التوصية، وتعلن بشكل واضح أنها ستعفى المواطنين من أي رسوم بل وتشجع المواطنين على استخدام الطاقة المتجددة.

أقلام وأراء

الأحد 05 أبريل 2026 11:25 صباحًا - بتوقيت القدس

"فتح" في مؤتمرها الثامن: من الوفاء لتاريخ النضال إلى تمكين المرأة وصناعة المستقبل

في لحظة وطنية مفصلية، وفي ظل العدوان المستمر وتداعياته السياسية والاجتماعية والاقتصادية، واستنادا للتوجه الحركي بالتحضير لعقد المؤتمر الثامن لحركة فتح بوصفه أكثر من استحقاق تنظيمي؛ إنه اختبار حقيقي لقدرة الحركة على تجديد مشروعها الوطني، وصياغة رؤية تستجيب لاحتياجات المجتمع الفلسطيني، وفي مقدمة ذلك إنصاف المرأة الفلسطينية وتمكينها.
لقد كانت حركة فتح، منذ انطلاقتها، عنوانًا للريادة الوطنية والاجتماعية، وحاضنة لأسر الشهداء والأسرى والجرحى، ومدافعة عن صمود المجتمع الفلسطيني. فمنذ البدايات الأولى، أدركت الحركة أن النضال الوطني لا ينفصل عن المسؤولية الاجتماعية، وأن الوفاء لتضحيات الشهداء والأسرى والجرحى وأسرهم هو جزء أصيل من رسالتها الوطنية والتاريخية.
واليوم، فإن هذه الريادة تضع الحركة أمام مسؤولية تاريخية متجددة، تتمثل في تحويل تمكين المرأة الفلسطينية من شعار سياسي إلى برنامج وطني واجتماعي واقتصادي واضح، يعالج آثار العدوان، ويؤسس لمرحلة جديدة من العدالة الاجتماعية والمواطنة الكاملة.
فالمرأة الفلسطينية، التي كانت شريكة في مسيرة النضال والصمود، هي اليوم من أكثر الفئات تأثرًا بتداعيات العدوان، سواء من حيث فقدان المعيل، أو تراجع الأمن الاقتصادي، أو الضغوط النفسية والاجتماعية، أو الحاجة إلى حماية قانونية وتشريعية أكثر إنصافًا. لقد حملت المرأة عبء الأسرة والمجتمع في أحلك الظروف، وكانت دائمًا حاضرة في ميادين التضحية والبناء، ما يجعل إنصافها وتمكينها استحقاقًا وطنيًا وأخلاقيًا.
ومن هنا، فإن نجاح المؤتمر الثامن سيقاس بقدرته على تبني سياسات واضحة تعالج آثار العدوان على شعبنا وبالقلب منة على النساء، وتعزز مشاركتهن السياسية بنسبة لا تقل عن 30%وصولا للمناصفة في كافة الأطر القيادية، تنفيذا لقرار الحركة والتزامًا بتاريخها الريادي.
غير أن تمكين المرأة لا يجب أن يتوقف عند حدود التمثيل السياسي، بل لا بد أن يمتد إلى بناء برنامج اقتصادي واجتماعي متكامل، يفتح آفاقًا حقيقية أمام النساء للمشاركة في سوق العمل، ودعم المشاريع الصغيرة، وتوفير شبكات الحماية الاجتماعية، وتعزيز خدمات الرعاية الصحية والنفسية، بما ينعكس على الأسرة الفلسطينية والمجتمع بأسره.
كما أن المؤتمر مطالب بالوقوف بجدية أمام القضايا التشريعية الجوهرية، وعلى رأسها قانون الأحوال الشخصية، بما يضمن مواءمته مع مبادئ العدالة والمساواة والذي اكد عليها إعلان الاستقلال والقانون الأساسي ومسودة الدستور الفلسطيني، جميعهم اكدوا على تعزيز مكانة المرأة، ويحمي حقوقها، ويرسخ المواطنة والعدالة الاجتماعية.
إن فتح، وهي تدخل مؤتمرها الثامن، أمام فرصة تاريخية لتجديد رؤيتها الوطنية والتنظيمية، وربط وفائها لتاريخ النضال بقدرتها على صناعة المستقبل. فكما كانت رائدة في احتضان قضايا الشهداء والأسرى والجرحى، يجب أن تكون اليوم رائدة في تبني سياسات تنصف المرأة الفلسطينية، وتعزز دورها كشريك كامل في القرار الوطني، وفي إعادة بناء المجتمع.
إن تمكين المرأة ليس قضية قطاعية أو مطلبًا اجتماعيًا أو مقتصر على مطلب نسوي فحسب، بل هو جزء لا يتجزأ من مشروع التحرر الوطني، ومدخل أساسي لصناعة مستقبل أكثر عدالة وصلابة للشعب الفلسطيني.
واليوم، الأنظار تتجه إلى ما سيصدر عن المؤتمر من رؤية سياسية واضحة تؤكد التمسك بالثوابت الوطنية، وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة على حدود الرابع من حزيران 1967، وعاصمتها القدس، باعتبار ذلك جوهر المشروع الوطني الذي قادته فتح منذ انطلاقتها، كما إن المؤتمر الثامن لحركة فتح ليس محطة تنظيمية فحسب، بل لحظة وطنية مفصلية تتجه إليها أنظار الشعب الفلسطيني، كما يراقبها المحيط العربي والإقليمي والمجتمع الدولي بوصفها مؤشرًا على قدرة الحركة على تجديد مشروعها الوطني والاجتماعي، واستعادة زمام المبادرة في هذه المرحلة الدقيقة. فمخرجات هذا المؤتمر ستشكل رسالة سياسية واضحة حول مستقبل الحركة، ودورها في قيادة المرحلة، واستجابتها لتحديات العدوان وآثاره العميقة على المجتمع الفلسطيني.

