الإثنين 06 أبريل 2026 1:59 مساءً -
بتوقيت القدس
تتفاقم المعاناة الإنسانية في مخيمات النازحين بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، حيث لم يعد تأمين الغذاء والماء هو الهاجس الوحيد، بل أضحى الحصول على حبة دواء معركة يومية للبقاء. تحولت الأمراض المزمنة والإصابات الناجمة عن العدوان إلى أحكام بالموت البطيء في ظل الحصار المطبق الذي يمنع وصول الإمدادات الطبية الحيوية إلى الصيدليات والمستشفيات.
تجسد حالة الجريح رائد المريدي مأساة مئات المصابين، إذ يرقد في خيمته المتهالكة بجسد أنهكته نوبات التشنج المتواصلة نتيجة فقدان أدوية الأعصاب الضرورية لحالته. وتعاني عائلته من عجز تام في توفير العلاج الذي يمنع تدهور حالته الصحية، خاصة مع إصابته بصعوبة في البلع أدت إلى فقدان حاد في الوزن وتهديد مباشر لحياته.
وفي رحلة البحث المضنية عن العلاج، تضطر زوجة المريدي وغيرها من ذوي المرضى لمواجهة رفوف الصيدليات الفارغة، حيث يكتفي الصيادلة بتوجيههم نحو بدائل غير دقيقة أو العودة للأطباء للبحث عن صيغ كيميائية قريبة. هذه الرحلة غالباً ما تنتهي دون جدوى، مما يترك المرضى فريسة للألم المستمر والمضاعفات التي لا يمكن السيطرة عليها في بيئة النزوح القاسية.
أما أصحاب الأمراض المزمنة، مثل الخمسيني ناصر العقاد المصاب بأمراض الغدة، فقد باتوا يرضون بأنصاف الحلول للبقاء على قيد الحياة عبر تقليص الجرعات الدوائية. يضطر العقاد لتناول جرعات لا تتجاوز 50 مليغراماً كبديل لجرعاته الأصلية التي تصل إلى 200 مليغرام، وهو إجراء طبي قسري قد يؤدي إلى انتكاسات صحية خطيرة على المدى البعيد.
وضعه يزداد سوءاً يوماً بعد يوم بسبب انعدام العلاج، ونحن نراقب العجز التام أمام رفوف الصيدليات الفارغة.
من جانبه، حذر الدكتور أحمد أبو طه، رئيس قسم الغدد الصماء بمجمع ناصر الطبي، من التداعيات الكارثية لتوقف نقاط الرعاية الأولية عن توزيع أدوية الأمراض المزمنة. وأوضح أن هذا التوقف ألقى بعبء ثقيل على كاهل المستشفيات المنهكة أصلاً، وعرض آلاف المرضى لمضاعفات طبية كان يمكن تلافيها في حال توفر الحد الأدنى من الرعاية الدوائية.
وتشير الإحصاءات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة إلى واقع مرير، حيث إن نحو 285 صنفاً دوائياً أساسياً، أي ما يعادل 46% من القائمة الأساسية، غير متوفرة تماماً في القطاع. كما سجلت الوزارة نفاد 66% من المستهلكات الطبية الضرورية، مما جعل المنظومة الصحية عاجزة عن تقديم الخدمات الجراحية أو العلاجية الطارئة للمصابين والمرضى.
تأتي هذه الأزمة الدوائية الخانقة في سياق الحرب الشاملة المستمرة منذ السابع من أكتوبر 2023، والتي استهدفت بشكل مباشر البنية التحتية للمنظومة الصحية في غزة. ومع تجاوز أعداد الشهداء والجرحى مئات الآلاف، يظل نقص الدواء سلاحاً صامتاً يحصد أرواح من نجو من القصف المباشر، وسط صمت دولي حيال هذه الكارثة الطبية.
الإثنين 06 أبريل 2026 1:59 مساءً -
بتوقيت القدس
كشفت تقارير صحفية دولية عن تحولات ميدانية بارزة في المواجهة العسكرية الجارية، حيث بدأت طهران بتكثيف استهداف الطائرات الأمريكية بشكل فعال ومفاجئ. وأثارت هذه التطورات تساؤلات عميقة حول مدى تأثير هذه الخسائر على حسابات البنتاغون الاستراتيجية في المنطقة.
وأعلنت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية أن وحداتها الدفاعية تمكنت من إسقاط مقاتلة متطورة من طراز 'إف-35' فوق المناطق الوسطى من البلاد. وجاء هذا الإعلان في وقت تشهد فيه الأجواء الإيرانية تصعيداً غير مسبوق في العمليات الجوية والاعتراضات الصاروخية.
في المقابل، قدمت مصادر إعلامية أمريكية رواية مغايرة لنوع الطائرة المستهدفة، مشيرة إلى أن المقاتلة التي أُصيبت هي من طراز 'إف-15 إي سترايك إيغل'. كما أكدت المصادر ذاتها سقوط طائرة هجومية أخرى من طراز 'إيه-10' في الجزء الجنوبي من إيران خلال اليوم نفسه.
وتأتي هذه الانتكاسات الجوية لتناقض تصريحات سابقة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أكد في خطاب للأمة أن القدرات الدفاعية الإيرانية قد شُلت تماماً. وكان ترامب قد زعم أن الرادارات الإيرانية دُمرت بنسبة 100 بالمائة، مشدداً على أن القوة العسكرية لبلاده لا يمكن اعتراضها.
ورغم التأكيدات الأمريكية المتكررة على السيطرة الكاملة على الأجواء والفضاء الإلكتروني، إلا أن الواقع الميداني بدأ يظهر فجوات في هذه السيطرة. فقد اعتبرت واشنطن سابقاً أن منظومة إدارة الأسلحة الإيرانية باتت خارج الخدمة، وهو ما تفنده عمليات الإسقاط الأخيرة.
الارتفاع المفاجئ لخسائر سلاح الجو الأمريكي لم يظهر منذ البداية، بل بدأ يتضح في الشهر الثاني من الحرب، مما يطرح تساؤلات حول كفاءة الأطقم الإيرانية.
ويرى مراقبون أن المفارقة تكمن في توقيت هذه الخسائر، حيث لم تبرز بوضوح في الأيام الأولى للصراع بل بدأت تتصاعد في الشهر الثاني. هذا التطور يشير إلى احتمال وجود أطقم قتالية إيرانية تدير منظومات الصواريخ بكفاءة عالية رغم الظروف المعقدة.
وثمة فرضيات تشير إلى أن الدفاعات الجوية الإيرانية قد تكون خضعت لعمليات تطوير وتحديث سريعة أثناء القتال. كما لا يستبعد خبراء وصول أنظمة دفاعية ومجمعات صاروخية جديدة إلى ساحة العمليات لم تكن مدرجة ضمن تقييمات الاستخبارات الغربية سابقاً.
وعلى صعيد تقييم الأثر، تشير مصادر إلى أن البنتاغون لا يزال ينظر إلى هذه الخسائر بوصفها 'رمزية' مقارنة بحجم الطلعات الجوية المنفذة. ومع ذلك، فإن استمرار وتيرة السقوط قد يفرض ضغوطاً سياسية وعسكرية داخل الإدارة الأمريكية لمراجعة الخطط القتالية.
وتشير المعايير العسكرية إلى أن فقدان نسبة تتراوح بين 4 إلى 5 بالمائة من الطائرات المشاركة يستدعي إعادة نظر فورية في التكتيكات المتبعة. أما في حال وصول نسبة الخسائر إلى 10 بالمائة، فإن ذلك قد يؤدي إلى وقف مؤقت للعمليات لإجراء مراجعة شاملة.
وفي سياق متصل، أفادت تقارير صحفية بفقدان الولايات المتحدة ما لا يقل عن عشر طائرات عسكرية خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من الحرب. ورغم محاولات التقليل من شأن هذه الأرقام، إلا أن استخلاص الدروس من هذه الحوادث سيكون حتمياً لتجنب استنزاف القدرات الجوية في مواجهة دفاعات متطورة.
الإثنين 06 أبريل 2026 1:59 مساءً -
بتوقيت القدس
سلطت قراءة نقدية حديثة الضوء على السيرة الذاتية الجديدة للمؤرخة والكاتبة البريطانية الراحلة جان موريس، والتي أعدتها الكاتبة سارة ويلر تحت عنوان 'جان موريس.. حياة'. وتكشف هذه السيرة عن ملامح شخصية استثنائية استطاعت حفر اسمها في ذاكرة الأدب العالمي، لكنها ظلت محملة بتناقضات إنسانية عميقة أثرت على محيطها القريب.
بدأت مسيرة موريس المهنية في منتصف القرن العشرين حين كانت تُعرف باسم جيمس موريس، حيث لمع نجمها كصحفي مغامر في صحيفة 'التايمز'. وقد ارتبط اسمها تاريخياً بالسبق الصحفي العالمي الذي حققته عند تغطية أول صعود ناجح لقمة إيفرست في عام 1953، وهو الإنجاز الذي فتح لها أبواب الشهرة الواسعة.
لم تتوقف طموحات موريس عند العمل الصحفي الميداني، بل انتقلت لتصبح واحدة من أكثر الكاتبات غزارة في الإنتاج الأدبي، خاصة في مجالي التاريخ وأدب الرحلات. وقد تجاوزت مؤلفاتها الخمسين كتاباً، تميزت بأسلوب سردي فريد وقدرة فائقة على وصف الأمكنة وتحليل الهويات الثقافية للشعوب والمدن.
شكلت فترة السبعينيات المنعطف الأبرز في حياة موريس الشخصية والمهنية، حيث اتخذت قراراً بالتحول الجنسي، وهو ما وثقته لاحقاً في كتابها الشهير 'مأزق الهوية'. هذا الكتاب لم يكن مجرد سيرة ذاتية، بل تحول إلى مادة دسمة للجدل الثقافي والاجتماعي في بريطانيا وخارجها، واضعاً إياها في مواجهة تيارات فكرية متباينة.
رغم الشهرة التي اكتسبتها كداعية لما أسمته 'دين اللطف'، إلا أن السيرة الجديدة تكشف وجهاً مغايراً لموريس في تعاملاتها الخاصة. فبحسب شهادات عائلية وردت في الكتاب، عانى أبناؤها من سلوكها المتسلط وغيابها العاطفي، مما خلق فجوة كبيرة بين صورتها العامة كأديبة رقيقة وحقيقتها كأم.
وصفت ابنتها 'سوكي' تجربة الأمومة مع موريس بكلمات حادة، مشيرة إلى أن الطموح الفردي والتركيز على الذات كان يطغى دائماً على الالتزامات الأسرية. هذه الشهادات تعيد رسم ملامح الأسطورة الأدبية، وتضع القارئ أمام تساؤلات حول الثمن الإنساني الذي يدفعه المبدعون في سبيل تحقيق ذواتهم.
في المقابل، يبرز الزواج الطويل والمعقد بين موريس وزوجتها إليزابيث كأحد أكثر جوانب حياتها إثارة للدهشة والصمود. فقد استمرت العلاقة بينهما رغم كل التحولات الجذرية، في مزيج فريد من الالتزام العاطفي والوفاء لعهود قديمة، حيث كرست إليزابيث حياتها للحفاظ على كيان الأسرة.
كلما اتسعت إنجازات جان موريس، ازدادت هشاشة صورتها الإنسانية وفجوتها العاطفية مع محيطها.
تشير الرسائل المتبادلة التي أوردتها السيرة إلى وجود حب عميق بين الطرفين، إلا أن هذا الحب لم يمنع ظهور توترات حادة ناتجة عن رغبة موريس في التحرر من القيود التقليدية. وتعكس هذه العلاقة طبيعة الصراعات الداخلية التي عاشتها الشخصيات المحيطة بموريس في ظل تحولاتها المستمرة.
تخلص القراءة النقدية للسيرة إلى أن موريس كانت شخصية مركبة بامتياز، لا يمكن حصرها في قوالب التبجيل أو الإدانة. فهي الكاتبة العظيمة التي ألهمت الملايين، وهي في الوقت ذاته الإنسانة التي وضعت نجاحها الشخصي فوق كل اعتبار، مما جعل صورتها الإنسانية تبدو هشة أمام بريق إنجازاتها.
تطرح السيرة تساؤلاً جوهرياً حول دور الأدب عندما يصبح وسيلة للتعبير عن صراعات الهوية الصادمة مع الطبيعة البشرية. فهل يمكن للإبداع الذي ينبع من صراعات نفسية حادة أن يظل ملهماً للأجيال القادمة، أم أنه يظل حبيس التجربة الفردية لصاحبه وتناقضاته الخاصة؟
بالنظر إلى السياق الغربي الذي نشأت فيه موريس، نجد أنها تحدت مجتمعاً ذكورياً تقليدياً كان يضع قيوداً صارمة على هوية المرأة ومكانتها. إن إنجازاتها الأدبية في ذلك الوقت تمثل تجربة نادرة في كسر القيود التاريخية، مما ساهم في فتح آفاق جديدة لفهم التجربة الأنثوية في الغرب.
إن التطور الذي وصلت إليه المرأة في المجتمعات الغربية اليوم لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تراكم تضحيات نساء مثل موريس وغيرهن. ومع ذلك، يظل البعد الأنثوي في كتاباتها محوراً للإبداع، حيث استخدمت تجربتها الخاصة لاستكشاف الذات الإنسانية بعمق يتجاوز الأطر التقليدية.
عند مقارنة تجربة موريس بالأدب العربي، نجد تقاطعات مثيرة مع أديبات مثل نازك الملائكة وفدوى طوقان ومي زيادة. فهؤلاء الكاتبات واجهن أيضاً مجتمعات تفرض قيوداً على حرية التعبير، واضطررن لخوض صراعات داخلية مريرة بين طموحهن الشخصي والالتزامات الاجتماعية المفروضة عليهن.
في نهاية المطاف، تظل تجربة جان موريس نموذجاً حياً على أن العبقرية لا تعصم صاحبها من الخطأ أو التناقض. وسواء في السياق الغربي أو العربي، يبقى الإبداع الحقيقي هو ذلك الذي يجرؤ على كشف هشاشة النفس البشرية وتحويل المعاناة إلى أعمال تتجاوز حدود الزمان والمكان.
الإثنين 06 أبريل 2026 1:59 مساءً -
بتوقيت القدس
أطلقت ثلاث مؤسسات حقوقية فلسطينية نداءً عاجلاً لوضع حد لما وصفته بـ 'الاستهداف المنهجي' الذي تمارسه سلطات الاحتلال الإسرائيلي بحق الطفولة الفلسطينية. وطالبت هيئة شؤون الأسرى ونادي الأسير ومؤسسة الضمير، في بيان مشترك بمناسبة يوم الطفل الفلسطيني، بالإفراج الفوري وغير المشروط عن كافة القاصرين القابعين في مراكز الاحتجاز الإسرائيلية.
وأكدت المصادر الحقوقية أن الأطفال الأسرى يتعرضون لانتهاكات جسيمة وظروف احتجاز قاسية تفتقر لأدنى المقومات الإنسانية، معتبرة أن هذه الممارسات تشكل خرقاً صارخاً لاتفاقية حقوق الطفل الدولية. وشدد البيان على أن استمرار اعتقال الأطفال يمثل جريمة ضد الإنسانية تتطلب تحركاً دولياً عاجلاً لمحاسبة قادة الاحتلال على هذه التجاوزات.