* وزيرة شؤون المرأة ومقررة المكتب الحركي المركزي للمرأة

أقلام وأراء

الأحد 05 أبريل 2026 11:21 صباحًا - بتوقيت القدس

الرياض تعيد توزيع القوة دون ضجيج

لم يكن ما قاله دونالد ترمب مجرد زلة لسان، بل كان تعبيراً صريحاً عن ذهنية سياسية تعتبر الحلفاء امتداداً للنفوذ لا شركاء فيه.
فتصريحاته بحق محمد بن سلمان حملت نبرة استعلاء غير مسبوقة، وكأن العلاقة بين الولايات المتحدة والسعودية يمكن اختزالها في معادلة "آمر ومأمور".
 غير أن ما تلا ذلك لم يكن رد فعل تقليدياً، بل كان صمتاً محسوباً، لا يعكس حياداً بقدر ما يعكس انتقالاً هادئاً إلى مستوى آخر من الفعل السياسي، حيث تُدار المصالح بعيداً عن الانفعال، وتُعاد صياغة التوازنات دون ضجيج.
في هذا السياق، يبرز ملف الطاقة بوصفه المدخل الأكثر وضوحاً لفهم هذا التحول؛ إذ إن خط الأنابيب الشرقي-الغربي الممتد إلى ينبع لم يعد مجرد مشروع اقتصادي، بل أصبح أداة سيادية تعزز استقلال القرار، بقدرة تصل إلى نحو سبعة ملايين برميل يومياً، وهي طاقة تقترب من إجمالي الصادرات النفطية للمملكة في كثير من الأحيان.
 وبهذا، تتراجع مركزية مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية، من كونه نقطة ضغط حاسمة إلى مجرد خيار من بين خيارات، في دلالة واضحة على أن القوة لم تعد فقط في الإنتاج، بل في القدرة على التحكم بمساراته وتجاوز اختناقات الجغرافيا السياسية.
غير أن هذا التحول لا يقف عند حدود النفط، بل يمتد إلى إعادة تشكيل شبكة العلاقات الإقليمية بطريقة أكثر مرونة وتوازناً؛ حيث يتقاطع الدور السعودي مع كل من تركيا وباكستان ومصر ضمن صيغة لا ترقى إلى تحالف تقليدي بقدر ما تعكس "هندسة مصالح" متعددة المستويات، تجمع بين الثقل السكاني الذي يتجاوز أربعمائة مليون نسمة، والقدرات العسكرية المتنوعة، والتحكم بممرات حيوية مثل قناة السويس. وفي هذا الإطار، لا يبدو الهدف استبدال حليف بآخر، بل توسيع دائرة الخيارات بحيث لا تبقى أي دولة رهينة محور واحد أو مظلة واحدة.
أما في الجنوب، فإن باب المندب يظل عنصراً محورياً في معادلة الأمن والطاقة، إذ تمر عبره ملايين البراميل يومياً إلى جانب نسبة معتبرة من التجارة العالمية، ما يجعل أي استقرار فيه ضرورة تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة.
 ومن هنا، فإن أي تهدئة في اليمن، بما في ذلك التفاهمات غير المباشرة مع الحوثيون، تندرج ضمن مقاربة إدارة المخاطر لا إنهاء الصراعات، خاصة في ظل حضور إيران كلاعب مؤثر في توازنات المنطقة، سواء عبر أدوات مباشرة أو غير مباشرة.
ضمن هذا المشهد المركب، تتضح ملامح تحول أعمق في طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة، التي لم تعد تمثل الضامن الوحيد للأمن الإقليمي، بل أصبحت جزءاً من شبكة أوسع من العلاقات، في إطار انتقال تدريجي من الاعتماد الأحادي إلى إعادة التوازن.
وهنا تحديداً تتجلى المفارقة؛ فبينما كان الخطاب الأمريكي يميل إلى الاستعلاء، كانت الوقائع على الأرض تشير إلى تشكل عالم أكثر تعددية، وأقل خضوعاً لهيمنة قطب واحد.
وعليه، فإن الرد السعودي لم يكن بياناً سياسياً، بل كان مساراً عملياً متكاملاً: تقليل الاعتماد على مضيق هرمز، وتعزيز البدائل عبر ينبع، وتوسيع شبكة الشراكات الإقليمية، والعمل على تهدئة بؤر التوتر المؤثرة في خطوط التجارة العالمية.
وبهذا المعنى، تتحول الإهانة إلى حدث عابر في سياق أوسع يعيد تعريف مفهوم القوة ذاته، بحيث لا تقاس بردود الأفعال الآنية، بل بالقدرة على تحويل الضغوط إلى فرص، والاستفزاز إلى إعادة تموضع استراتيجي.
في عالم يضج بالتصريحات، يبدو أن الدول الأكثر فاعلية هي تلك التي تفضل أن تقول أقل… وتفعل أكثر؛ فالتاريخ لا يُكتب بما يُقال في لحظات الانفعال، بل بما يتغير بهدوء على الأرض. وهنا فقط، يمكن فهم كيف أن الصمت، حين يكون مدروساً، لا يعكس ضعفاً، بل قوة قادرة على إعادة تشكيل التوازنات دون أن ترفع صوتها.