وتشير الإحصائيات الرسمية إلى أن قوات الاحتلال اعتقلت أكثر من 1700 طفل في محافظات الضفة الغربية منذ بدء حرب الإبادة في السابع من أكتوبر 2023. ولا يزال نحو 350 طفلاً رهن الاعتقال حتى اليوم، حيث يواجهون ظروفاً نفسية وجسدية صعبة داخل الزنازين التي تفتقر للرعاية الصحية والتعليمية.
ووصف التقرير الحقوقي لحظات الاعتقال بأنها 'صدمة أولى' متعمدة، حيث تبدأ غالباً باقتحامات عنيفة للمنازل في ساعات الفجر الأولى وسط صراخ الجنود وترهيب العائلات. ويتم اقتياد الأطفال وهم مكبلو الأيدي ومعصوبو الأعين، مما يترك آثاراً نفسية عميقة وطويلة الأمد على نموهم وسلوكهم المستقبلي.
وفي تطور خطير، كشفت المؤسسات أن عدد الأطفال المحتجزين تحت بند 'الاعتقال الإداري' وصل إلى مستويات غير مسبوقة في تاريخ الحركة الأسيرة، حيث بلغ عددهم 180 طفلاً بنهاية عام 2025. ويُزج بهؤلاء الأطفال خلف القضبان دون توجيه تهم رسمية أو محاكمات عادلة، استناداً إلى ما يسمى بـ 'الملف السري' الذي يحرم الدفاع من الاطلاع عليه.
إن احتجاز الأطفال الفلسطينيين في سجون الاحتلال يعد انتهاكاً غير مشروع يرتقي إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وفق أحكام القانون الدولي.
ولا يقتصر الاستهداف على الاعتقال، بل يمتد ليشمل حرب إبادة شاملة في قطاع غزة، حيث تشير التقارير المحدثة إلى استشهاد نحو 21,283 طفلاً منذ اندلاع العدوان. ويشكل الأطفال والنساء أكثر من 60% من إجمالي ضحايا الحرب، مما يعكس تعمد الاحتلال استهداف الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع الفلسطيني.
وعلى صعيد الإصابات، يعاني أكثر من 44 ألف طفل من جروح متفاوتة، بينهم 10,500 طفل أصيبوا بإعاقات دائمة سترافقهم طوال حياتهم، بالإضافة إلى تسجيل 1,000 حالة بتر للأطراف. وتتفاقم المأساة مع وفاة 157 طفلاً بسبب سوء التغذية والجوع الممنهج، و25 طفلاً قضوا نتيجة البرد القارس في خيام النزوح.
وفيما يخص الواقع التعليمي، تسبب العدوان في تدمير 90% من المنشآت التعليمية في قطاع غزة، مما حرم نحو 700 ألف طالب من حقهم في التعليم خلال العام الدراسي الحالي. هذا التجهيل الممنهج يترافق مع حاجة مليون طفل في القطاع لدعم نفسي واجتماعي مكثف لمواجهة أعراض الاكتئاب والقلق الناتجة عن أهوال الحرب.
أما في الضفة الغربية، فقد سجلت العامين الماضيين استشهاد 237 طفلاً برصاص الاحتلال، تزامناً مع تصاعد عمليات الهدم والتهجير القسري والتوسع الاستيطاني. وتأتي هذه الأرقام في وقت يشكل فيه الأطفال نحو 43% من إجمالي المجتمع الفلسطيني، مما يعني أن الاحتلال يستهدف المستقبل الديموغرافي للشعب الفلسطيني بشكل مباشر.
وختمت المؤسسات الحقوقية بيانها بالتأكيد على أن الصمت الدولي تجاه هذه الجرائم يمنح الاحتلال الضوء الأخضر للاستمرار في انتهاكاته. ودعت المجتمع الدولي والمؤسسات الأممية إلى ممارسة ضغوط حقيقية لضمان حماية الطفولة الفلسطينية وإلزام إسرائيل باحترام القوانين الدولية التي تحمي القاصرين في مناطق الصراع.
الإثنين 06 أبريل 2026 1:27 مساءً -
بتوقيت القدس
أصيب عشرة مواطنين فلسطينيين فجر اليوم الاثنين، جراء سلسلة هجمات نفذتها مجموعات من المستوطنين على بلدات تقع جنوب مدينة نابلس شمال الضفة الغربية المحتلة. وتركزت الاعتداءات في بلدة اللبن الشرقية وتجمع بدوي مجاور، حيث استخدم المستوطنون العنف الجسدي وإضرام النيران في ممتلكات المواطنين تحت حماية غير مباشرة من ظروف الميدان.
وأفاد يعقوب عويس، رئيس مجلس قروي اللبن الشرقية، بأن المستوطنين استهدفوا تجمعاً بدوياً شمالي البلدة، مما أدى لوقوع الإصابات التي نُقل اثنتان منها إلى المستشفى لتلقي العلاج. وأوضح عويس أن المهاجمين أضرموا النار في نحو عشر مركبات ومنزلين، حيث التهمت النيران أحد المنازل بشكل كامل، وسط محاولات لسرقة رؤوس أغنام من المنطقة.
وفي سياق متصل، اقتحمت مجموعة أخرى من المستوطنين بلدة قصرة، حيث قاموا بإحراق مركبة فلسطينية قبل أن يتصدى لهم عشرات الشبان من أهالي البلدة. واندلعت مواجهات ميدانية أجبرت المستوطنين على الانسحاب من المنطقة، في ظل تصاعد وتيرة هذه الهجمات التي تستهدف القرى والتجمعات الفلسطينية المحاذية للمستوطنات منذ أكتوبر 2023.
بالتوازي مع هجمات المستوطنين، شددت قوات الاحتلال الإسرائيلي من إجراءاتها العسكرية في محافظة الخليل، حيث أغلقت كافة مداخل بلدة بيت أمر بالسواتر الترابية. وأطلقت القوات قنابل الغاز المسيل للدموع والصوت بكثافة داخل أحياء البلدة، معلنة إياها منطقة عسكرية مغلقة، مما أعاق حركة المواطنين بشكل كامل.
المستوطنون هاجموا تجمعاً بدوياً واعتدوا على المواطنين بالضرب، كما أضرموا النار في المركبات والمنازل وحاولوا سرقة المواشي.
وفي محافظة طولكرم، نفذت قوات الاحتلال عملية مداهمة في بلدة دير الغصون شمالاً، أسفرت عن اعتقال الشاب أحمد قعدان الملقب بـ 'الجزائري' بعد تفتيش منزله والعبث بمحتوياته. وأفادت مصادر محلية بأن القوة العسكرية اقتحمت البلدة فجراً واقتادت المعتقل إلى جهة مجهولة، ضمن حملة تستهدف النشطاء والشبان في المنطقة.
كما طالت حملة الاعتقالات محافظة رام الله والبيرة، حيث دهمت قوات الاحتلال حي المصيون واعتقلت الشاب مؤمن عفانة البالغ من العمر 23 عاماً. وفي بلدة كوبر شمال رام الله، جرى اعتقال الشاب محمد فرج زيبار (30 عاماً) عقب اقتحام منزله وتفتيشه بدقة، فيما احتجزت القوات أربعة أطفال في منطقة جبل الطويل بالبيرة لعدة ساعات قبل إخلاء سبيلهم.
وتأتي هذه التطورات في ظل تصعيد مستمر تشهده مدن وقرى الضفة الغربية، حيث تشير الإحصائيات إلى استشهاد أكثر من 1140 فلسطينياً وإصابة نحو 11750 آخرين منذ السابع من أكتوبر 2023. وتتزامن هذه الأرقام مع حملات اعتقال واسعة طالت قرابة 22 ألف مواطن، وسط تحذيرات من منظمات دولية حيال تفاقم الأوضاع الإنسانية والأمنية.
ويرى مراقبون أن اعتداءات المستوطنين الممنهجة تهدف إلى تهجير التجمعات البدوية والقروية وتوسيع السيطرة الاستيطانية على الأراضي الفلسطينية. وتتنوع هذه الاعتداءات بين القتل والإصابة والهدم الممنهج للمنازل، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته لوقف الانتهاكات المستمرة بحق المدنيين العزل في الأراضي المحتلة.
الإثنين 06 أبريل 2026 1:20 مساءً -
بتوقيت القدس
نابلس - "القدس" دوت كوم- غسان الكتوت- الرواد للصحافة والإعلام
استقبل الأستاذ الدكتور رامي الحمد الله نائب رئيس مجلس أمناء الجامعة ورئيس مجلس أمناء مستشفى النجاح الجامعي، أمس النائب العام المستشار أكرم الخطيب، ورئيس نيابة حماية الأحداث ثائر خليل، ورئيس نيابة محافظة نابلس خليل سلامة.
وحضر اللقاء الدكتورة نور عدس، عميدة كلية القانون والعلوم السياسية، والأستاذ أحمد السرغلي، مستشار رئيس الجامعة للعلاقات العامة والتسويق.
وأكدّ أ.د. الحمد الله أن جامعة النجاح تولي اهتمامًا كبيرًا ببناء شراكات نوعية مع المؤسسات الوطنية الرائدة، مشيرًا إلى أن التعاون مع النيابة العامة يشكّل نموذجًا متميزًا للعلاقة بين المؤسسات الأكاديمية والقانونية الرسمية.
من جهته، أشاد النائب العام بعمق العلاقة مع جامعة النجاح، مؤكدًا حرص النيابة العامة على تعزيز هذا التعاون باعتباره ركيزة أساسية لخدمة مخرجات التعليم القانوني وبناء كفاءات قانونية مؤهلة تمتلك المعرفة النظرية والخبرة العملية.
وعقب اللقاء، وقع الوفد مذكرة تفاهم مع رئيس الجامعة الأستاذ الدكتور عبد الناصر زيد تهدف لتعزيز التعاون المشترك في مجالات التعليم والتدريب والبحث القانوني.
الإثنين 06 أبريل 2026 12:57 مساءً -
بتوقيت القدس
كشفت تقارير صحفية بريطانية عن حجم الخسائر المادية الفادحة التي منيت بها القوات الأمريكية خلال محاولة إنقاذ طيار سقطت مقاتلته في الأراضي الإيرانية. وأوضحت المصادر أن طائرتين من طراز MC-130J، تبلغ قيمة الواحدة منهما نحو 75 مليون جنيه إسترليني، جرى تدميرهما بالكامل بعد أن أصبحتا غير صالحتين للاستخدام نتيجة تضررهما أثناء المهمة الميدانية، مما رفع فاتورة العملية إلى ما يزيد عن 150 مليون دولار للطائرتين فقط.
وفي سياق متصل، أعلن المتحدث باسم قيادة خاتم الأنبياء التابعة للحرس الثوري الإيراني، إبراهيم ذو الفقاري، عن نجاح الدفاعات والقوات الإيرانية في إسقاط مروحيتين من طراز 'بلاك هوك' بالإضافة إلى طائرتي نقل عسكريتين جنوب مدينة أصفهان. وتزامنت هذه التصريحات مع نشر وسائل إعلام إيرانية لصور توثق حطاماً متفحماً لطائرات في المنطقة، مما يعكس ضراوة المواجهة التي دارت في أعقاب محاولات واشنطن استعادة ملاحيها.
من جانبها، أكدت مصادر إعلامية أمريكية وقوع إصابات في صفوف الجنود المشاركين في عملية الإنقاذ المعقدة التي استهدفت الوصول إلى الطيار المفقود. وأشارت التقارير إلى أن الجيش الأمريكي اتخذ قراراً صعباً بتفجير طائرات النقل التي تعطلت في قاعدة نائية داخل العمق الإيراني، وذلك للحيلولة دون استيلاء القوات الإيرانية على معدات عسكرية حساسة أو تكنولوجيا متطورة كانت على متن تلك الطائرات.
اضطر الجيش الأمريكي لتدمير بعض طائراته المشاركة في العملية بعد تعطلها في قاعدة نائية داخل إيران لضمان عدم وقوع تقنياتها في يد الخصم.
وعلى الرغم من الإصابات التي لحقت بالطيار الأمريكي إثر إسقاط طائرته يوم الجمعة، إلا أنه تمكن من التواري عن الأنظار والإفلات من الوقوع في الأسر لمدة زادت عن 36 ساعة. وقد نجحت فرق الإنقاذ في الوصول إليه وإجلائه من المنطقة تحت ظروف أمنية وعسكرية بالغة الخطورة، في وقت كانت فيه المنطقة تشهد استنفاراً واسعاً من قبل الوحدات التابعة للحرس الثوري.
هذه التطورات الميدانية أثارت تساؤلات عميقة لدى المحللين العسكريين حول فاعلية الدفاعات الجوية الإيرانية وقدرتها على التصدي للطائرات الأمريكية الحديثة. خاصة وأن الحادثة جاءت بعد وقت قصير من تقارير تحدثت عن إسقاط مقاتلة من طراز 'إف 15' وتحطم أخرى من طراز 'إيه 10'، مما يضع القدرات العملياتية الأمريكية في المنطقة تحت مجهر المراجعة والتقييم بعد شهر من التصعيد المستمر.
الإثنين 06 أبريل 2026 12:57 مساءً -
بتوقيت القدس
دخلت المواجهة العسكرية الواسعة التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران يومها السابع والثلاثين، وسط تصعيد ميداني لافت وتحركات سياسية خلف الكواليس. وكشفت مصادر مطلعة عن وجود مقترح يتضمن خطة من مرحلتين تهدف إلى وقف العمليات القتالية بشكل مؤقت لمدة تصل إلى 20 يوماً، في محاولة لاحتواء الصراع المتفاقم.
ميدانياً، أعلنت مصادر إعلامية إيرانية عن تنفيذ ضربة صاروخية استهدفت مواقع داخل العمق الإسرائيلي. وأكدت مصادر عبرية أن الصواريخ تسببت في وقوع أضرار مادية وإصابات بشرية، حيث جرى نقل 11 مصاباً إلى المستشفيات في مدينة حيفا عقب سقوط صاروخ بشكل مباشر في منطقة مأهولة.
أفادت مصادر إعلامية بإصابة 11 شخصاً بجروح متفاوتة إثر سقوط صاروخ في مدينة حيفا المحتلة.
تأتي هذه التطورات في وقت حساس من عمر الحرب، حيث تتزايد الضغوط الدولية للوصول إلى صيغة تنهي الأعمال العدائية، بينما تستمر الرشقات الصاروخية المتبادلة في رسم ملامح المشهد الميداني المتفجر بين الأطراف المتصارعة.
الإثنين 06 أبريل 2026 12:42 مساءً -
بتوقيت القدس
تواجه الضفة الغربية المحتلة موجة جديدة من الممارسات الاستيطانية التي تتجاوز السيطرة العسكرية الميدانية، لتصل إلى ما يصفه خبراء بـ 'الاحتلال البصري'. وتهدف هذه التحركات إلى فرض واقع ثقافي وهوياتي جديد من خلال النشر المكثف للرموز الدينية والسياسية الإسرائيلية في الفضاءات العامة والمناطق الحيوية.
ورصدت تقارير ميدانية خلال الأسبوعين الماضيين انتشاراً غير مسبوق للأعلام الإسرائيلية على الطرقات الرئيسية، بالإضافة إلى نصب مجسمات دينية مثل 'الشمعدان' ونجمة داوود فوق قمم التلال وفي الميادين العامة. وتأتي هذه الخطوات في سياق محاولات حثيثة لتطبيع الوجود الاستيطاني وجعله جزءاً أصيلاً من المشهد اليومي في الضفة.
وأفادت مصادر مطلعة بأن هذه الممارسات تندرج ضمن استراتيجية 'السيادة البصرية' التي تهدف إلى تهيئة الأجواء النفسية والسياسية لضم فعلي وتكريس دائم للاستيطان. وتتزامن هذه التحركات مع إطلاق تسميات توراتية على المدن والقرى الفلسطينية في محاولة لتعزيز الرواية الإسرائيلية التاريخية المزعومة حول المنطقة.
وفي سياق متصل، كشفت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان عن تصاعد حاد في اعتداءات المستوطنين، حيث تم تسجيل نحو 443 اعتداءً منذ أواخر فبراير الماضي. واستغل المستوطنون حالة الاضطراب الإقليمي لتكثيف هجماتهم على التجمعات الفلسطينية، مستهدفين ترهيب السكان ودفعهم نحو الرحيل القسري عن أراضيهم.
من جانبه، أكد حسن بريجية، مدير مكتب هيئة مقاومة الجدار في جنوب الضفة أن ما يحدث هو استخدام لـ 'القوة الناعمة' لفرض السيادة الإسرائيلية. وأوضح أن هذه العمليات ليست عفوية، بل هي مخطط منظم يحظى بدعم كامل من الحكومة اليمينية التي توفر الغطاء القانوني والأمني للمستوطنين.
وأشار بريجية إلى أن الظاهرة تطورت بشكل خطير لتشمل السيطرة على مبانٍ عامة ومرافق خدمية فلسطينية ورفع الأعلام الإسرائيلية فوقها بقوة السلاح. وذكر مثالاً على ذلك ما جرى في بلدة حوارة جنوب نابلس، حيث تم اقتحام مؤسسات تعليمية وإزالة العلم الفلسطيني ووضع رموز الاحتلال مكانه.
وحذر مراقبون من أن هذه الإجراءات تتم تحت حماية مباشرة من جيش الاحتلال والشرطة، مما يقلص مساحات الحركة والنمو للفلسطينيين. وشدد بريجية على أن الصمود الفلسطيني على الأرض يظل العائق الوحيد أمام استكمال هذا المشروع الذي يستهدف تصفية القضية جغرافياً وبصرياً.
المستوطنون يسعون من خلال نشر الأعلام والرموز إلى ترسيخ حضورهم على الأرض ضمن مخطط منظم تقوده الحكومة اليمينية.
بدوره، حلل الخبير في الشأن الإسرائيلي علاء الريماوي هذه الظاهرة، معتبراً أنها تحمل رسائل سياسية متعددة الاتجاهات. فالرسالة الأولى تستهدف الفلسطينيين لإحباطهم وإشعارهم بأن الأرض باتت جزءاً من المشروع الصهيوني، بينما تهدف الثانية لتعزيز شعور المستوطنين بالانتماء للمكان.
أما الرسالة الثالثة فهي موجهة للمجتمع الدولي، حيث تسعى إسرائيل من خلالها إلى فرض 'أمر واقع' يصعب تغييره في أي مفاوضات مستقبلية. ويرى الريماوي أن الهدف النهائي هو الوصول إلى ما يمكن تسميته بـ 'دولة المستوطنين' في الضفة الغربية، عبر عزل التجمعات الفلسطينية ومحاصرتها بالرموز الإسرائيلية.
ويلعب البعد الديني دوراً محورياً في هذه الاستراتيجية، حيث يتم ربط المواقع الجغرافية الفلسطينية بروايات دينية يهودية لإضفاء شرعية زائفة على الاستيطان. ويشمل ذلك تغيير أسماء المدن التاريخية، مثل إطلاق اسم 'شكيم' على نابلس و'حبرون' على مدينة الخليل، في محاولة لإعادة كتابة التاريخ الجغرافي للمنطقة.
كما تمتد هذه السياسة لتشمل المواقع الأثرية والمقامات، مثل 'قبر يوسف' في نابلس، الذي يدعي المستوطنون أنه مقام ديني مقدس لهم. ورغم تأكيدات علماء الآثار بأن الموقع لا يتجاوز عمره بضعة قرون ويعود لضريح شيخ مسلم، إلا أن الاحتلال يصر على استخدامه كذريعة للاقتحامات المتكررة.
وتستخدم سلطات الاحتلال أيضاً أسماءً مشتقة من جذور عربية وكنعانية لتسمية المستوطنات الجديدة، في عملية تضليل ثقافي تهدف لسرقة التراث المحلي. ومن أمثلة ذلك مستوطنة 'بروخين' التي استمدت اسمها من بلدة بروقين الفلسطينية، مما يعكس عمق محاولات السطو على الهوية المكانية.
إن هذا 'الاحتلال البصري' يمثل مرحلة متقدمة من مراحل المشروع الاستيطاني الذي يسعى لتحويل الضفة الغربية إلى كانتونات معزولة فاقدة لهويتها العربية. وتتكامل هذه السياسة مع الضغوط الاقتصادية والميدانية التي يمارسها الاحتلال لتقليص الوجود الفلسطيني في المناطق المصنفة 'ج'.
وفي ختام القراءة المشهدية، يظهر أن المعركة في الضفة الغربية لم تعد تقتصر على ملكية الأرض فحسب، بل امتدت لتشمل الوعي والذاكرة البصرية. ويظل التمسك بالرموز الوطنية الفلسطينية والحفاظ على الأسماء التاريخية للمواقع جزءاً أساسياً من المقاومة الشعبية لمواجهة مخططات التهويد.
الإثنين 06 أبريل 2026 12:28 مساءً -
بتوقيت القدس
شهدت منصات التواصل الاجتماعي حالة من التفاعل المكثف عقب الكلمة المتلفزة التي ألقاها أبو عبيدة، الناطق باسم كتائب القسام، والتي حملت مضامين استراتيجية حول طبيعة الصراع الراهن. واعتبرت مصادر متابعة أن الخطاب تجاوز الشأن المحلي الفلسطيني ليرسم ملامح مواجهة إقليمية شاملة، واصفاً المرحلة الحالية بأنها محطة مفصلية لاستعادة عزة الأمة في وجه التحديات الكبرى.
وأكد أبو عبيدة في خطابه أن المنطقة تتعرض لما وصفها بـ'هجمة صهيو-أمريكية متوحشة' تستهدف الهوية والمقدرات العربية والإسلامية بشكل مباشر. وأشار إلى أن هذا العدوان العسكري الشامل ينتهك كافة القوانين الدولية، ويسعى لكسر إرادة الشعوب في تقرير مصيرها، مشدداً على أن المقاومة هي السبيل الوحيد للتصدي لهذه المخططات.
وتطرق المتحدث باسم القسام إلى اتساع رقعة المواجهة، موضحاً أن الحرب التي بدأت في غزة كحرب إبادة جماعية قد امتدت تداعياتها لتشمل جبهات مساندة في لبنان واليمن والعراق وسوريا. ويرى أبو عبيدة أن هذا التوسع يعكس وحدة المصير بين قوى المقاومة في المنطقة، ويؤكد أن الصراع لم يعد محصوراً في جغرافيا ضيقة بل أصبح صراعاً على مستقبل الإقليم بأكمله.
وفي سياق النقد الدولي، اتهم الخطاب القوى الكبرى بممارسة ازدواجية المعايير والصمت تجاه الجرائم المرتكبة بحق المدنيين، مما ساهم في زعزعة الاستقرار العالمي. وأوضح أن الضغوط الدولية تتركز دائماً على الجانب الفلسطيني للالتزام بالتهدئة، في حين يتنصل الاحتلال الإسرائيلي من كافة التزاماته وبنود الاتفاقيات المطروحة، وفقاً لما ورد في الكلمة.
من جانبهم، تفاعل ناشطون ومدونون مع الخطاب مؤكدين أنه وضع حداً لمراوغات الاحتلال في ملف المفاوضات الجارية. وشدد المتابعون على أن تنفيذ المرحلة الأولى من أي اتفاق يعد شرطاً جوهرياً لا يمكن التنازل عنه قبل الانتقال إلى أي خطوات تالية، وذلك لضمان عدم الوقوع في فخ الوعود الزائفة التي يحاول الاحتلال تسويقها.
المواجهة لم تعد مقتصرة على قطاع غزة، بل امتدت إلى عدة ساحات في سياق صراع أوسع على مستقبل المنطقة.
ووصف مغردون حديث أبو عبيدة بأنه يمثل 'البوصلة الحقيقية' للشعوب التي تتطلع للتحرر من الهيمنة، معتبرين أن الخطاب وضع خريطة طريق واضحة تبدأ بنصرة الأسرى وحماية المقدسات. وأثنى المدونون على قدرة الخطاب في ربط قضية غزة بعمقها الاستراتيجي في إيران واليمن ولبنان، مما يعزز مفهوم وحدة الساحات في مواجهة العدو المشترك.
ورأى محللون عبر الفضاء الرقمي أن الكلمة جاءت 'جامعة مانعة' تعبر عن روح الأمة الواحدة وتوجه الأنظار نحو القدس كقضية مركزية لا تقبل القسمة. وأشاروا إلى أن الخطاب نجح في شحذ الهمم والتأكيد على أن الأمة قادرة على مواجهة تداعيات الوجود الأمريكي والاحتلال الإسرائيلي إذا ما توحدت إرادتها السياسية والعسكرية.
كما لفت المتابعون إلى أن الخطاب ارتقى لمستوى التحديات الراهنة، حيث شدد على رفض مشاريع الهيمنة والاحتلال بكافة أشكالها. واعتبر النشطاء أن التركيز على 'العدو الرئيسي' دون الانجرار خلف المعارك الجانبية يعكس وعياً سياسياً وعسكرياً عميقاً لدى قيادة المقاومة في هذه الظروف الحساسة التي تمر بها القضية الفلسطينية.
وأشارت التعليقات إلى أن كلمة أبو عبيدة كشفت عن تفاصيل ومواقف لم تظهر في البيانات الرسمية الصادرة عن اللقاءات السياسية الأخيرة. وبحسب القراءات المتداولة، فإن مجمل الرسائل التي حملها الخطاب توحي بأن الأيام المقبلة قد تشهد تصعيداً ميدانياً جديداً، خاصة في ظل الغموض الذي يكتنف مسار المباحثات الدبلوماسية.
وختم الناشطون تفاعلهم بالإشارة إلى أن 'طوفان الأقصى' لن يتوقف حتى تحقيق أهدافه، مؤكدين أن الخطاب عزز الثقة في قدرة المقاومة على إدارة المعركة. ويرى مراقبون أن حالة الالتفاف الشعبي حول مضامين الخطاب تعكس فجوة كبيرة بين المواقف الرسمية لبعض الدول وبين تطلعات الشعوب العربية والإسلامية تجاه القضية الفلسطينية.
الإثنين 06 أبريل 2026 12:28 مساءً -
بتوقيت القدس
أكد الحرس الثوري الإيراني رسمياً مقتل اللواء مجيد خادمي، الذي يشغل منصب رئيس منظمة استخبارات الحرس، وذلك جراء غارات جوية نفذتها القوات الأمريكية والإسرائيلية فجر اليوم الإثنين. ووصف البيان العسكري الصادر عن طهران الهجوم بأنه عمل إرهابي وإجرامي استهدف أحد أبرز العقول الأمنية في البلاد، مشدداً على أن خادمي كان يمثل ركيزة أساسية في المنظومة الدفاعية الإيرانية.
وكان اللواء الراحل قد تسلم مهام رئاسة جهاز الاستخبارات في التاسع عشر من يونيو عام 2025، ليخلف بذلك اللواء محمد كاظمي الذي قُتل هو الآخر في ضربات جوية إسرائيلية سابقة. وتأتي هذه العملية في ظل تصعيد عسكري غير مسبوق تشهده المنطقة، حيث استهدفت الضربات الأخيرة مراكز حيوية تابعة للقيادة العسكرية الإيرانية.
ويُعد خادمي من الشخصيات الاستخباراتية النادرة التي جمعت بين الخبرة الميدانية الطويلة والتحصيل الأكاديمي الرفيع، حيث قضى ما يقرب من نصف قرن في خدمة المؤسسة العسكرية. وقد تدرج في مناصب حساسة مكنته من الإشراف على أعقد الملفات الأمنية، مما جعله هدفاً دائماً لأجهزة المخابرات المعادية لطهران طوال العقود الماضية.
وبحسب مصادر رسمية، فإن السيرة الذاتية للواء خادمي تضم رئاسته لمنظمة 'حماية المعلومات' التابعة للحرس الثوري، بالإضافة إلى أدوار قيادية في وزارة الدفاع الإيرانية. كما عزز مكانته كخبير إستراتيجي بحصوله على درجتي دكتوراه في مجالي الأمن القومي والعلوم الدفاعية، وهو ما أهله لقيادة التحولات الهيكلية في جهاز الاستخبارات خلال العام الأخير.
الأدوار والمآثر التي سطرها خادمي ستظل خالدة ومرجعاً إستراتيجياً لمجتمع الاستخبارات الإيراني.
وأشار بيان الحرس الثوري إلى أن إرث خادمي الأمني سيظل بمثابة 'سد منيع' في مواجهة التهديدات الخارجية التي تحيط بالجمهورية الإسلامية. واعتبرت القيادة العسكرية أن غيابه يمثل خسارة كبيرة، لكنها أكدت في الوقت ذاته أن المؤسسات الأمنية قادرة على تجاوز هذه الضربة ومواصلة مهامها في حماية النظام والوطن.
وتأتي هذه التطورات الميدانية في سياق المواجهة المفتوحة التي بدأت منذ أواخر فبراير الماضي، والتي أسفرت عن سقوط آلاف القتلى والجرحى في صفوف الإيرانيين. وقد طالت هذه المواجهات أعلى هرم السلطة في إيران، بما في ذلك اغتيال المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي وعدد من كبار القادة السياسيين والعسكريين في البلاد.
وتشير التقارير الواردة من طهران إلى أن مقتل خادمي قد يدفع نحو تغييرات جديدة في التكتيكات الأمنية الإيرانية، خاصة وأن الرجل كان مسؤولاً عن ملفات حساسة تتعلق بمواجهة التجسس الخارجي. وتترقب الأوساط الدولية طبيعة الرد الإيراني المحتمل على هذه العملية التي استهدفت رأس الهرم الاستخباراتي في واحدة من أكثر الفترات حرجاً في تاريخ إيران الحديث.
الإثنين 06 أبريل 2026 12:08 مساءً -
بتوقيت القدس
لم يكن من المفترض لهذه الحرب أن تطول. هكذا دخلها أطرافها، كلٌّ بثقة عالية في أن أدواته كفيلة بفرض الحسم خلال وقت قصير. غير أن ما بدا في البداية مواجهةً محدودةً بزمن محسوب، تحوَّل إلى حرب مفتوحة تجاوزت توقعات الجميع، واستنزفت قدراتهم بدرجات متفاوتة. والتفسير الأكثر إقناعاً لهذه المفارقة لا يكمن في موازين القوة بقدر ما يكمن في تلاقي أخطاء في التقدير دفعت كل طرف إلى المضي في استراتيجية لا تُنهي الحرب بل تُطيلها.