أقلام وأراء

الأحد 05 أبريل 2026 11:20 صباحًا - بتوقيت القدس

خطيئة العداء للعرب

تمكن تحالف الشر الأميركي الإسرائيلي من: 1- تدمير قدرات ایران وبناها التحتية. 2- زج العرب دون رغبتهم مرغمين أن يكونوا طرفاً في الحرب والمواجهة ضد إیران.
الهجوم المشترك على إيران لم تكن البلدان العربية الخليجية والأردن ترغبه، ولا تحبذه، ولا مصلحة لها فيه، وقد عبرت العديد من هذه البلدان عن ذلك غير مرة، سياسياً وعملياً.
المستعمرة الإسرائيلية عملت على تفجير الحرب ضد إیران، وعملت على توسيعها لتشمل وفق  مصالحها الاشتباك العربي الإيراني، من خلال دفع العرب مرغمين كي يكونوا في الخندق المتصادم مع طهران.
 ضيق أفق من قبل المتطرفين أصحاب القرار لدى العاصمة الإيرانية، تجاوبوا مع الخديعة والفخ الأميركي الإسرائيلي، وغابت عنهم الأولويات، وضعف التركيز، وتاهت بوصلة أهدافهم، باستهداف القصف الإيراني للمواقع داخل البلدان العربية والمساس بالأمن والسيادة لبلدان الخليج العربي والأردن.
زيارة رأس الدولة جلالة الملك التضامنية إلى الإمارات يوم الإثنين (16/ 2/ 2026) هدفت للتعبير عن فهم المصالح المشتركة بين البلدين، وإعطائها ما تستحق من الاهتمام، ورفضهما لاية اعتداءات على الطرفين، وتأكيدهما على خيار البحث عن السبل التي توفر خفض التصعيد السائد لدى منطقة الشرق العربي.
الدول العربية كما جاء في البيان الأردني الإماراتي: "لم تكن طرفا في الحرب (على إيران)، ولم تبدأها، بل حاولت احتواء الأزمة وتجنب انزلاق المنطقة للصراع"، حيث لا مصلحة لنا فيه، وليس لطرف مكسب فيه سوى للمستعمرة الاسرائيلية التي سعت إلى هذه الحرب من أجل:
أولاً:  إنهاء وإضعاف وتشتيت الاهتمام العربي والدولي، عما حصل في قطاع غزة من مجازر وقتل وتطهير وإبادة قارفتها قوات المستعمرة الاسرائيلية ضد الشعب الفلسطين.
ثانياً: استكمال خطوات الهيمنة والسيطرة الإسرائيلية على الشرق العربي بعد اسقاط نظامي صدام حسين وبشار الأسد، واغتيال وقتل قيادات حزب الله وحركة حماس.
 ثالثاً: معاقبة إيران لوقوفها مع النضال الفلسطيني، وضد المستعمرة الاسرائيلية ، وأنها الطرف الذي مازال يشكل رافعة ورفضاً من موقع القوة والاقتدار للاحتلال والتوسع والاستعمار الإسرائيلي.
إیران وقعت في الفخ، واقترفت حماقة سياسية وسوء الاختيار العمل العسكري بالاعتداءات على بلدان الخليج العربي، وهي بذلك وقعت بالمصيدة الاسرائيلية ، من خلال دفع البلدان العربية كي يكون خيارها غير المباشر في الخندق الإسرائيلي ضد إيران، عبر تعريض البلدان العربية للقصف الإيراني، والتصدي العربي للاعتداءات الإيرانية، حماية لسيادتها ومواطنيها ومؤسساتها المعتدى عليها.
الاعتذار الإيراني أولاً والتوقف عن الاعتداء والتطاول على البلدان العربية ثانياً، والالتزام بما قاله الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أن بلدان الخليج اشقاء ولا مصلحة لإيران أن تعتدي عليهم أو التصادم معهم، وأن تدرك أن لا مصلحة لها خسران العرب ، وأن لا يقفوا معها، فالعلاقات القائمة  على حُسن الجوار والتداخل في المصالح المشتركة بيننا تفرض إعادة النظر، عليهم تغيير جوهري في سلوكهم السياسي والأمني.

أقلام وأراء

الأحد 05 أبريل 2026 11:19 صباحًا - بتوقيت القدس

خطاب مرتبك لرئيس عنجهي ومأزوم

الخطاب الذي ألقاه الرئيس ترامب فجر الأربعاء الماضي ،"حديث الى الأمة" حاول البيت الأبيض تنظيم حملة شرح وتوضيح لما قاله الرئيس دونالد ترامب في "حديث إلى الأمة" والسعي لتصويره خطاباً مسؤولاً شرح للرأي العام المشهد الراهن وقدّم معلومات مهمة لمواجهة الحملة التي شملت نواباً وشخصيات عامة وإعلاميين، وصفت الخطاب بالسخيف والتافه والفارغ والتكرار المملّ لما سبق وقاله في عشرات التصريحات والتغريدات ولم يتطوّع أحد لمهمة وصفت بـ الانتحارية مع تراجع الثقة بمنهجية ترامب في إدارة حرب يقول إنه ربحها وانتهى الأمر وشطب إيران عن الخريطة ثم يقول إن على إيران أن تفتح مضيق هرمز وهو جاهز لوقف إطلاق النار معها، ثم يقول إنه غير معنيّ بفتح مضيق هرمز وعلى المعنيين به أن يقوموا هم بفتحه، وبدون حرج يتحدّث وهو رئيس دولة عن عزمه على ارتكاب جرائم حرب بتدمير منشآت مدنية يُحرّم القانون الدولي استهدافها خلال الحرب.
تشاك شومر زعيم الأقلية الديمقراطية في الكونغرس الأمريكي، وصف الخطاب بالمثير للشفقة، وبأنه الخطاب الأكثر تشتتاً وهبوطاً وتفاهة في تاريخ الرؤوساء الأمريكيين، فهو لم يحدد بوضوح الأهداف من الحرب، والرؤيا والآليات لكيفية الخروج منها.