ومع ذلك، لا يعني الحديث عن أخطاء متعددة تجاهل اختلاف موقع كل طرف في بداية هذه الحرب. فقد شكّلت العملية الأميركية نقطة الانطلاق الأساسية للتصعيد، بينما جاء التحرّك الإيراني لاحقاً في إطار الرد على هذه العملية. غير أن هذا الرد، بدوره، لم يخلُ من حسابات خاطئة وخيارات أسهمت في تعقيد مسار الحرب وإطالة أمدها.
في هذا السياق، يمكن فهم الخطأ الأميركي بوصفه ناتجاً عن رهان رافق قرار الانخراط في عمل عسكري، قام على افتراض أن الضغطَين العسكري والاقتصادي سيُفضيان سريعاً إلى تصدعات، ثم انهيارات داخلية في إيران. هذا الافتراض استند إلى قراءة نمطية تفترض أن المجتمعات الواقعة تحت ضغط شديد تميل إلى التمرّد على أنظمتها. غير أن هذه القراءة أغفلت ثلاث حقائق أساسية: الطبيعة العقائدية للنظام الإيراني، التي تضع صمود النظام وبقاءه فوق أي تكلفة تقع على البلد والمجتمع، وأثر التهديد الخارجي في تعزيز التماسك الداخلي بدل تفكيكه، وأخيراً القدرة القمعية العالية التي تجعل تكلفة المعارضة في زمن الحرب باهظة إلى حدٍّ يردعها. لذلك، لم تكن النتيجة انفجاراً داخلياً، بل كانت تماسكاً نسبياً سمح للنظام بامتصاص الضغوط والاستمرار، ما أسقط رهان الحسم السريع.
أما على الجانب الإيراني، ورغم أن التحرّك جاء في سياق الرد، فقد انطوى على سلسلة من الحسابات الخاطئة التي حدّت من فاعليته، بل وأسهمت في تعقيد مسار الحرب. فقد راهنت طهران على أن رفع تكلفة الحرب سيُجبر خصومها على التراجع السريع، واعتمدت في ذلك على استراتيجية الضغط على الاقتصاد العالمي من خلال استهداف بيئة الطاقة الحيوية وتهديد الملاحة. إلا أن هذا الرهان أغفل حقيقة بنيوية في الاقتصاد العالمي: التكلفة لا تتوزع بالتساوي. فالولايات المتحدة، بحكم بعدها وقدرتها على امتصاص الصدمات، فضلاً عن كونها منتجاً مهماً للطاقة، كانت أقل الأطراف تضرراً نسبياً، بينما وقع العبء الأكبر على اقتصادات أخرى مثل الصين والهند واليابان وأوروبا، التي ليست صاحبة القرار في إنهاء الحرب. وهكذا، ضعف الأثر السياسي للأداة الاقتصادية رغم ارتفاع تكلفتها.
ومن أبرز تجليات هذا الخلل توسيع دائرة الضغط لتشمل دول الخليج العربية، عبر استهداف منشآتها النفطية أو التهديد بها، رغم أن هذه الدول لم تكن طرفاً مباشراً في المواجهة. وقد كان هذا السلوك إشكالياً على مستويين:
أولاً، لأنه وسَّع نطاق الاستهداف ليشمل أطرافاً كانت في موقع الحياد.
وثانياً، لأنه كان خياراً غير حكيم استراتيجياً، إذ أسهم في استعداء هذه الدول بدل دفعها إلى الضغط من أجل إنهاء الحرب. والأهم أن الرهان الكامن وراءه، وهو أن ضرب أسواق الطاقة سيُنتج ضغطاً اقتصادياً حاسماً، لم يتحقق، نظراً لطبيعة توزيع التكلفة في الاقتصاد العالمي.
ولم يتوقف سوء التقدير الإيراني عند هذا الحد. فقد افترضت طهران أن تكثيف الضغط العسكري المباشر، خصوصاً عبر الهجمات الصاروخية، سيؤدي إلى إنهاك المجتمع الإسرائيلي ودفعه إلى الضغط على قيادته من أجل إنهاء الحرب. إلا أن هذا التقدير لم يأخذ في الحسبان البنية المتطورة لقدرات الدفاع الجوي، ولا الجاهزية المدنية العالية، ولا الخبرة التراكمية في إدارة حالات الطوارئ. صحيح أن التكلفة كانت حقيقية وكبيرة، لكن القدرة على امتصاصها وإدارتها كانت أعلى مما افترضته الحسابات الإيرانية، ما حوَّل الضغط من أداة حسم إلى عامل استنزاف طويل الأمد بلا نتيجة حاسمة.
هنا تتضح المفارقة المركزية: كل طرف دخل الحرب وهو يفترض أن الزمن يعمل لصالحه. الولايات المتحدة راهنت على أن شدة الضربات مع الوقت ستكشف هشاشة الداخل الإيراني. وإيران راهنت على أن الوقت سيُراكم تكلفة لا يمكن لخصومها تحملها. غير أن ما حدث فعلياً كان العكس؛ فالزمن لم يُسقط أياً من الرهانَين، بل كشف محدوديتهما معاً. ومع كل جولة إضافية، بدلاً من مراجعة الاستراتيجيات، جرى تعميقها، على أمل أن «الدفعة التالية» من الضغط ستُنتج الأثر المؤجل.
بهذا المعنى، لم يكن امتداد الحرب نتيجة تفوُّق أحد الطرفين أو عجز الآخر، بل نتيجة منطق متكامل من سوء الإدراك المتبادل، مع فارق مهم في كيفية انخراط كل طرف في هذا المسار. كل طرف أخطأ في تحديد موضع الهشاشة الحقيقي لدى خصمه: واشنطن بحثت عنه في الداخل الإيراني فلم تجده، وطهران حاولت صناعته عبر التكلفة الخارجية من دون أن تُصيب مركز القرار، بل وسَّعت دائرة الصراع على نحو أضعف موقعها السياسي. وبين هذين المسارين، تشكَّلت ديناميكية إطالة ذاتية، حيث تستمر الحرب، لا لأن أحد الأطراف يقترب من الحسم، بل لأن كليهما يعتقد، خطأً، أن الحسم لا يزال ممكناً بالأدوات ذاتها.
الخلاصة القاسية لهذه الحرب أن الأخطاء في التقدير لا تُوازن بالضرورة بعضها بعضاً، لكنها قد تتلاقى بطريقة تجعل تكلفتها مضاعفة. فعندما يُبنى القرار على فهم غير دقيق لطبيعة الخصم ولتوزيع التكلفة ولقدرة المجتمعات على الصمود، فإن ما يُفترض أنه طريق مختصر نحو الحسم يتحول إلى مسار مفتوح نحو حرب أطول وأكثر تعقيداً مما أراده الجميع.
الإثنين 06 أبريل 2026 12:05 مساءً -
بتوقيت القدس
رام الله - خاص بـ "القدس"-
اعتبر مؤسس ورئيس اتحاد صناعات الطاقة المتجددة في فلسطين د. حسن أبو لبدة أن أزمة نظام "صافي الفوترة" للطاقة الشمسية الأخير لم تكن نتيجة خلل في مضمون النظام بقدر ما نتجت عن سوء التواصل مع الجمهور وغياب المشاورات مع الأطراف المعنية، وعدم التعاطي الجدي مع رأي وموقف بعض الأطراف، خاصة من القطاع الخاص، والخلافات الداخلية بين بعض أطراف العملية الشريعية، وطرحه على الرأي العام من خلال إعلانات شبه تهديدية من بعض موزعي الكهرباء دون سابق إنذار، ما أدى إلى موجة واسعة من الاحتجاجات وسوء الفهم، رغم أنه وصل مرحلة فيها تطور إيجابي لم يكن في السابق، وبقي أن يتم تلافي الإجحاف الذي سيلحق بكافة الفئات نتيجة لتطبيقه كما هو.
وأوضح أبو لبدة، في حديث مع "القدس"، أن جوهر المشكلة يكمن في مواقف موزعي الكهرباء الذين يعارضون مبدأ الاستثمار في الطاقة الشمسية والتوسع في ذلك، معتبرين أن كل كيلو واط يُنتج محلياً يُنقص من أرباحهم، ويُقلل من المشتريات المباشرة للكهرباء، التي قد تكون مربحة أكثر لهم.
وأشار إلى أن النظام المُجمّد كان يحمل تطوراً إيجابياً غير مسبوق، إذ ألزم موزعي الكهرباء قاطبة بشراء فائض الطاقة الشمسية عن استهلاك من المستثمرين (المواطنين والمستثمرين) بالسعر نفسه الذي تشتري به السلطة الكهرباء من إسرائيل، مما يُعد خطوة عادلة طال انتظارها، لكن هذا التطور ضاع وسط "طرح فوقي ومرتبك وبائس"، رافقته رسائل تهديد من بعض موزعي الكهرباء حول "تصويب الأوضاع"، ففُهم النظام وكأنه يمثل جباية جديدة من الحكومة، بينما لم تتدخل الجهات الرسمية لشرح مضمونه للرأي العام.
وأوضح أبو لبدة أن تراكم الأخطاء في الاستفراد في سن التشريعات والإستخفاف بمبدأ الشراكة في التنظيم وسن التشريعات والسياسات، والتعاطي مع ضغوطات الموزعين، وتوقيت الإعلان في ظل الانهيار الاقتصادي والحرب والحصار، وعلم الجمهور بالنظام من الموزعين وليس الحكومة، أدى الى "الانتفاضة" الاجتماعية ضد النظام، ما حدا برئيس الحكومة للتدخل بعد مشاورات حثيثة حول هذه المسألة واتخاذ القرار بتجميد النظام وتشكيل لجنة لمراجعته، مؤكداً ضرورة أن تراعي اللجنة حالة الاحتقان الشعبي والاصطفاف ضد النظام، وأن تُعيد دراسة كل عناصر المنظومة، وليس فقط بند الرسوم.
وأكد أبو لبدة أن قطاع الطاقة المتجددة بحاجة إلى مراجعة شاملة، خاصة أن إجراءات تركيب الأنظمة الشمسية لا تزال معقدة وتتعرض لتعطيل مقصود من بعض موزعي الكهرباء الذين يضعون شروطاً مجحفة أو يرفضون الطلبات، وفي بعض الحالات يستثمرون هم بدلاً من المواطنين، ناهيك عن الفوضى في تنظيم القطاع وغياب الرقابة على نشاط الكثير من المقاولين صغارهم وكبارهم، وعدم ضبط السوق ومنع المتاجرة بمكونات أنظمة الطاقة الشمسية الرديئة والخطرة على سلامة المواطنين. وفي ما يلي نص المقابلة:
* بداية، دكتور، ما قراءتك لتجميد الحكومة قرارها الأخير المتعلق بنظام "صافي الفوترة" للطاقة الشمسية؟ وما مبرراتها المعلنة؟
المشكلة الحقيقية لا تتعلق بالحكومة وحدها، ولا حتى بالشركات الخاصة، وإنما بالطرف الأكثر شراسة في مجابهة أي توسّع في أنظمة الطاقة الشمسية: موزعو الكهرباء، فهؤلاء بمعظمهم يحملون موقفاً سلبياً متجذراً تجاه أي استثمار في الطاقة المتجددة، لأنهم يعتبرون أن كل منزل أو منشأة تنتج جزءاً من كهربائها من الشمس إنما تشاركهم في أرباحهم وتُقلل من مبيعاتهم المباشرة.
هذا التصوّر هو الذي يجعلهم يقفون باستمرار ضد أي خطوات تمكّن المواطنين من الاعتماد على الطاقة الشمسية في توليد حاجتهم من الكهرباء.
منذ انطلاق قطاع الطاقة الشمسية عام 2012، واجهنا سلسلة طويلة من الحوار والجدل والاحتجاجات، ولم يكن الرفض معلناً دائماً، لكنه كان حاضراً بصيغ مختلفة، وتسبب في تغييرات متكررة في الأنظمة المنظمة لقطاع لطاقة الشمسية. ولذا يمكن القول إن تراجع الحكومة جاء استجابة لنبض الجمهور، واعترافا ضمنيا بعدم عدالة النظام، وبما صحوة في مجابهة ضغط متراكم من موزعي الكهرباء الذين يعتقدون أن اتساع الطاقة الشمسية يضر بمصالحهم.
* كيف تطوّر نظام صافي القياس خلال السنوات الماضية؟ وما أبرز التعديلات التي أثّرت على المستثمرين والمستهلكين؟
النظام الذي جرى الحديث مؤخراً عن تطبيقه ليس الأول، هو في الحقيقة الثالث أو الرابع الذي يصدر ثم يُعدّل تبعاً لضغوط موزعي الكهرباء، وأحيانا محاباة لهم.
في بدايات اعتماد الطاقة الشمسية، كان النظام ينص على أن الفائض اليومي من إنتاج المشترك يُحوَّل إلى موزعي الكهرباء، الذين يحتفظون بنسبة 25% منه مجاناً، فيما يُرحَّل الباقي للمشترك شهراً بعد شهر، ثم في نهاية كل عام، تحديداً في 31 آذار/مارس، تتم تصفية الفائض بالكامل لصالح الموزعين، علما بأن ما تم اعتماده في مجلس الوزراء في حينه أتى مخالفا تماما لتوصيات لجنة تم تشكيلها برئاسة سلطة الطاقة وعضوية مجلس تنظيم قطاع الكهرباء وشركة كهرباء القدس واتحاد صناعات الطاقة المتجددة، ومنح موزعي الكهرباء ضعف الإمتيازات التي أوصينا بها في حينه.
لاحقاً، ومع زيادة الاعتراضات وتحفّظات الموزعين، تدخلت السلطة -ممثلة بمجلس تنظيم قطاع الكهرباء- لإصدار نظام جديد. بموجب هذا التعديل، أصبح الفائض اليومي يُضخ إلى الشبكة ويُقتطع منه 10% لصالح موزعي الكهرباء، بينما يُشترى المتبقي من المواطن/المستثمر بسعر يحدده موزع الكهرباء على مزاجه ، وهو في معظم الأحوال سعر منخفض جداً مقارنة بالسعر الذي تُشتري به الكهرباء من إسرائيل.
هذه التعديلات لا تُعد مجرد تفاصيل تقنية، بل تغييرات جوهرية تمسّ جدوى الاستثمار في الطاقة الشمسية، فعندما يُباع الفائض للمواطن بسعر يقل كثيراً عن سعر الاستيراد من إسرائيل، يتحوّل المشروع من فرصة لتعزيز الاستقلال الطاقي إلى معادلة تُكرّسهيمنة موزعي الكهرباء على السوق وتعمق التبيعية لإسرائيل، وتُضعف الحافز الشعبي للاستثمار في الطاقة المتجددة.
* هل ترى أن النظام الجديد يعكس توازناً بين الحكومة والمستثمرين وموزعي الكهرباء؟
بصراحة، لا يوجد توازن، ما يجري حتى الآن هو محاولة دائمة لترضية موزعي الكهرباء على حساب المواطن والمستثمر، وكلما انتشرت أنظمة الطاقة الشمسية، يزيد الضغط لتعديل الأنظمة بطريقة تحفظ مصالح الموزع، وتضيق الخناق على المستثمر.
وهذا ما يجعل أي قرار حكومي في هذا المجال عرضة للتغيير المستمر، لا على أساس تقني أو اقتصادي، بل وفق ميزان النفوذ والمصالح.
إن رغبة المواطنين/المستثمرين الفلسطينيين في تخفيف العبء المالي عنهم عبر توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية هي حق طبيعي لكل منهم، ولكنها تصطدم بجدار مصالح موزعي الكهرباء، الذين يملكون تأثيراً مباشراً على شكل الأنظمة والقرارات التي تصدر، نتيجة لعدم الشراكة الحقيقية مع كافة الشركاء، وهو ما يجعل مستقبل هذا القطاع مرهونا بيتغيير المسار ووضع سياسات سياسات أكثر إنصافاً واستقراراً.
* كيف تقيّم النسخة الجديدة من نظام "صافي الفوترة"؟
برأيي، النسخة الحالية هي تطوير مهم مقارنة بالسابق ولكنها غير كافية، ولم تسنح الفرصة للشركاء للمساهمة في وضعها لضمان توازن المصالح، وأرى المشكلة الأساسية الآن أنها سُوّقت للجمهور بطريقة "بائسة"، وبنبرة شبه تهديدية. لنكن صريحين، التطوير موجود فعلاً، لكنه ضاع للأسف في معمعان سوء الطرح وضعف التواصل وتسرع الموزعين في الإعلان بطريقة فوقية حول تطبيق النظام، فالفكرة الجوهرية في النظام الجديد أنه ألزم جميع موزّعي الكهرباء بشراء الكهرباء الفائضة من أصحاب أنظمة الطاقة الشمسية بالسعر نفسه الذي يشترونه به من إسرائيل، وهذا إنجاز مهم ويُدخل لأول مرة قدراً من العدالة في آلية شراء الكهرباء المنتجة داخل فلسطين، ونرى أن الرسوم قابلة للمعالجة، بشرط الإتفاق على محددات صريحة وواضحة على مصير الرسوم والمستفيدين منها، ومقابل ماذا.
* إذا كان النظام يحمل هذه الإيجابية، فلماذا حدث الغضب؟
لأن عملية إعداد النظام تمت دون مشاورات كافية مع الأطراف المعنية: القطاع الخاص، والبلديات، وحتى المستثمرين الأفراد والمؤسسيين.
عُقدت جلسات "استماع" محدودة وعابرة وغير جدية، وتمت الصياغة خلال الأبواب المغلقة، وصدرت عن الحكومة بهدوء، وسارع بعض الموزعين لمحاولة تطبيقها، دون تهيئة للرأي العام، لا من مجلس تنظيم قطاع الكهرباء ولا الموزعين، ودون دراسة معمقة للأثر الاجتماعي والإستثماري لهذا النظام، والنتيجة أن الجمهور والمستثمرون تلقّوا الخبر بشكل مفاجئ، واعتقد كثيرون أن الحكومة تريد جباية أموال إضافية، رغم أن هذا غير صحيح، والصحيح أن الرسوم كانت ستذهب لموزعي الكهرباء فقط.
* ما الذي زاد من سوء الفهم في الشارع؟
بعض موزّعي الكهرباء نشروا إعلانات تهديدية عملياً: "تعالوا صوّبوا أوضاعكم وإلا…"، و"إلا" هنا أوحت للناس بقطع التيار الكهربائي عنهم، أو مصادرة الكهرباء المنتَجة، وهذه الرسائل خلقت حالة من الذعر، فيما لم يخرج أحد—لا من الحكومة، ولا الموزعين، ولا الإعلام- ليشرح أن النظام له شقّان:
1. شق الرسوم المرتبط بتنظيم العلاقة بين الموزعين والمستثمرين دون تدخل الجهات الرقابية.
2. والشق الأهم: أن المستثمر، سواء كان منزلياً أو صناعياً أو تجارياً، سيبيع فائض كهربائه بالسعر الذي تشتري به السلطة من إسرائيل. وهذه أول مرة يُمنح فيها المواطن أو المستثمر الفلسطيني فرصة عادلة كهذه.
ولذلك كان من الطبيعي أن يحدث ما حدث ويضيع الشق الثاني بين تفاصيل الثورة الاجتماعية.
* هل تعتقد أن المشكلة كانت في مضمون القرار أم في طريقة تقديمه؟
المضمون جيّد جزئياً ومفيد للمستثمرين في هذا القطاع، لكن الطريقة كانت السبب الرئيسي للأزمة، ولو تم إشراك الجهات المعنية، وتقديم دراسة واضحة، وشرح مكونات القرار بشفافية، لما حدث هذا الخلط. لذا أعتقد أن النظام بشكل عام خطوة إيجابية، لكنه افتقد إلى إدارة صحيحة في التواصل، وتحيز لجهات على حساب جهات.
* ما الذي حدث في مسألة الرسوم المرتبطة بنظام صافي الفوترة وآثار هذا الجدل الواسع؟
بصراحة، كان هناك حوار حول الرسوم، لكنه لم ينضج بالشكل الكافي. نحن في اتحاد صناعات الطاقة المتجددة -وهو الجهة التي تمثل مصالح الشركات والمستثمرين- علمنا متأخرين جداً بما يجري، وأثرنا تحفظات على الرسوم وغيرها، وقد وُعِدنا بأن تعالج مخاوفنا في الدليل الإرشادي لتطبيق قرار الحكومة، ولكن لسبب ما تم إصدار الدليل بتسرع بدون شراكة في المراجعة.
لم تُجرَ دراسة حقيقية للأثر الاجتماعي للقرار الجديد، ولم تُؤخذ بالاعتبار الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها الناس، وهذا خلل جوهري ومؤثر.
* لماذا اعتقد الناس أن هذه الرسوم ستذهب للحكومة؟
طبيعي أن يظن المواطن ذلك عندما يُطرح قرار جديد دون شرح واضح، لكن الحقيقة أن هذه الرسوم، وفق النظام، لن تُجبى لصالح الحكومة إطلاقاً، بل ستُدفع مباشرة لموزعي الكهرباء، ويمكن وصفها بأنها أشبه بـ"منحة" أو "خاوة" أو مبلغ مخصص لهم لتغطية جزء من التكاليف التشغيلية. ولم تفاجئني ردة الفعل، خاصة في ظل غياب الشرح والنأي عن المشاركة، مما جعل الجمهور يرى الأمر كمصدر جباية حكومية جديدة.
* ما الذي ساهم في تصاعد الاحتجاجات؟
تداخلت عدة عوامل: أشخاص غاضبون من الوضع العام، آخرون لديهم مشكلة مع الحكومة، وآخرون يشعرون بالظلم من قبل موزعي الكهرباء، وبعض المزاودة من أقلية. هذا الخليط كوّن ما يشبه "الثورة" على النظام الجديد، كما أن بعض المسؤولين السابقين، للأسف، غذّوا حالة الاستنكار والاعتراض بشكل أو بآخر.
* ما الذي يحدث الآن بعد تجميد النظام؟
رئيس الوزراء مشكوراً قرر تجميد النظام وشكّل لجنة لمراجعته. وما ستخرج به اللجنة يجب أن يأخذ في الاعتبار حالة الاحتقان الشعبي تجاه القرار، وكل التحفظات التي أثرناها بالخفاء والعلن.
نحن بانتظار ما ستقدمه اللجنة من تصور جديد، ونأمل أن يكون مبنياً على تشاور أوسع ودراسة اجتماعية دقيقة، وضمان العدالة.
* ما توصياتك لضمان خروج نظام متوازن يراعي مصالح المستثمرين والحكومة وموزعي الكهرباء؟
التوازن الحقيقي يبدأ بالاعتراف بأنه لا يوجد شيء مجاني، إذا كان لا بد من فرض رسم -سواء بقي بالقيمة المطروحة أو تم تخفيضه أو رفعه- فلا بد أن يعرف الناس لماذا يُفرض، ومن المستفيد، وما الذي ستقدمه الجهة التي ستتقاضى هذا الرسم مقابل ذلك. اليوم، لا أحد يعرف ما الذي سيقدمه موزعو الكهرباء للمواطن أو المستثمر في مقابل الرسوم، لا من حيث تبسيط الإجراءات، ولا من حيث التسهيلات، ولا من حيث الخدمات. هذه الضبابية هي أساس المشكلة.
* هل تعتقد أن الأزمة تستدعي مراجعة أوسع وأعمق من مجرد دراسة الرسوم؟
بالتأكيد، ما حصل يشير إلى ضرورة إجراء مراجعة شاملة لقطاع الطاقة المتجددة كله، بحيث يصبح قطاعاً عادلاً ونامياً ويستوعب الجميع من أصغر مستثمر إلى أكبر شركة كهرباء، ويستجيب لفكرة أنه قطاع مسيس ويحقق جزئيا أمنيات تقليبل الاعتماد على إسرائيل في قطاع الطاقة.
الناس لا تعرف أن تعرفة الكهرباء نفسها تُبنى على مدخلات معينة، فهي تُشترى من إسرائيل، ثم تُضاف عليها مبالغ لها علاقة بالتشغيل وظروف الموزعين والفاقد وغير ذلك، ثم يُضاف 8.5% على الإجمالي كنسبة ربح لموزعي الكهرباء، لذلك من الضروري إعادة النظر في كل هذه المنظومة وليس فقط في بند واحد.
* ما أبرز النقاط التي يجب أن تعالجها اللجنة التي تم تكليفها لدراسة النظام الجديد؟
من وجهة نظري، يجب أن يكون أحد مخرجات اللجنة تسهيل إجراءات تركيب الأنظمة الشمسية، وشفافية الإجراءات وإدارة الفائض، وتعزيز الرقابة على الموزعين.
الوضع الحالي مع بعض موزعي الكهرباء غير مقبول: البعض يرفض استقبال طلبات الإستثمار في الطاقة الشمسية، والبعض يضع شروطاً مجحفة، وآخرون يجعلون المواطن ينتظر فترات طويلة قبل الموافقة، إضافة إلى طلب تعديلات أو تكاليف إضافية غير مبررة.
لا يمكن مطالبة المواطن بدفع رسوم لموزع الكهرباء قبل معرفة ماذا سيقدم الموزع له مقابل ذلك.
* هل ترى أن هناك خيارات يمكن أن تخفف الاحتقان في الشارع؟
نعم، وأهمها إعادة النظر في قيمة الرسم بالتأكيد، وربما إعفاء الاستثمار المنزلي منه بالكامل، لأن المنازل لا تحمل الأعباء نفسها التي تتحملها المنشآت التجارية أو الصناعية، والسماح بتركيب محطات شمسية هجينة لا تضخ الكهرباء على شبكة موزعي الكهرباء.
كذلك يجب ألا تكون الرسوم مرتفعة للقطاعين التجاري والصناعي، لأن رفعها يهدد نشاطهما وربحيتهما، وبالتالي يضر بالاقتصاد، وأنا متأكد أنه لو شُرحت القضية للناس بشفافية منذ البداية لما وصلت ردود الفعل إلى هذا المستوى.
* في حال تقررت الإبقاء على الرسوم ضمن نظام صافي القياس المقبل، ما الأسس التي يجب أن يقوم عليها النظام الجديد؟
إذا كان لا بد من وجود الرسوم، فهناك أمران أساسيان يجب أن يتحققا قبل أي شيء: أولاً، أن يعرف الناس "هذا مقابل ماذا؟" وما الخدمة أو القيمة التي سيقدمها موزع الكهرباء مقابل الرسوم التي يتقاضاها. وثانياً، أن يُعاد توزيع جزء من هذه الرسوم بطريقة عادلة وهادفة، بحيث يُخصص 50% منها على الأقل لصندوق سيادي يخدم قطاع الطاقة والمجتمع.
* ما الهدف من هذا الصندوق الذي تقترح إنشاءه؟
هذا الصندوق يجب أن يعمل في اتجاهين متوازيين:
1. الاستثمار في تطوير قطاع الطاقة المتجددة نظرياً وعملياً، عبر دعم الدراسات والتحديثات التقنية ومشاريع التطوير.
2. تعزيز صمود الأسر المهمشة عبر هذا الصندوق الدوار، بحيث يُستثمر في تركيب منظومات شمسية صغيرة لهذه الأسر، تمنحها قدرة على تأمين 100–150 كيلوواط/ساعة لاستهلاكها الشهري، إضافة إلى إمكانية بيع فائض معقول، ما يحولها من أسر متلقية للمساعدة إلى أسر منتجة تمتلك دخلاً ثابتاً.
* هل ترى أن هناك جوانب أخرى يجب أن تتضمنها أي مراجعة لنظام صافي القياس؟
بالتأكيد، هناك نقاط كثيرة يجب التعامل معها لضمان العدالة. على سبيل المثال، قضية "تصويب الأوضاع" التي طُرحت بشكل أربك الناس؛ ما معنى أن يطلبوا من المواطنين تصويب أوضاعهم؟ هل يعني ذلك فرض مبالغ خيالية دون مبرر؟
أيضاً، هناك حالات تختلف عن غيرها: فالمواطن الذي يملك نظاماً شمسياً يعمل بالبطاريات ولا يضخ الكهرباء إلى الشبكة يجب التعامل معه بطريقة مغايرة، لأنه لا يستفيد من الشبكة أصلاً.
* وماذا عن تأثير الرسوم على القطاع الصناعي؟
المصانع تستثمر في الطاقة الشمسية لأنها تدفع فاتورة كهرباء تمثل أكثر من 16% من تكلفة الإنتاج، أي رفع في الرسوم يهدد قدرتها على الاستمرار والربح. والأهم أن أكثر من 90% من كهربائنا مستوردة من إسرائيل، وكل كيلوواط ننتجه من الشمس هو كيلو لا نشتريه من إسرائيل، وهذا بعد وطني واقتصادي لا يجب إغفاله.
* هل لديكم رؤية بعيدة المدى لتطوير هذا القطاع؟
نعم، ونطرحها منذ عشرة أعوام: يجب سنّ قانون يضمن أن كل من يملك مساحة مناسبة يستطيع الاستثمار في الطاقة الشمسية. ومن لا يملك القدرة المادية يجب أن يستفيد من برنامج "الصندوق الوطني الدوار"، حيث تُركّب الأنظمة للمواطنين غير القادرين، ويُسدد التمويل من إنتاج المحطة نفسها.
بهذه الآلية نحقق العدالة، ونسرّع نمو القطاع، ونقلل الاعتماد على إسرائيل، ونحوّل الناس من مستهلكين إلى منتجين للطاقة.
الواقع اليوم أن الموزعين يشترون الفائض من إنتاج الطاقة الشمسية بالسعر الذي يقرره كل منهم ، لكن النظام الذي جُمّد مؤخراً قدّم تغييراً استراتيجياً مهماً، إذ نصّ على شراء الفائض بالسعر نفسه الذي نشتري به الكهرباء من إسرائيل، وهذا تطور عادل وغير مسبوق. إن حوالي 75% من التوزيع تديره خمس شركات فقط، بينما نحو 25–26% تتولاه بلديات ومجالس قروية لا تخضع لأي رقابة فعلية، ما يخلق فجوات كبيرة في التعامل مع المنتجين والمستهلكين.