 في حين النائب الديمقراطي كريس كولن وصف الخطاب بأنه الأخطر على أمريكا والعالم، أما النائب الديمقراطي كريس مورفي، فقد قال عن هذا الخطاب، بأن الرئيس الأمريكي منفصل عن الواقع.، لا توجد خطة واضحة ومجرد كلام غير متوازن ويفتقر الى الجدية.
وفي خطابه قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب في “حديثه إلى الأمة” ثلاثة أشياء متعارضة، أولًا، قدّم خطابًا يمهّد لإعلان نهاية الحرب: "نفذنا ما خططنا له، دمرنا، أنهينا التهديد" — لغة إقفال ملف وبناء صورة نصر مكتمل تسمح بالخروج من دون كلفة سياسية داخلية. ثانيًا، أطلق تهديدًا يفتح باب التصعيد: “إذا لم يُفتح هرمز سنفتح أبواب الجحيم”، لغة مواصلة الحرب وتصعيدها. ثالثًا، عاد لينفي الارتباط: “لا يهمنا هرمز ولا علاقة لنا به”، لغة فصلٍ تتيح التراجع عن التصعيد إذا استدعت الضرورة. هذه ليست فوضى لفظية، بل ثلاثة مسارات محتملة تُعرَض في آن واحد.
الدلالة الأولى أن الخطاب لا يصدر عن قرار مُنجز، بل عن غياب قرار. لأن الجمع بين “أنجزنا وانتهى الأمر” و“سنفتح أبواب الجحيم” و“لا علاقة لنا بهرمز” يعني أن البيت الأبيض لم يحسم قراره بين الخروج أو التصعيد، وأن الرئيس يحتفظ بكل الأبواب مفتوحة إلى آخر لحظة. لذلك يصبح التناقض أداة.
قال ترامب أيضًا ما يفيد أن المسار ليس مغلقًا، بل معلّق على مهلة زمنية تنتهي يوم الاثنين. هنا تتحوّل المهلة إلى جوهر الاستراتيجية: ليست موعدًا للحسم، بل مساحة اختبار. ما الذي يُختبر حتى مساء الأحد؟ أولًا، قدرة الوسطاء على خرق. هل ينجح مسار الوساطة في إنتاج خطوة ملموسة لخفض التوتر، وتبادل رسائل مُلزِمة، أو إطار تفاوضي يبرّر الاكتفاء بخطاب النصر والانسحاب؟ إذا تحقق خرق محدود لكنه قابل للبناء، يصبح خيار “نصر من طرف واحد” ممكنًا: إعلان انتهاء المهمة مع إبقاء خطوط الردع مفتوحة.
ثانيًا، صورة النصر والقوة في الداخل. ترامب يحتاج أن يختبر هل يكفي السرد الإعلامي (أرقام التدمير، الضربات الحاسمة) لإقناع الجمهور بأنه حقق الهدف. إذا استقرت هذه الصورة، يستطيع أن يغلق الجبهة سياسيًا من دون تصعيد إضافي. أما إذا بدت الصورة مهتزّة، فستحتاج إلى جرعة تصعيد تعيد تثبيت الانطباع.
ثالثًا، قدرة الجمهور على تحمّل كلفة الأسعار. إدخال هرمز في الخطاب ليس تفصيلًا؛ إنه اختبار مباشر لتحمّل الداخل الأميركي (والحلفاء) ارتفاع أسعار الطاقة مقابل شعور بالقوة. إذا ارتفعت الأسعار بسرعة وترافقت مع قلق اقتصادي، يضيق هامش التصعيد. وإذا بقي الأثر محدودًا أو محتملًا، يتّسع.
رابعًا، تفاعل سعر النفط مع فرضية التصعيد. هذا هو المؤشر الأكثر حساسية. التهديد بفتح “أبواب الجحيم” مرتبط ضمنيًا بإمكانية اضطراب الإمدادات. إذا أظهر السوق قفزات حادة مع كل إشارة تصعيد، فإن البرميل يفرض سقفًا سياسيًا على القرار العسكري. وإذا بقي التفاعل مضبوطًا، يصبح التصعيد خيارًا أقل كلفة.
تتبلور ثلاثة احتمالات حتى نهاية المهلة: الخروج بخطاب نصر: تثبيت رواية “أنجزنا المهمة” والانتقال إلى تهدئة مدروسة، مع إبقاء التهديد كأداة ردع. هذا الخيار يحتاج خرقًا وسيطيًا وصورة نصر مقنعة وسوقًا مستقرة نسبيًا، أو الذهاب إلى التصعيد بتفعيل لغة “أبواب الجحيم” إذا فشل الوسطاء وبدت صورة النصر غير كافية، مع افتراض أن كلفة السوق محتملة. هنا يتحوّل التهديد إلى فعل. واحتمال تمديد المهلة عشية الأحد: وهو الأكثر اتساقًا مع بنية الخطاب. عبر تمديد جديد يسمح بمواصلة الاختبار: ضغطٌ بلا التزام، ووعودٌ بلا حسم، وإدارة زمن بدل اتخاذ قرار.
 واضح من جملة الإقالات التي تجري في الإدارة الأمريكية، وشملت رئيس هيئة الأركان الأمريكية ووزيرة العدل وغيرها من القيادات العسكرية والأمنية أننا أمام لحظة إعادة تشكيل في بنية القرار الأمريكي، وهي على ما يبدو تشمل القيادات المعارضة لاستمرار الحرب على إيران، وحصول هذه الإقالات والتنحيات في هذا التوقيت فهي أقرب إلى تنظيف المسار القيادي قبل قفزة تصعيديّة محتملة.
أما التوغل البري، إن وقع، فلن يكون هدفه الحسم النهائي بل إعادة تعريف قواعد اللعبة بالقوّة وفرض سقف جديد للتفاوض تحت النّار، مع ان هذا الخيار غير مرجح لكلفته الباهظة عسكرياً واقتصادياً وتداعياته الكبرى على أسعار النفط والغاز والأسواق المالية، أسعار أسهم البورصات، وعلى الاقتصاد العالمي.

أقلام وأراء

الأحد 05 أبريل 2026 11:17 صباحًا - بتوقيت القدس

طوبى لصانعي السلام "في مواجهة أيديولوجيا القوة لدى نتنياهو"

في روح أسبوع الآلام، اكتسب ما جرى في القدس يوم أحد الشعانين، الموافق 29 آذار/مارس 2026، خطورة استثنائية، إذ منعت الشرطة الإسرائيلية الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، والأب فرانشيسكو إيلبو، حارس الأراضي المقدسة، من دخول كنيسة القيامة للاحتفال بالقداس. وإن تمكّن البطريرك لاحقًا من ترؤس القداس في كنيسة الجسمانية، فإن ذلك يُسقط الادعاء بأن هذا المنع كان لدواعٍ أمنية. فما حدث لم يكن إجراءً احترازيًا محايدًا، بل كان فعلًا يرمي إلى فرض السيطرة على الوصول إلى العبادة. إن تحويل الصلاة إلى مسألة "إذن" لا يُعدّ حماية، بل هو إنكار لحق أصيل لا تملك أي قوة احتلال سلطة تقييده. وكما أشار الأب رفعت بدر، فإن القول إن البطريرك "سيُسمح له" بالدخول لا يُعدّ منّة أو تفضّلًا، بل اعتداءً على حق طبيعي. ولم يكن هذا الإجراء معزولًا؛ فقد أُغلقت أيضًا كنيسة القيامة والمسجد الأقصى، وللمرة الأولى منذ عام 1967، مُنع المسلمون من أداء صلاة عيد الفطر في المسجد الأقصى، في مخالفةٍ للقانون الدولي الذي ينفي عن إسرائيل، بصفتها قوةً قائمة بالاحتلال، أي سيادة أو ولاية قانونية على فلسطين المحتلة.
غير أنّ إسرائيل، بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، قد صعّدت منذ مطلع عام 2026، وعلى نحوٍ معلن، سياسةً لا تستهدف فقط قمع الشعب الفلسطيني، بل أيضًا تقويض الأسس التي تقوم عليها حلّ الدولتين وإغلاق أي أفق حقيقي للسلام. فالتشريعات المتعلقة بالأراضي الفلسطينية التي دُفعت يومي 8 و15 شباط/فبراير، والهادفة إلى تعميق السيطرة على الأرض الفلسطينية المحتلة وتسهيل أشكال جديدة من المصادرة والضم، والقرار الذي أقرّه الكنيست في 30 آذار/مارس ومهّد لتشريع يجيز إعدام الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، وتصاعد عنف المستوطنين، والتوسع المتواصل للاستيطان، والدمار المستمر في غزة، كلها تصدر عن منطق واحد: ترسيخ الهيمنة، وإحكام السيطرة، والتفكيك المنهجي للأسس السياسية والقانونية والإنسانية للوجود الفلسطيني.
وبعد 78 عامًا على النكبة، و59 عامًا من الاحتلال، واغتيال الزعيم الإسرائيلي الداعي إلى السلام إسحاق رابين على يد متطرّف إسرائيلي في قلب تل أبيب عقب إتفاقات أوسلو لعام 1993، وما شهدته غزة من دمار ذي طابع إبادي، تفرض نفسها تساؤلات لا يمكن تجاهلها: ما هي الذهنية التي ما زالت تغذّي هذا الاحتلال وتعمل على استدامته؟
لقد كشف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، من دون مواربة، المنطق الذي يستند إليه هذا الاحتلال، وذلك خلال مؤتمر صحفي متلفز عُقد في القدس بتاريخ 19 آذار/ مارس 2026، في خضمّ زمن الصوم الكبير. ففي تلك المناسبة قال: "إن التاريخ يُظهر، ويا للأسف، أن يسوع المسيح لا يملك أفضلية على جنكيز خان، لأنه إذا كان المرء قويًا بما فيه الكفاية، وقاسيًا بما فيه الكفاية، ونافذًا بما فيه الكفاية، فإن الشر سوف ينتصر على الخير" . وإلى ما تنطوي عليه هذه المقارنة من إساءة بالغة بين شخصيتين تاريخيتين متباينتين جذريًا في الهوية، والرسالة، والمكانة الأخلاقية والإنسانية في التاريخ، فإن كلمات نتنياهو تجاوزت مجرد إثارة الغضب لدى المسيحيين وغير المسيحيين، إذ كشفت بوضوح المنطق الأخلاقي والسياسي الذي يسند جانبًا كبيرًا من ممارسات الاحتلال: رؤيةٌ تفقد فيها الأخلاق قيمتها ما لم تسندها القوة، ويتحرر فيها النفوذ من قيود القانون ليغدو المصدر النهائي للشرعية. وفي ظل هذا المنطق، تصبح ممارسة العنف أمرًا طبيعيًا بوصفه أداةً سياسية.
وفي وقت لاحق، حاول نتنياهو إضفاء المشروعية على طرحه من خلال الاستناد إلى ويل دورانت، مدعيًا أن أي حضارة أخلاقية لا يمكن أن تستمر من دون القوة اللازمة للدفاع عن نفسها. غير أن هذا الاستدعاء يكشف، في حقيقته، عن قراءة انتقائية لفكر دورانت أكثر مما يدعم موقفه. فقد أقرّ ديورانت بوقائع القوة في التاريخ، لكنه لم يخلص إلى أن الأخلاق ينبغي أن تخضع للقوة. بل على العكس، كتب في مؤلفه " القيصر والمسيح "  أن  " القيصر والمسيح إلتقيا في الحلبة، وانتصر المسيح". والمعنى واضح: قد تُفرض الهيمنة لفترة من الزمن، لكنها لا تكفل النصر الأخلاقي الأعمق والأبقى. ومن ثمّ، فإن تصريحه لا يقتصر على عقد مقارنة بين شخصيات تاريخية، بل يذهب إلى أبعد من ذلك، إذ يُطبع الظلم ويحوّله إلى منطق سياسي مقبول.
في السياق الفلسطيني، لا يُنظر إلى اللغة الأيديولوجية التي يستخدمها نتنياهو بوصفها مجرد استعارة تاريخية، بل باعتبارها تبريرًا صريحًا لمنظومة القهر المفروضة على الشعب الفلسطيني. وعمليًا، يعني ذلك تقديم الحصار، والمصادرة، والعقاب الجماعي، والعنف غير المتناسب، بوصفها إجراءات قاسية ولكن يُروَّج لها على أنها ضرورية. وفي العصر الحديث، لا تكمن المسألة الجوهرية فيمن يملك القوة لفرض روايته للحقيقة، بل في السبب الذي دعا المجتمع الدولي أصلًا إلى إنشاء منظومة القانون الدولي، وحقوق الإنسان، والأمم المتحدة. فقد وُجدت هذه الأطر تحديدًا لمنع تحوّل القوة إلى المصدر الوحيد للشرعية. ولو تُرك لكل دولة أن تحدد الخير والشر وفق مصالحها الخاصة، لانحدر النظام الدولي إلى منطق الهيمنة والغلبة. ومن هنا، نشأ القانون الدولي رفضًا لهذه القاعدة، وتأكيدًا على أن العدالة يجب أن تقوم على مبادئ مشتركة، أساسها الكرامة الإنسانية، وحقوق الشعوب، ووضع حدود لممارسة السلطة القاهرة.
في المحصلة، لا بدّ أن تنتهي حالة الاحتلال الإسرائيلي الطويلة للشعب الفلسطيني، لا بوصف ذلك مجرد استجابة لمقتضيات الملاءمة السياسية، بل باعتباره ضرورة قانونية وأخلاقية وتاريخية لا مفرّ منها. فبعد عقود من نزع الملكية، والاحتلال العسكري، والإنكار المنهجي لأبسط حقوقه، يملك الشعب الفلسطيني الحق في أن يعيش كما ينبغي لجميع شعوب العالم أن تعيش: في حرية، وأمن، وكرامة، وسلام. فلا يمكن بناء مستقبل عادل على الهيمنة، ولا يمكن أن ينشأ سلام دائم من رحم القهر. كما لا يجوز، في أي حال، أن تُبنى أمنية شعبٍ على إخضاع شعب آخر وإذلاله. " طوبى لصانعي السلام" (متى 5.9).

أقلام وأراء

الأحد 05 أبريل 2026 11:16 صباحًا - بتوقيت القدس

بين الحياد والانخراط: كيف تدير أوروبا الحرب على إيران؟

في خضم الحرب الإسرائيلية الأمريكية الجارية على إيران، يبرز الموقف الأوروبي بوصفه من أكثر المواقف تعقيداً في النظام الدولي الراهن. ويعود ذلك إلى حذره الظاهر من جهة، وإلى ما يكشفه من تحولات أعمق تمس مكانة أوروبا نفسها بين التحالفات التقليدية ومتطلبات الاستقلال الاستراتيجي من جهة أخرى. فعلى المستوى الرسمي، تؤكد العواصم الأوروبية أنها ليست طرفا في الحرب، وتدعو إلى التهدئة وتفادي التصعيد. بيد أن الواقع العملي يكشف انخراطاً غير مباشر، سواء عبر البنية العسكرية المنتشرة في القارة، أو عبر التعامل مع التداعيات الأمنية والاقتصادية التي يفرضها النزاع. ويعكس هذا التفاوت بين الخطاب والممارسة مأزقا بنيويا حقيقيا، إذ تجد أوروبا نفسها مطالبة بالحفاظ على تحالفها مع واشنطن، وفي الوقت ذاته تسعى إلى تفادي كلفة حرب لا تملك قرارها، في ظل سياق دولي تتراجع فيه قدرة الولايات المتحدة على فرض توازنات مستقرة. ومع تصاعد التوتر عبر الأطلسي، وظهور تباينات داخل الاتحاد الأوروبي، وتزايد الضغوط الاقتصادية المرتبطة بالطاقة، تبدو هذه الحرب أقرب إلى اختبار فعلي لقدرة أوروبا على إعادة تعريف دورها في عالم سريع التغيّر.