* دكتور، لماذا لا نصل إلى مرحلة إنتاج طاقتنا ذاتياً ونستغني تماماً عن الكهرباء الإسرائيلية؟
من المهم أن نكون واقعيين وأن لا نخدع المواطنين؛ الاستغناء الكامل عن إسرائيل حالياً غير ممكن. لكن من السهل الوصول إلى إنتاج نحو 30% من مجمل استهلاكنا عبر الطاقة الشمسية، وهذا هدف قابل للتحقيق.
المشكلة أن حجم الاستثمارات في محطات الطاقة الشمسية المنزلية والتجارية والصناعية منذ 2012 وحتى اليوم بقي محدوداً جداً. السبب الرئيسي هو البيروقراطيات والتعطيلات من الجهات ذات العلاقة، إضافة إلى منع بعض موزعي الكهرباء للاستثمار من قبل المواطنين والمستثمرين، في حين قام هؤلاء الموزعون بالاستثمار بأنفسهم بدلاً منهم.
الإثنين 06 أبريل 2026 12:03 مساءً -
بتوقيت القدس
أقل الكلام
إلى الساعة الثامنة من مساء يوم غدٍ بتوقيت واشنطن، الثانية من فجر الأربعاء بتوقيت فلسطين، مدد ترمب المهلة التي حددها لإيران، والتي كان من المقرر أن تنتهي مساء اليوم، قبل إمطارها بـ"الجحيم"، إنْ هي لم تستجب لشروطه التي تضمّنتها "وثيقة الاستسلام" ذات البنود الخمسة عشر، التي سبق أن رفضتها طهران، وردت عليه أمس برفض الإنذار.
على رؤوس أصابعه يقف العالم اليوم، يحبس أنفاسه بانتظار ما الذي سيفعله الرجل غريب الأطوار، المتقلب وجهه في سماء الأزمة التي دخلت شهرها الثاني، دون أن تلوح في الأفق أيّ بادرةٍ للتهدئة، فيما يكتنف الغموض خيار "الغزو البري" الذي يتوعد به "قطب العقارات" جزيرة "خرج" للسيطرة عليها والحصول على ثروة طائلة، كما قال.
بمنشورٍ يشبهه غرّد "صاحب الذات المتضخمة" أمس بكلماتٍ نابية، يتوعد بها طهران بأيامٍ عصيبةٍ قادمة، وفق جدولٍ زمنيّ يبدأ بقصف منشآت الطاقة وتدمير الجسور، قبل أن يُعيد البلاد والعباد إلى العصر الحجري.
وبينما تشير استطلاعات الرأي إلى تآكل شعبيته، ترتفع درجة حرارته، فيزداد غضبه، ويتسارع صخبه، وتشتدّ نرفزته، فيُقيل وزيرة العدل لدورها في كشف ملفات إبستين، ويطيح رئيسَ الأركان "راندي جورج" لصالح تعزيز مكانة "مذيع فوكس نيوز" الذي جلبه لينافس الجنرالات في إدارة أعقد الصراعات على الأرض.
إطاحة الجنرال المحترف تُخفي صراعاً مع الجهل والتهور والجنون الذي يحكم ويتحكم بصناعة القرار في البيت الأبيض، ومع من يقودون الدولة العظمى بـ"الرقية" و"الشعوذات السياسية" واستعجال معركة "هرمجدون".
مئات الطائرات والبوارج وعشرات آلاف الجنود أكملت تموضعها في المنطقة، إيذاناً بحملةٍ بريةٍ واسعة، تشبه تلك التي تعرّض لها العراق في العام ٢٠٠٣، بهدف خلق "مناطق رخوة" في الهضبة الفارسية الشاسعة.
قال الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى: وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم، وما هو عنها بالحديث المرجم.
وقال قائدٌ عسكريّ قديمٌ تمرّس الحروب وعاش أهوالها: كل الخطط العسكرية المعدة مسبقاً تسقط مع انطلاق الرصاصة الأولى.

الإثنين 06 أبريل 2026 12:00 مساءً -
بتوقيت القدس
د. محمود أبو الرب: ينبغي إعادة هيكلة سوق الكهرباء بما يتناسب مع تغيراته البنيوية وكذلك الارتقاء بالشركات لتقدم خدمات شبكية بما يتوافق مع التحول العالمي بقطاع الطاقة
مسيف مسيف: هناك 2700 طلب لأنظمة الطاقة الشمسية هذا العام بزيادة ملحوظة لكن بقاء الرسوم المرتفعة سيؤدي إلى توقف هذه الطلبات خلال أشهر قليلة
د. مؤيد عفانة: يجب تنظيم سوق الطاقة المتجددة وتصويب أوضاع الأنظمة الحالية في إطار يضمن سلامة المستخدمين وحماية حقوق الجميع على أساس من العدالة
إياد الرياحي: الاعتماد المطلق على الكهرباء المستوردة من إسرائيل يفترض أن يدفع صانعي القرار إلى تشجيع المواطنين على التحول للطاقة البديلة
د. شادي حمد: تشجيع الطاقة البديلة يقلل من استهلاك الوقود والمحروقات ما يخفف من فاتورة "المقاصة" التي تذهب للاحتلال دون استرداد واضح
حسناء الرنتيسي: الخطوة كشفت "التناقض في السياسة العامة" فالحكومة تعلن خططاً لرفع حصة الطاقة المتجددة لكنها تتجه لفرض ضريبة على مصدر الطاقة
رام الله - خاص ب"القدس"-
في ظل الجدل المتصاعد حول نظام صافي الفوترة، برزت الأزمة كأحد أبرز مظاهر الخلل البنيوي في قطاع الطاقة الشمسية، حيث أدى غياب اللوائح التنفيذية الواضحة وسياسات التنظيم المتوازنة إلى اتخاذ الحكومة قراراً بتجميد النظام ودراسته.
ويرى خبراء اقتصاديون ومختصون، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن سوء فهم هيكل تكلفة الكهرباء وتضارب المصالح بين الأطراف تسبب في خلق حالة من الاحتقان دفعت الحكومة إلى التراجع المؤقت عن النظام وتجميده.
ومع اتساع الاعتماد على الطاقة الشمسية باعتبارها خياراً استراتيجياً لتقليل التبعية للطاقة المستوردة من إسرائيل، برزت الحاجة الماسة لإصلاح سوق الكهرباء بشكل جذري، خاصة في ظل ارتفاع الرسوم المقترحة وتداعياتها على المستهلكين والقطاع الصناعي، مشددين على أن التحول للطاقة المتجددة يتطلب تعرفة عادلة وحوكمة واضحة تضمن توزيعاً منصفاً لتكاليف الشبكة، إلى جانب حماية المستثمرين والمستهلكين معاً.
ويؤكد الخبراء الاقتصاديون والمختصون أن أي نظام جديد يجب أن يتسم بالمرونة والدقة، وأن يسبق تطبيقه تجريب فعلي يضمن نجاحه واستدامة قطاع الطاقة في فلسطين.
تراكمات تنظيمية واقتصادية عميقة
يوضح الخبير الاقتصادي د.محمود أبو الرب أن الأزمة التي سبقت إقرار ثم تجميد نظام صافي الفوترة الخاص بالطاقة الشمسية في فلسطين ليست وليدة قرار منفصل، بل نتيجة تراكمات تنظيمية واقتصادية عميقة، أبرزها إصدار أنظمة بلا لوائح تنفيذية واضحة أو مؤشرات أداء قابلة للقياس.
ويشير إلى أن النظام الذي صدر أولاً ثم تراجعت الحكومة عنه تحت ضغط الاحتجاجات، ويعاني من فجوات نتج عن تطبيقه قرار تجميده، مما يتطلب لائحة تنفيذية تفسيرية ومؤشرات أداء قابلة للقياس وتجريبه قبل تطبيقه، ما خلق فراغاً تنظيمياً واسعاً يعرف اقتصادياً بـ "اقتصاد التنظيم"، حيث تغيب أدوات الضبط وتتصاعد تضاربات المصالح بين المستثمرين وشركات الكهرباء والحكومة.
ويبيّن أبو الرب أنه في ظل غياب نظام تشغيل واضح، تحرك المستثمرون بمنطق تعظيم الربح، بينما وجدت شركات الكهرباء نفسها محكومة بتكاليف ثابتة عالية لا يمكن التخلص منها، في حين فقدت الحكومة قدرتها على تنظيم السوق، ما أدى إلى حالة تضارب مصالح "غير مُدار" غذّت الأزمة الحالية.
ويشير أبو الرب إلى أن سوء فهم هيكل تكلفة الكهرباء ساهم في تأجيج الموقف؛ فالكهرباء ليست سلعة عادية، بل تعتمد على تكاليف ثابتة ضخمة تشمل الشبكات والصيانة والتشغيل، بينما تبقى التكاليف الهامشية للطاقة الشمسية منخفضة، وهذا يخلق تحدياً كبيراً عند انتشار الأنظمة المنزلية.
مخاطر عدم الإصلاح الشامل لسوق الكهرباء
ويلفت أبو الرب إلى أن توسع الطاقة الشمسية دون إصلاح شامل لسوق الكهرباء يؤدي إلى ما يسمى "دوامة الموت لشركات الكهرباء"؛ إذ يخرج كبار المستهلكين من الشبكة بالاعتماد على الطاقة الشمسية، ما يرفع العبء على صغار المستهلكين وعلى شركات التوزيع، ويهدد استدامة النظام الكهربائي ككل.
ويعتبر أبو الرب أن غياب تصميم تعرفة متوازنة، وغياب نموذج واضح لتقاسم القيمة بين الأطراف، خلق تشوهاً في الأسعار وأفقد المستهلكين والمستثمرين الثقة في النظام.
تحمل تكلفة الشبكة
ويشير أبو الرب إلى أن أحد الأسئلة الجوهرية التي يجب على النظام الإجابة عنها هو: من يتحمل تكلفة الشبكة عندما ينتج المواطن كهرباءه ذاتياً؟ فبينما يستخدم المواطن الشبكة لتخزين فائض الكهرباء أو لضخها، لا يوجد إطار واضح ينظم هذه العلاقة، وإذا لم تُوزع التكلفة بشكل عادل، تنهار العدالة الاقتصادية لمنظومة الطاقة، ويصبح التحول نحو الطاقة المتجددة غير مستدام، وهو ما حذّر منه البنك الدولي مراراً.
ويؤكد أبو الرب أن فلسطين قفزت سريعاً باتجاه الطاقة المتجددة دون إصلاح بنيوي لسوق الكهرباء، بينما يتطلب رفع حصة الطاقة الشمسية إلى 30% — كما تستهدف الحكومة — إصلاح نموذج السوق، وإرساء حوكمة تنظيمية صارمة، وإعادة النظر في دور شركات التوزيع.
ويصف أبو الرب ذلك بأنه "خطأ استراتيجي" نتج عن قرارات غير مكتملة، أدخلت تكنولوجيا جديدة داخل نظام اقتصادي قديم، ما أدى إلى تشوهات وفقدان ثقة وعودة الحكومة عن قراراتها.
ويشير أبو الرب إلى أن صناع القرار والمستثمرين يركزون على زيادة إنتاج الطاقة المتجددة دون معالجة سؤال جوهري: من يدفع تكلفة استمرار النظام الكهربائي؟ وما مصير شركات التوزيع في ظل تراجع الإيرادات إذا لم تُفرض رسوم عادلة لاستخدام الشبكة؟
إعادة تصميم التعرفة الكهربائية
ويشدد أبو الرب على ضرورة إعادة تصميم التعرفة الكهربائية بالكامل، قائلاً: "إن العالم يتجه نحو نماذج متعددة تشمل رسوم القدرة، والتعرفة حسب الاستهلاك الفعلي، والتعرفة الزمنية حسب أوقات الذروة".
ويعتبر أبو الرب أن العمل بنموذج "صافي الفوترة" بدلاً من "صافي القياس" خطوة جيدة، لكنها تحتاج إلى حوكمة صارمة لمنع تكرار الأزمات.
صندوق لتغطية خسائر شركات التوزيع
ويقترح أبو الرب إنشاء صندوق لتغطية خسائر شركات التوزيع مؤقتاً خلال مراحل انتقالية، على أن يُموَّل من رسوم محددة ومن دعم المؤسسات الدولية، نظراً لتهالك البنية التحتية الكهربائية وحاجتها الماسة لإعادة تأهيل.
ويدعو أبو الرب إلى إدخال مؤشرات أداء إلزامية تشمل نسبة الفاقد الفني، واستقرار الشبكة، وكفاءة التحصيل، ونسبة الطاقة المتجددة الفعّالة لا المركبة فقط.
ضرورة وجود لائحة تنفيذية واضحة
وفي ما يتعلق بالحلول، يشدد أبو الرب على ضرورة تجميد النظام الحالي جزئياً وإعادة صياغته بلائحة تنفيذية واضحة، مع إطلاق نموذج تجريبي قبل التوسع وتحديد مؤشرات قياس دقيقة "قيس قبل ما تغيص"، وليس العكس.
ويؤكد أبو الرب أنه ينبغي إعادة هيكلة سوق الكهرباء بما يتناسب مع تغيراته البنيوية، وكذلك الارتقاء بدور شركات الكهرباء ونظامها من بائع طاقة إلى "مشغل نظام" يقدم خدمات شبكية، بما يتوافق مع التحول العالمي في قطاع الطاقة.
لا جباية إلا بقانون
وفي مسألة الرسوم، يوضح أبو الرب أنه "لا جباية إلا بقانون"، وأن أي استخدام للشبكة يجب أن يقابله مقابل مالي، لأن الشركات تتحمل تكاليف ثابتة كبيرة.
ويشدد أبو الرب على أن المشكلة ليست في الرسوم نفسها، بل في غياب الوضوح والحوكمة والثقة بين المواطن والشركات والحكومة.
ويؤكد أبو الرب أن نجاح الانتقال من نسبة 8% وصلت لها الطاقة المتجددة في فلسطين إلى 30% يتطلب إصلاحاً مؤسسياً عميقاً، وثقافة ثقة بين الأطراف، ونظاماً واضحاً وعادلاً يوازن بين حقوق المواطن وحقوق الشركات واستدامة قطاع الكهرباء في فلسطين.
خلل بنيوي في العلاقة المتبادلة
يعتبر الباحث في معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني "ماس" مسيف مسيف أن الأزمة التي رافقت قرار الحكومة بتجميد نظام الطاقة الشمسية الجديد يتجاوز قضية رسوم أو تعرفة، ليكشف خللاً بنيوياً في العلاقة بين شركات التوزيع والبلديات من جهة، والمستهلكين والمستثمرين من جهة أخرى، في وقت يفترض أن تكون فيه الطاقة المتجددة الحل الاستراتيجي لتقليل تبعية فلسطين لإسرائيل.
وبحسب مسيف، فإن الطاقة، وبشكل خاص الكهرباء، تمثّل المؤشر الأوضح على مدى قدرة الفلسطينيين على الانفصال عن السوق الإسرائيلية، مؤكداً أن الخلايا الشمسية هي السبيل الأكثر واقعية واستراتيجية لتعزيز الاستقلال الطاقي وتشجيع الاستثمار المحلي. إلا أن الإشكالية -وفق مسيف- ليست في مبدأ التحول للطاقة المتجددة، بل في طريقة تنظيم القطاع، وكيفية توزيع الأعباء بين الأطراف، وغياب سياسة متوازنة تحفظ حق الشركات والمستهلكين في آن واحد.