انقسام أوروبي يتجاوز الاختلافات التقليدية

تكشف التطورات الأخيرة عن انقسام أوروبي عميق تجاوز حدود التباينات المعتادة، وبلغ مستوى قرارات سيادية تمس مباشرة طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة. فقد اتخذت إسبانيا موقفاً صارماً حين رفضت استخدام مجالها الجوي وقواعدها العسكرية، بينما لجأت دول مثل إيطاليا وفرنسا إلى مقاربات أكثر انتقائية، فأبقت على هوامش دعم محدودة دون انخراط مباشر في الحرب. وفي المقابل، برزت بريطانيا بوصفها حالة مختلفة، إذ تبنت نمط انخراط منضبط، فسمحت باستخدام قواعدها العسكرية في عمليات مرتبطة بحماية الملاحة في الخليج، وعززت حضورها العسكري في المنطقة، مع حرص واضح على حصر هذا الدور في إطار دفاعي لا ينزلق إلى عمليات هجومية واسعة.
ويعكس هذا التباين أيضاً ضغطاً داخلياً يتزايد باطراد، إذ تظهر اتجاهات الرأي العام في عدة دول أوروبية أن ما بين 55% و65% من المواطنين يعارضون أي انخراط عسكري مباشر في هذه الحرب، مع نسب أعلى في دول جنوب أوروبا، ولا سيما إسبانيا وإيطاليا. وثمّة استطلاعات أخرى تشير كذلك إلى أن غالبية الأوروبيين تنظر إلى هذه الحرب بوصفها "نزاعاً عالي المخاطر وملتبس الأهداف"، وهو ما يعيد إلى الذاكرة تجربة غزو العراق عام 2003، التي ما تزال تلقي بظلالها على المزاج السياسي الأوروبي. وعليه، لم يعد الانقسام الأوروبي مجرد اختلاف بين سياسات حكومية، بل غدا انعكاسا لتفاعل معقد بين مواقف الحكومات واتجاهات الرأي العام، وهو تفاعل يضع قيودا واضحة على قدرة العواصم الأوروبية على الذهاب نحو مواقف أشد حدة.

مفارقة الانخراط: أوروبا كقاعدة خلفية للحرب

رغم هذا الخطاب السياسي الحذر، تكشف الوقائع العملياتية مفارقة أساسية. فأوروبا ليست خارج الحرب، بل تؤدي دور البنية التحتية الحيوية التي تستند إليها. فمن خلال شبكة القواعد العسكرية المنتشرة في ألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وإسبانيا، تتحول القارة إلى منصة رئيسية لإسقاط القوة الأميركية. وتشهد قواعد مثل رامشتاين في ألمانيا وتيرة غير مسبوقة من الطلعات الجوية، فيما تؤدي القواعد البريطانية، ولا سيما في قبرص وداخل بريطانيا نفسها، دورا محوريا في دعم العمليات الجوية واللوجستية. ولهذا وصف بعض المسؤولين العسكريين أوروبا بأنها "أول حاملة طائرات للولايات المتحدة".
وفي المقابل، اختارت فرنسا مقاربة مختلفة تقوم على "انخراط سيادي". فأعلنت إرسال حاملة الطائرات شارل ديغول إلى شرق المتوسط ضمن مجموعة قتالية، بهدف حماية المصالح الأوروبية وتأمين الملاحة في ظل التصعيد. بيد أن هذا الانخراط، رغم طابعه العسكري، بقي مضبوطا داخل إطار دفاعي، بما يعكس مسعى فرنسيا يجمع بين إظهار القدرة العسكرية وتجنب الاندماج في العمليات الأميركية. وهنا تظهر المفارقة الأوروبية بوضوح؛ إذ توفر القارة البنية التحتية والقدرات التي تجعل الحرب ممكنة، ثم تحاول في الوقت ذاته رسم حدود سياسية لانخراطها، فتجد نفسها في موقع ملتبس، داخل الحرب وخارجها في آن.

أزمة بنيوية في العلاقة عبر الأطلسي

في العمق، تكشف الحرب على إيران أزمة بنيوية تتجاوز الحدث العسكري نفسه، وتمس طبيعة العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة. فمنذ نهاية الحرب الباردة، قامت هذه العلاقة على معادلة غير متوازنة حيث وفرت واشنطن الحماية، فيما خفضت أوروبا استثمارها في قدراتها الدفاعية. وقد تراجع الإنفاق العسكري الأوروبي من أكثر من 3% من الناتج المحلي في أواخر الثمانينيات إلى نحو 1.4% فقط بحلول عام 2015. وأتاح هذا الترتيب لأوروبا أن تعيد توجيه مواردها نحو أولويات داخلية، لكنه قاد تدريجيا إلى تآكل في القدرات العملياتية، وظهر ذلك بوضوح في أزمات سابقة مثل ليبيا، حين عجزت الدول الأوروبية عن إدارة عمليات مستقلة من دون دعم أميركي مباشر. ومع تصاعد الضغوط الأميركية في السنوات الأخيرة، اتسع النقاش ولم يعد محصورا في مسألة تقاسم الأعباء، بل امتد إلى حدود هذا النموذج نفسه، خصوصا مع تزايد المؤشرات على أن المظلة الأمنية الأميركية لم تعد تدار بالثبات الذي اعتادت عليه أوروبا.
بيد أن هذه التبعية لا تقف عند المجال العسكري، بل تمتد إلى بنية أوسع تشمل الطاقة والنظام المالي وسلاسل التوريد؛ إذ يعتمد الاتحاد الأوروبي على الواردات لتغطية نحو 57% من احتياجاته الطاقوية، مع فاتورة سنوية تتجاوز 420 مليار يورو، ما يجعله شديد الحساسية لأي اضطراب خارجي، ولا سيما في مناطق حيوية مثل الخليج الذي تمر عبره قرابة 20% من تجارة الطاقة العالمية من خلال مضيق هرمز. وقد انعكست هذه الهشاشة سريعا مع اندلاع الحرب، فارتفعت أسعار الغاز بأكثر من 70% خلال أسابيع، في وقت ما تزال فيه الاقتصادات الأوروبية تعاني من تباطؤ النمو منذ جائحة كوفيد 19. وفي هذا السياق، يكشف الانتقال من الاعتماد على الغاز الروسي إلى مصادر بديلة، خاصة الأميركية والخليجية، عن نمط متكرر من إعادة إنتاج التبعية بدل التحرر منها، رغم محاولات بعض الدول، وفي مقدمتها فرنسا، تعزيز الاعتماد على الطاقة النووية بوصفها خيارا أكثر سيادة. وهكذا لا تبدو الأزمة الراهنة مجرد صدمة عابرة، بل لحظة كاشفة لحدود النموذج الأوروبي القائم على "الاعتمادية المتعددة والمتبادلة"، في نظام دولي يتجه نحو مزيد من التنافس واتساع مساحات اللايقين.

خاتمة
في المحصلة، يعكس الموقف الأوروبي من الحرب على إيران حالة توازن دقيق تزداد هشاشته كلما تطور الصراع. فبين انقسام داخلي واضح، وانخراط عملي عبر البنية العسكرية، وضغوط رأي عام يرفض الحرب، وتوتر متصاعد مع الولايات المتحدة، تجد أوروبا نفسها أمام معادلة معقدة يصعب الحفاظ عليها على المدى الطويل. بيد أن التحدي الحقيقي لا يكمن في اختيار موقف من الحرب بحد ذاتها، وإنما في قدرة أوروبا على إعادة تعريف موقعها داخل النظام الدولي، وفي إيجاد صيغة تتيح لها الانتقال من موقع التابع إلى شريك أكثر استقلالاً دون تفكيك تحالفاتها الاستراتيجية. وفي هذا السياق، لا تبدو العودة إلى النموذج السابق ممكنة، كما أن القطيعة الكاملة مع واشنطن تظل خيارا غير واقعي. وما يتشكل تدريجيا هو نمط جديد من العلاقات، أقل استقرارا وأكثر تعقيدا، بحيث تغدو إدارة التوازن، لا حسمه، السمة الأبرز للدور الأوروبي في عالم يتجه نحو مزيد من التوتر والتعددية.
 *باحث في العلاقات الدولية والشؤون الأوروبية

أقلام وأراء

الأحد 05 أبريل 2026 11:14 صباحًا - بتوقيت القدس

لويس بارلاسّينا : البطريرك الذي استبق الأحداث ودافع عن العدل والحق في الأرض المقدسة