ويوضح مسيف أن الأزمة الحالية تتموضع "بين مطرقة شركات التوزيع وسندان المستهلكين"، حيث إن الرسوم التي كان يفترض فرضها لا تذهب للحكومة كما يعتقد البعض، بل تدخل في إطار العلاقة الاقتصادية بين شركات الكهرباء والبلديات والمواطنين والمزارعين والصناعيين. ويلفت مسيف إلى أن الحكومة ليست طرفاً جابياً في هذا الملف، لكنها مسؤولة تنظيمياً عن تحقيق التوازن وضمان عدم انحياز المنظومة لطرف على حساب آخر.
ارتفاع الرسوم المقترحة
ويشير مسيف إلى أن الإشكال الأكبر يتعلق بارتفاع الرسوم المقترحة مقارنة بالظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها المواطن الفلسطيني.
ويؤكد مسيف أن فرض رسوم عالية لا يتناسب مع قدرة المستهلكين ينعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج الصناعي، ما يعني ارتفاع أسعار السلع وتغذية موجة تضخم إضافية في السوق الفلسطينية، وهي موجة "لا يحتملها الوضع الاقتصادي الهش".
ويشير مسيف إلى أن تطبيق الرسوم بالشكل الذي طُرح يتعارض أيضاً مع جوهر قرار بقانون رقم (14) لعام 2015 الذي يدعو صراحة إلى "تشجيع وتطوير واستغلال مصادر الطاقة المتجددة"، فبدلاً من تقديم الحوافز والإعفاءات كما تفعل دول العالم لدعم هذا التحول، جرى اقتراح رسوم مرتفعة وغير خاضعة لضريبة القيمة المضافة، وهو ما يخلق "منطقاً اقتصادياً غير مقنع وغير قائم على أسس سليمة".
العالم يعمل بنموذجين
ويوضح مسيف أن العالم يعمل بنموذجين أساسيين: صافي القياس وصافي الفوترة، مؤكداً أن الحالة الفلسطينية تستدعي تفضيل صافي القياس لأنه "أكثر عدالة للمواطن وأسرع في استرداد الاستثمار".
ويشير مسيف إلى أن صافي القياس يعتمد معادلة "كيلوواط مقابل كيلوواط" بالتعرفة نفسها، ما يجعل استهلاك الكهرباء شبه متوازن، بينما في نظام الفوترة يبيع المواطن الفائض بسعر أقل بكثير من سعر الشراء، وهذا "ما أثار احتجاجات القطاع الخاص لعدم جدواه الاقتصادية".
ويبيّن مسيف أنّ نظام الفوترة أكثر فائدة لشركات التوزيع، بينما يمنح صافي القياس المواطن عائدًا أسرع واستقراراً في حسابات جدوى الاستثمار.
وبحسب مسيف، فإن امتداد فترة استرداد رأس المال من 5 أو 6 سنوات إلى 8 أو 10 سنوات يدفع المواطنين والمستثمرين إلى العزوف أو التأجيل، وهو ما يتناقض مع توجهات الحكومة الرامية لزيادة مساهمة الطاقة المتجددة في السوق.
مخاطر بقاء الرسوم المرتفعة
ويؤكد مسيف أن الأرقام الحالية تُظهر حجم التحدي؛ إذ يوجد 2700 طلب لأنظمة الطاقة الشمسية هذا العام، بزيادة وصلت إلى 270% عن العام السابق، لكن بقاء الرسوم المرتفعة سيؤدي إلى توقف هذه الطلبات خلال أشهر قليلة، ما يهدد مسار التوسع في الطاقة النظيفة.
ويقترح مسيف حلاً يقوم على صيغة وسط بين صافي القياس ونظام الفوترة، مع ترك الخيار للمستثمر.
ويشير مسيف إلى أن تعديل صافي القياس قد يكون ممكناً بحيث يصبح "1 مقابل 0.95" بدلاً من 1 مقابل 1، بما يحقق توازناً دون إلغاء جدوى الاستثمار.
ويدعو مسيف إلى إعادة النظر في الرسوم المفروضة، واصفاً إياها بأنها "عشوائية وغير مفهومة"، خاصة حين تصل إلى 20 شيكلاً على كل كيلوواط، ما يعني 400 شيكل شهرياً لمنشأة تنتج 20 كيلوواط فقط، وهو مبلغ "غير منطقي" للمصانع ذات الاستهلاك العالي.
ويرى مسيف أن الحكومة مطالبة بالتدخل عبر سياسة اقتصادية تراعي البعد الاجتماعي، مع إعفاء كامل للفئات المهمشة والمواطنين ذوي الدخل المحدود الراغبين بالتحول للطاقة الشمسية، إضافة إلى اعتماد سياسة صناعية انتقائية تمنح إعفاءات للصناعات التي تتنافس مع الواردات أو تساهم في تعزيز الإنتاج المحلي.
ويؤكد مسيف أن ملف الطاقة الشمسية يحتاج إلى "إعادة حسابات دقيقة" تحافظ على الطلب المتزايد وتضاعفه، بدل أن تعيق نموه، مشدداً على أن تحقيق الاستقلال الطاقي لن يكون ممكناً ما لم يُبنَ نظام تعرفة عادل، ويُعاد تصميم العلاقة بين شركـات التوزيع والمواطنين بما يضمن استدامة القطاع ويشجع الاستثمار في آن واحد.
التجميد خطوة إيجابية
يعتبر الخبير الاقتصادي د. مؤيد عفانة أن قرار الحكومة الفلسطينية تجميد النظام المقترح لصافي الفوترة رقم (4) لعام 2025 المتعلق بتركيب وتشغيل أنظمة الطاقة الشمسية، يمثل "خطوة إيجابية" واستجابة سريعة للجدل المجتمعي الواسع الذي أثارته التعليمات الجديدة.
ويرى عفانة أن موجة النقاش، والاعتراضات التي عبّر عنها المواطنون والقطاع الخاص ومختلف الفعاليات والفئات عبر مواقع التواصل والمقالات والكاريكاتير، شكّلت "حالة صحية من المساءلة المجتمعية"، دفعت صُنّاع القرار للتراجع المؤقت ومراجعة ما طُرح.
ويوضح عفانة أن قرار التجميد الذي صدر عن رئيس الوزراء تضمن تشكيل لجنة مختصة لمراجعة تعليمات نظام صافي الفوترة وإجراء دراسة شاملة، بما يسمح بأخذ شكاوى المواطنين وملاحظاتهم بجدية، وتحقيق توازن بين الأطراف كافة، من مواطنين وشركات توزيع وهيئات محلية.
ويؤكد عفانة أن النظام بصيغته السابقة يحتاج بالفعل إلى مراجعة معمّقة من الجهات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني، لضمان عدالة التطبيق وتعزيز أمن الطاقة في فلسطين.
ويشير عفانة إلى أن فلسطين تتبنى هدفاً وطنياً واضحاً يتمثل في الوصول إلى 30% من مصادر الطاقة من الطاقة المتجددة بحلول عام 2030، مؤكداً أن تحقيق هذا الهدف يتطلب تحفيز الاستثمار في الطاقة الشمسية وليس وضع عقبات جديدة، خاصة أن تكلفة إقامة الأنظمة الشمسية مرتفعة محلياً وتتطلب زمناً طويلاً لاسترداد رأس المال.
أهمية تشجيع المواطنين على الطاقة البديلة
ويرى عفانة أن أي نظام جديد يجب أن يكون عملياً ومرناً ويشجع المواطنين والمؤسسات على تبني الطاقة البديلة دون تحميلهم أعباء بيروقراطية أو مالية كبيرة تجعل التحول غير مجدٍ اقتصاديًا.
ويشدد عفانة على أن صياغة نظام متوازن تعتمد على نقاشات موسعة تضم الجهات الحكومية والقطاع الخاص والخبراء والمجتمع، ضمن منهج علمي وقاعدة واضحة هدفها تعزيز أمن الطاقة والانفكاك التدريجي عن الاحتلال عبر زيادة الاعتماد على مصادر محلية نظيفة.
أهمية تنظيم سوق الطاقة المتجددة
وفي الوقت ذاته، بحسب عفانة، يجب تنظيم سوق الطاقة المتجددة وتصويب أوضاع الأنظمة الحالية في إطار يضمن سلامة المستخدمين، وحماية حقوق الجميع سواء المواطنين المستثمرين في الطاقة الشمسية، أو حقوق شركات التوزيع أو الهيئات المحلية على أساس من العدالة.
ويؤكد عفانة أن النظام المعدّل يجب أن يوفّر بيئة محفزة للاشتراكات المنزلية والمؤسساتية، ويضمن عائداً منطقياً للاستثمار، ويُخفف من الإجراءات المعقدة، بحيث يتحول قطاع الطاقة الشمسية إلى رافعة حقيقية لتعزيز استقلال الاقتصاد الفلسطيني واستدامته.
منطق الجباية يرفع العبء
يوضح الباحث في مرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية إياد الرياحي أن تجميد الحكومة قرارها فرض رسوم على أنظمة الطاقة الشمسية جاء نتيجة عاملين أساسيين، الأول ضغط الشارع وما رافقه من تقارير وتحقيقات صحفية سلّطت الضوء على آثار القرار، والثاني ضغط الشركات الخاصة العاملة في قطاع الطاقة الشمسية، حيث أشار عدد من مديري تلك الشركات في مقابلات مختلفة إلى أنهم مارسوا ضغطاً مباشراً دفع الحكومة إلى إعادة النظر في توجهها.
ويشير الرياحي إلى أن جوهر المشكلة يكمن في رؤية الحكومة للموضوع، إذ تسعى إلى تعزيز الجباية في ظل الأزمة المالية التي تمر بها، دون النظر إلى ما إذا كانت هذه الرسوم ستُثقل كاهل المواطنين أو تُعيق انتشار الطاقة المتجددة. ويشدد الرياحي على أن منطق الجباية الذي تتبناه الحكومة في سياستها المالية "يرفع العبء على الناس" بدلاً من تشجيعهم على خيارات تقلل اعتمادهم على الكهرباء المستوردة.
التوازن المفقود
ويبيّن الرياحي أن التوازن مفقود تماماً في تنظيم القطاع، لأن الأمر بات يدور بين شركات خاصة تعمل في الطاقة الشمسية وبين شركات توزيع الكهرباء، بينما يُترك المستهلك خارج المعادلة، دون أن يُؤخذ بعين الاعتبار عند صياغة السياسات أو منح الامتيازات.
ويوضح الرياحي أن الاعتماد المطلق على الكهرباء المستوردة من إسرائيل يفترض أن يدفع صانعي القرار إلى تشجيع المواطنين على التحول للطاقة البديلة، غير أن منح امتيازات خاصة لبعض الشركات، وتقوية نفوذها داخل القوانين، يؤدي إلى نتائج عكسية.
ويؤكد الرياحي أن الحديث عن التوازن اليوم هو في الحقيقة بحث عن صيغة تحقق مصالح الشركات—سواء العاملة في الطاقة الشمسية أو موزعي الكهرباء—بغض النظر عن قدرة المواطنين على الدفع.
ويعتبر الرياحي أن أي اتفاق مستقبلي بين الحكومة وتلك الشركات سيُحمّل المواطن التكلفة النهائية، ما لم يُعَد النظر في السياسات، وتُوضع مصلحة المستهلك في مركز القرار لضمان بيئة تشجع على الطاقة المتجددة وتحمي الفئات الأضعف من أعباء مالية جديدة.
توقيت بالغ الحساسية
يؤكد مدير الأكاديمية المهنية للعلوم المالية والإدارية في فلسطين، د. شادي حمد، أن الجدل الذي أثاره قرار فرض رسوم وضريبة على أنظمة الطاقة الشمسية، ثم إعلان الحكومة تجميده، يعود بالأساس إلى أن توقيته كان "بالغ الحساسية"، خصوصاً في ظل بحث الفلسطينيين عن أي مصدر يمنحهم قدراً من الاستقلالية في الطاقة وسط ارتفاع كبير في أسعار الوقود، وتخوّف من احتمالات انقطاع الكهرباء نتيجة سياسات الاحتلال وبسبب الحرب الدائرة.
عدم وجود فترة سماح لتصويب الأوضاع
ويوضح حمد أن المواطنين اتجهوا مؤخراً إلى الطاقة الشمسية كاستثمار يخفّض التكلفة ويمنحهم قدراً من الأمان، لكن صدمتهم جاءت من طرح قرار يبدأ تطبيقه بأثر رجعي ابتداءً من 1 أبريل / نيسان الجاري، ومن دون تقديم فترة سماح لتصويب الأوضاع.
ويشير حمد إلى أن كل من قام بتركيب الأنظمة الشمسية "وقّع اتفاقية رسمية مع شركة الكهرباء، ودفع رسوماً وتكاليف عالية في كل زيارة وإجراء"، ما يجعل فرض رسوم جديدة أو ضرائب شاملة على الماضي والحاضر "تجاوزاً للعقود الموقّعة" و"قراراً بلا غطاء قانوني واضح".
ويبيّن حمد أن تطبيق القرار على مختلف الأنظمة، بما في ذلك المستقلّة تماماً غير المرتبطة بالشبكة، كان أحد أكثر النقاط إثارة للرفض، لافتاً إلى أن بعض المواطنين يستخدمون الأنظمة الشمسية مثل السخانات الشمسية أو أنظمة على أسطح منازلهم دون أي ربط بالشبكة، ومع ذلك طُرحت فكرة إلزامهم برسوم.
تجربة غزة وتعزيز الثقة بالطاقة الشمسية
ويرى حمد أن التجربة القاسية التي عاشها الفلسطينيون مؤخراً، خاصة في غزة، جعلت الثقة بالطاقة الشمسية أكبر بوصفها "الملاذ الوحيد" في أوقات الأزمات وانهيار البنية الكهربائية.
ويرى حمد أن تجميد الحكومة للقرار لا يعني التراجع عنه نهائياً، بل هو "تعليق له من أجل الدراسة"، متوقعاً أن يُعاد طرحه "بصيغة جديدة ولكن ليس بالشكل الذي ظهر سابقاً"، لأن الصيغة الأولى "قوبلت برفض مجتمعي شديد".
وفي ما يتعلق بحماية شركات الكهرباء من الانهيار، يوضح حمد أن من يعتمد على الطاقة الشمسية نهاراً "يعود ليشتري الكهرباء ليلاً بأسعار أعلى"، ما يعني أنه لا يشكل عبئاً مالياً على الشركات، بل يرفد الشبكة في النهار ويعتمد عليها ليلاً، وأن الحديث عن خسائر كبيرة "غير دقيق".
تشجيع الطاقة البديلة يقلل من استهلاك الوقود والمحروقات
ويشير حمد إلى أن تشجيع الطاقة البديلة يقلل من استهلاك الوقود والمحروقات، ما يخفف من فاتورة "المقاصة" التي تذهب للاحتلال دون استرداد واضح، مؤكداً أن تعزيز استقلالية المواطن في الطاقة الشمسية يسهم في التخفيف من الضغوط الاقتصادية ويمكّن المجتمع من مواجهة الأزمات المتوقعة مستقبلاً.