نعيشُ في هذه الأيامِ زمنَ الأسبوعِ المقدّس، فيما تتجهُ أنظارُ العالمِ إلى القدس، حيثُ طريقُ الآلام وكنيسةُ القيامة، وحيثُ تُرفَعُ الصلواتُ من أجلِ الطمأنينةِ والعدالةِ والسلام، وقد ذاقتِ الأرضُ المقدسةُ بطشَ جبروتِ هيرودس. وفي هذه الأجواءِ الروحية، نرى من المناسبِ أن نستحضرَ ونُعرّفَ الأجيالَ الجديدةَ ببطريركِ المدينةِ المقدسةِ للاتين، غبطةِ البطريركِ الراحلِ لويس بارلاسّينا، الذي اضطلعَ بدورٍ محوريٍّ على الصعيدينِ الروحيِّ والاجتماعي، وكذلك في المجالينِ الفكريِّ والسياسي، خلال النصفِ الأولِ من القرنِ العشرين.
ففي تلك المرحلة، كانت مشاريعُ الطردِ والإحلالِ في فلسطينَ في أوجِها، وكان من بين الأوائلِ الذين قرعوا أجراسَ الخطر، مُحذِّرًا من تداعياتِ هذه المخططات.
كان لويس بارلاسّينا بطريركًا للاتين في القدس خلال واحدةٍ من أصعبِ فتراتِ تاريخِ الأرضِ المقدسة، منذ انتخابِه عامَ 1920 وحتى وفاتِه عامَ 1947 إثرَ ذبحةٍ صدرية. وتميّزت سنواتُه هذه بالدفاعِ المستمرِّ عن الأرضِ وشعبِها، مع الحرصِ على إبقاءِ الكرسيِّ الرسوليِّ مُطَّلعًا على الأحداثِ والتحدياتِ التي واجهتِ الكنيسةَ والمجتمعَ الفلسطيني، وتوثيقِ كلِّ ما كان يحدثُ بدقةٍ يومية.
وُلِد لويس بارلاسّينا في 30 نيسان 1872 في تورينو بإيطاليا، وفقدَ والده في سنٍّ مبكرة، فقامت والدتُه بتربيتِه في جوٍّ من التقوى والورع، مع اهتمامٍ خاصٍّ بالإكرامِ الكبيرِ للعذراء، وهو التعبّدُ الذي ظلَّ يُميّزه طوال حياتِه. نالَ الرسامةَ الكهنوتيةَ في 22 كانون الأول 1894، وعُيِّن أسقفًا مساعدًا لبطريركِ القدس عامَ 1918، ثم نائبًا بطريركيًّا عامًّا ومدبّرًا رسوليّاً، قبل أن يُنتخب بطريركًا عامَ 1920، ليصبحَ الصوتَ الرئيسيَّ للكنيسةِ اللاتينيةِ في القدس طوالَ 27 عامًا.
عُرِف البطريركُ بشخصيتِه الكريمةِ والمتواضعة، رافضًا الألقابَ الرسميةَ مثل "غبطة" أو "مونسيور"، مفضِّلًا أن يُنادى "أبونا"، لأنّه أراد أن يكون أبًا حقيقيًّا للنفوس. ومنذ بداياتِ خدمتِه، أبدى اهتمامًا بالغًا بالشبابِ والتعليم، مؤسِّسًا مجموعاتٍ ومبادراتٍ تجمعُ بين التعليمِ الدينيِّ والبدني، كما اهتمَّ بالوعظِ وتطويرِ المدارسِ والكنائس، ليتركَ أثرًا واضحًا في المجتمعِ المحلي. وكان هو مَن أسّس أولَ كليةٍ جامعيةٍ كنسيةٍ في القدسِ الغربية، وهي اليوم تُعرَف بكليةِ تراسنطا أو كليةِ الكاردينال فرّاري.
وعلى الصعيدِ الروحي، كان البطريركُ بارلاسّينا مخلصًا لتقليدِ العبادة، فقد أطلق لقبَ "سيدة فلسطين" على العذراء مريم، وأقامَ مزارًا في ديرِ رافات، مُزيَّنًا بتمثالٍ ونقوشِ تحيةِ الملاك بـ280 لغة، لتظلَّ هذه الرموزُ شاهدةً على حبِّه العميقِ للأرضِ المقدسة وشعبِها. كما أعادَ ترميمَ المعهدِ الإكليريكيِّ في بيت جالا بعد تضرُّرِه في الحربِ العالميةِ الأولى، مؤمِّنًا التعليمَ الكاثوليكيَّ للشباب، ومتابعًا شؤونَ الطلاب حتى بعد الانتهاءِ من التجديد، مؤلِّفًا لهم كتبًا كنسيةً وليتورجية، وزائرًا لهم بانتظام.
كما أسهمَ في تعزيزِ الاحتفالاتِ الدينية، ومن أبرزِها إعادةُ تنظيمِ مسيرةِ أحدِ الشعانين عامَ 1933، بعد أن مُنِعَت لأكثرَ من 700 عام، وذلك بمناسبةِ السنةِ المقدسة، حيثُ انطلقَ المصلّون من جبلِ الزيتون حاملين سعفَ النخيل وصولًا إلى ساحةِ كنيسةِ القديسةِ حنّة، في مشهدٍ أكّدَ على مركزيةِ القدسِ الروحيةِ والتاريخية.
وكرّسَ البطريركُ ساعاتٍ طويلةً للكتابةِ والمراسلاتِ بعدةِ لغات، موثِّقًا الأحداثَ السياسيةَ والاجتماعيةَ والاقتصاديةَ والدينية، تاركًا إرثًا ثمينًا يعكسُ حكمتَه وبصيرتَه وولاءَه العميقَ للأرضِ المقدسة وشعبِها.
وفي هذا السياق، وجّهَ عدةَ رسائلَ إلى الرعايا المسيحيين على وجهِ الخصوص، مُحذِّرًا من تفكُّكِ النسيجِ المجتمعي بسببِ ما وصفه بالتراجعِ الأخلاقيِّ المُستحدَث، وما قد يترتبُ عليه من ابتعادٍ عن تقاليدِ المجتمع وثقافتِه.
ومنذ عامِ 1917، مع إعلانِ وعدِ بلفور وبدايةِ الانتدابِ البريطاني، لاحظَ البطريركُ ما كان يُحاكُ في فلسطين، وكانت مواقفُه ثابتةً وواضحةً لا تتزعزع. فقد دافعَ بشجاعةٍ عن الشعبِ الفلسطيني وأرضِه، وهو ما أكسبه عداءً كبيرًا ومحاولاتٍ لإزاحتِه من منصبِه. وهو من دافعَ بشراسةٍ للحفاظِ على الوضعِ القائمِ التاريخي، حيثُ كانت هناك محاولاتٌ جديّةٌ من قبلِ الانتدابِ البريطاني لخرقِ "الستاتوس كو". وهناك عدةُ رسائلَ موجودةٌ في الأرشيفِ التابعِ لوزارةِ الخارجية، كتبها البطريركُ إلى الرئاسة، يُنبّه فيها إلى هذه المحاولات. وقد وثّقت العديدُ من الوثائقِ في أرشيفِ أمانةِ سرِّ الكرسيِّ الرسولي هذه الحقائق، منها رسالةٌ غيرُ موقّعةٍ تتناولُ مسألةَ إبعادِ البطريركِ عن القدس، وهو ما كانت تسعى إليه عواصمُ ومجموعاتٌ متنفّذة.
ورغم كلِّ هذه الحملات، لم يتوقفِ البطريركُ عن أداءِ مهمّتِه، فكان يكتبُ يوميًّا للكرسيِّ الرسولي، مُطْلِعًا إيّاهم على الأحداثِ في فلسطين، محذِّرًا من الأخطارِ التي تهدّدُ الأرضَ المقدسةَ والمصالحَ الكنسية، ومطالبًا بالتدخلِ الفعّالِ لمنعِ تدهورِ الأوضاع وحمايةِ الأرضِ المقدسة من محاولاتِ سلبِها من سكانِها الأصليين، ومُعبِّرًا عن قلقِه الكبيرِ على الوجودِ المسيحيِّ في فلسطين التاريخية. كما كان يراقبُ الدعمَ المتزايدَ للوكالةِ اليهودية، ويشيرُ إلى أنّه يتمُّ على حسابِ سكانِ الأرضِ المقدسة، وفي الوقتِ نفسه كان يتصدّى بحزمٍ لأيِّ محاولاتٍ لزرعِ الفتنةِ أو الصراعِ بين المسلمين والمسيحيين. وفي إحدى رسائلِه للكاردينال بييترو غاسباري، أمينِ سرِّ دولةِ الفاتيكان، وفقًا للبروتوكول رقم 158/22 المذكور أعلاه، أكّدَ على أهميةِ التدخلِ العاجلِ لحمايةِ حقوقِ السكان والحفاظِ على وحدةِ المجتمعاتِ الدينيةِ في فلسطين.
وفي موقفٍ مشرّفٍ يشهدُ له التاريخ، أقدمَ البطريركُ بارلاسّينا، في اللحظاتِ الأخيرة، على شراءِ أراضي منطقتَي تياسير وطوباس، بناءً على طلبِ الحاج أمين الحسيني آنذاك، وذلك لمنعِ تسريبِ أراضي المنطقة.
أحبَّ البطريركُ بارلاسّينا الأرضَ المقدسةَ وشعبَها بصدق، ودافعَ عن الكنيسةِ وشرفِها بشجاعة، محقِّقًا توازنًا نادرًا بين التواضعِ الشخصيِّ والحزمِ في المواقف، ليظلَّ اسمُه محفورًا في التاريخِ رمزًا للوفاءِ والعدلِ والدفاعِ عن الحقِّ والمظلوم. ومن يُراجع أرشيفَ البطريركيةِ اللاتينيةِ في القدس أو الأرشيفَ التاريخيَّ لأمانةِ الدولةِ في الفاتيكان –قسمَ العلاقاتِ مع الدول والمنظماتِ الدولية– يكتشفُ المواقفَ المشرّفةَ للبطريرك، ويُدركُ تمامًا مركزيةَ البطريركيةِ اللاتينيةِ المقدسية ودورَها المحوريَّ في الأرضِ المقدسة، وهو الدورُ الذي ما زالت البطريركيةُ تتبنّاه حتى يومِنا هذا.
* سفير فلسطين لدى حاضرة الفاتيكان