ضغوط اجتماعية وشعبية
توضح الصحفية المختصة بالشأن الاقتصادي حسناء الرنتيسي أن قرار الحكومة بتجميد فرض الرسوم والضريبة على أنظمة الطاقة الشمسية جاء أساساً تحت تأثير ضغوط اجتماعية وشعبية كبيرة، بعد موجة رفض واسعة من المواطنين والقطاع الخاص.
وتشير الرنتيسي إلى أن الحكومة كانت تسعى لتوسيع قاعدة الإيرادات في ظل الأزمة المالية التي تواجهها، وقد برّرت القرار بحاجتها إلى "تنظيم العلاقة بين منتجي الطاقة الشمسية وشركات توزيع الكهرباء"، خاصة مع التوسع السريع في أنظمة صافي الفوترة خلال السنوات الأخيرة.
وتؤكد الرنتيسي أن التراجع الرسمي عن القرار لم يكن "تقنياً فقط"، بل جاء نتيجة ضغط مباشر مارسه أصحاب المنازل الذين استثمروا في الطاقة الشمسية بهدف خفض فواتير الكهرباء، إضافة إلى شركات الطاقة المتجددة ومؤسسات المجتمع المدني، التي اعتبرت القرار "تهديداً مباشراً" لقطاع ما زال في طور النمو. هذا الرفض، وفق الرنتيسي، تحول إلى قوة ضغط فعلية أجبرت الحكومة على إعادة النظر في قرارها.
التناقض في السياسة العامة
وتشير الرنتيسي إلى أن هذه الخطوة كشفت عن "التناقض في السياسة العامة"، فالحكومة تعلن رسمياً خططاً لرفع حصة الطاقة المتجددة إلى 30% من إجمالي الطاقة، لكنها في المقابل تتجه لفرض ضريبة على مصدر الطاقة الأكثر انتشاراً لدى المواطنين، ما يوجه "ضربة للاستثمار" في القطاع ويقوّض أهداف التنمية المستدامة التي تعلنها الحكومة.
وتشدد الرنتيسي على أن التوازن في قطاع الطاقة لا يتحقق عبر "فرض ضرائب على الشمس"، وإنما من خلال تسعير عادل لكلفة استخدام الشبكة الكهربائية، وتعديل آليات الفوترة، ودمج شركات الكهرباء في نموذج الطاقة الجديد لضمان استدامة القطاع دون تحميل المواطن أعباء إضافية.
وتدعو الرنتيسي الحكومة إلى وضوح أكبر في سياساتها وتجنب القرارات المفاجئة التي تمسّ حياة المواطنين بشكل مباشر.
الإثنين 06 أبريل 2026 11:59 صباحًا -
بتوقيت القدس
كل المقربين لي يعرفون انني من اشد المعجبين بمراقبه تصرفات الناس وتحليلها ، قد اجلس ساعات متواصله وانا انظر اليهم سواء في حديقه او مكتبه او مقهى او رواق جامعه ، ليس من باب إعطاء الاحكام او التنظير انما من باب فهم السلوك البشري ، إليكم القصه الحقيقه الاتيه التي سأرويها لكم وكانت هي المحرك الحقيقي والفعلي لكتابه هذا المقال .
قبل عده ايام بينما كنت أراقب نقاشاً حيوياً بين مجموعة من الفتيات في مقهى لفت انتباهي كيف أن إحداهن لم تكتفِ بسؤال هاتفها الذكي عن معلومة، بل طلبت منه أن "يقرر" نيابة عنها جدول دراستها، ويصيغ رسالة اعتذار لأستاذتها بل ويقترح عليها أفضل خيار لوجبة الغداء بناءً على بياناتها الصحية. هذا لم يكن مجرد استخدام لأداة بحث بل كان تفويضاً كاملاً لـ "وكيل" يتخذ القرارات. في تلك اللحظة، تساءلت إذا كانت الآلة تتخذ قراراتنا اليومية نيابة عنا، فما الذي يتبقى من استقلاليتنا الإنسانية؟ وكيف نربي جيلاً قادراً على اتخاذ القرار في عصر تُتخذ فيه القرارات نيابة عنه؟
نحن نعيش اليوم تحولاً جذرياً يتجاوز مجرد الاعتماد على محركات البحث أو النماذج اللغوية التوليدية. لقد دخلنا حقبة "الوكلاء الأذكياء" (Agentic AI)، وهي أنظمة لا تكتفي بتوليد النصوص بل تتصرف وتفاوض وتنفذ المهام باستقلالية شبه تامة . تشير الإحصاءات إلى أن 79% من المؤسسات تبنت هذه التقنيات بحلول عام 2025 مع توقعات بأن تدير هذه الأنظمة 80% من تفاعلات خدمة العملاء دون تدخل بشري بحلول عام 2029 . هذا التحول يطرح تحديات عميقة تتجاوز الجانب التقني لتلامس صميم بنيتنا المعرفية والاجتماعية.
قبل عشرين عاماً او اكثر كان اتخاذ القرار في مجتمعاتنا الشرقية، وتحديداً في مدن ذات نسيج اجتماعي متماسك مثل القدس، عملية تشاركية بامتياز. كانت "حكمة المجالس" والتشاور العائلي هي البوصلة التي توجه الأفراد في خياراتهم، بدءاً من اختيار التخصص الجامعي وصولاً إلى القرارات المصيرية. كان "كبير العائلة" أو "المربي" يمثل مرجعية تستند إلى خبرة متراكمة، وفراسة، وفهم عميق للسياقين الإنساني والاجتماعي.
اليوم، حلت خوارزميات التوصية والوكلاء الأذكياء محل هذه المرجعيات البشرية. في اقتصاد الانتباه (Attention Economy)، حيث تتنافس المنصات الرقمية للاستحواذ على تركيزنا، تقدم لنا التكنولوجيا إغراءً لا يقاوم يعرف باسم "التفريغ المعرفي" (Cognitive Offloading) . نحن ننقل العبء الذهني لاتخاذ القرار إلى الآلة بحجة توفير الوقت والجهد. ولكن هل نحن حقاً نوفر الوقت لنستثمره في مهام أكثر أهمية أم أننا نتنازل تدريجياً عن "عضلة" التفكير النقدي؟
صاغ عالم الاقتصاد الحائز على جائزة نوبل، هربرت سيمون، مفهوم "العقلانية المحدودة" (Bounded Rationality)، مشيراً إلى أن البشر لا يتخذون قرارات مثالية، بل قرارات "مُرضية" بسبب محدودية قدراتهم المعرفية والوقت المتاح . الوكلاء الأذكياء يعدوننا بتجاوز هذه المحدودية من خلال معالجة كميات هائلة من البيانات في ثوانٍ. ومع ذلك فإن هذا الاعتماد المفرط يولد ظاهرة تُعرف بـ "تحيز الأتمتة" (Automation Bias) حيث يميل الأفراد إلى الثقة العمياء في قرارات الآلة حتى عندما تتعارض مع حدسهم أو خبرتهم .
تشير دراسة حديثة صادرة عن مختبر الوسائط في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT Media Lab) إلى أن الاعتماد المفرط على حلول الذكاء الاصطناعي قد يسهم في "ضمور معرفي" وتراجع في مهارات التفكير النقدي . عندما نعتاد على تلقي إجابات جاهزة وقرارات معلبة فإننا نفقد القدرة على تحمل الغموض ومواجهة التحديات وبناء المعنى. وكما يوضح دان ليفي المحاضر في جامعة هارفارد: "لا يحدث تعلم ما لم يكن الدماغ منخرطاً بفاعلية في صنع المعنى" .
من منظور الإدارة التعليمية، يفرض هذا الواقع إعادة نظر شاملة في فلسفتنا التربوية. إذا كانت الآلة قادرة على معالجة البيانات واتخاذ القرارات الروتينية بكفاءة أعلى، فما هو دور المؤسسة التعليمية؟؟؟؟ الإجابة تكمن في التركيز على ما يجعلنا بشراً.
يؤكد فواز حبال الأستاذ في جامعة هارفارد، أن "الآلات تحسب ولا تمتلك تجارب إنسانية… التعلم الآلي يعتمد على التعديلات الإحصائية، بينما البشر ينظمون الحياة في علاقتها بالمعنى" . لذلك، يجب أن تتحول المدارس والجامعات من مراكز لتلقين المعلومات إلى بيئات حاضنة لـ "المهارات الناعمة" العميقة: التعاطف، الحدس، التفكير الأخلاقي، والقدرة على التعامل مع التناقضات الإنسانية.وقد سبق وكتبت عنها في مقال سابق .
علينا أن نعيد الاعتبار لدور "المعلم الإنسان" الذي لا يكتفي بنقل المعرفة، بل يقرأ لغة الجسد، ويفهم السياق النفسي للطالب، ويوجهه بحكمة لا يمكن لأي خوارزمية محاكاتها. كما تشير تينا غروتزر الباحثة في هارفارد فإن العقول البشرية قادرة على القيام بقفزات حدسية سريعة بفضل "علامات الجسد" (Somatic Markers)، وهي ميزة تتفوق بها على النماذج الحسابية البحتة .
إن التحدي الحقيقي في عصر الوكلاء الأذكياء ليس في رفض التكنولوجيا، بل في كيفية استخدامها دون أن نفقد سيادتنا على عقولنا. يجب أن نربي أبناءنا على أن يكونوا "سادة" للآلة لا مجرد مستهلكين لقراراتها. يتطلب ذلك تعزيز الوعي الذاتي، وتشجيع الحوار العائلي والمجتمعي، وإعادة إحياء ثقافة "المجالس" بصيغة عصرية تدمج بين حكمة الماضي وأدوات الحاضر.
في النهاية، قد يتمكن الذكاء الاصطناعي من حجز تذكرة سفر أو صياغة رسالة إلكترونية، لكنه لن يتمكن أبداً من استشعار دفء اللقاء العائلي، أو فهم عمق المعاناة الإنسانية، أو اتخاذ قرار أخلاقي ينبع من ضمير حي. بوصلتنا الداخلية هي ما يجعلنا بشراً، وعلينا أن نحرسها بعناية في عالم يزداد أتمتة يوماً بعد يوم.
الإثنين 06 أبريل 2026 11:58 صباحًا -
بتوقيت القدس
الحرب الدائرة الآن كشفت المسكوت عنه ورفعت الغطاء عن أوهام كثيرة، وهي تجبر الجميع على مراجعة الحسابات وإعادة النظر فيما كان يشبه المُسلّمات، فهذه الحرب تقلل أو قللت فعلاً من رسوخ الدور وهيبة الدول وثبات المصالح، فإعادة تشكيل المنطقة على أُسس جديدة ومختلفة قاب قوسين أو أدنى، هي حرب لا ينفع فيها الطمأنينة أو الادعاء بالحياد أو الركون إلى ادعاء مشكوك فيه، وإخوتنا في الخليج الذين وجدوا أنفسهم في خضم كابوس حقيقي، مضطرون إلى التصرف واتخاذ القرار، على صعوبة ذلك وخطورته، بما يحمل ذلك من إيجابيات وسلبيات، ومن هذه الخيارات ما يلي:
أولاً: الاكتفاء بالردود الحالية، أي مواجهة الاعتداء ومحاولة الاحتواء والنأي عن الانضمام الفعلي للحرب، وانتظار مآلاتها والبحث عن مخارج فردية لتقليل الهجمات أو محاولة فتح قنوات سرية مع إيران لاتقاء شرها، الآن أو في المستقبل، وهو خيار مكلف ولكنه أقل كلفة من الانخراط في الحرب، لأن ذلك يحمل معه مخاطر ميلاد أحلاف إقليمية لا تريدها شعوب المنطقة، أو لأن تلك الأحلاف لن تستفيد منها سوى إسرائيل، وبالتالي يمكن لإخوتنا في الخليج أن يتخلّصوا من خطر إيران ولكنهم سيقعون في مصيدة أُخرى أكثر خطراً.
ثانياً: توسيع دائرة الأحلاف داخل المنطقة العربية والإسلامية وخارجها أيضاً، إذ يمكن لإخوتنا في الخليج تشكيل حلف دفاعي واقتصادي مع دول المنطقة العربية والإسلامية بعيداً عن الولايات المتحدة أو حتى بالتنسيق معها، ويمكن لهم أيضاً توسيع أحلافهم مع دول من الاتحاد الأوروبي أو مجموعة البريكس، المقصود هنا محاولة التخلص من التحالف الحصري مع الولايات المتحدة الأمريكية التي ثبت فعلاً أنها مستعدة لحماية إسرائيل وتبني وجهة نظرها دون الأخذ بعين الاعتبار مصالح إخوتنا في الخليج ومطالبهم الأمنية أو السياسية، المقصود هنا أن تُراجَع هذه العلاقة من جذورها وأن يُعاد تأطيرها من جديد وأن لا يقوم إخوتنا الأعزاء في الخليج بدور الممول أو المنقذ المالي للولايات المتحدة الأمريكية دون أدنى اعتبار لمطالبهم، والمقصود في هذه النقطة هو توسيع مفهوم الأمن الإقليمي وطبيعة العلاقات الثنائية والتسويات السياسية.
ثالثاً: لابد من توحيد السياسات والرؤى بين إخوتنا في الخليج حول رؤية واحدة تجعل من أمن الخليج واستقراره وبعده عن التجاذبات الدولية هدفاً للجميع، إن الاستفراد بالقرار أو احتكاره يقلل من قوة دول الخليج ويجعله عرضة للاختراق أو الاستخدام أو تقويض الجهود، فالتهديد ليس قادماً من إيران وحدها، على عدوانيته وشراسته ونتائجه، هناك تهديدات أُخرى لا تقل شراسة وعدوانية من أطراف أُخرى معروفة للقاصي والداني، دول الخليج الآن على المحك فعلاً، ولأننا نخاف عليهم ونقلق من أجلهم وقلوبنا معهم، فإن هذه الدول معرّضة لسيناريوهات قد تكون مرعبة فعلاً، لهذا، لابد من تنسيقٍ عالٍ جديد يُستعاد فيه مجلس التعاون الخليجي على أُسس جديدة يمكن أن تشكّل دافعاً قوياً لأن يكون جزءاً من حلف عربي وإسلامي وأوروبي أوسع، بمعنى آخر، يمكن لإخوتنا في الخليج استعادة القرار الموحد وبناء سياسة دفاعية واقتصادية موحّدة تضع المصلح الآنية والمستقبلية على طاولة المجتمع الدولي كله، حان الوقت لإعادة التموضع وتجديد قائمة الأصدقاء والحلفاء والأعداء، ويمكن لإخوتنا في الخليج تقديم نموذج جديد لطبيعة العلاقة المثمرة بين دول الإقليم تقوم على المصالح والقرب الجغرافي وتشابه المزاج والثقافة وتقاسم الضرر والتحديات، فإذا كانت دول عربية أُخرى تعاني الانقسام والحرب الأهلية والتجاذبات الطائفية والعرقية، أو تعاني من الفقر والاحتقان السياسي والاجتماعي، فليس من الضروري أن تدخل دول الخليج هذا المصير المظلم أيضاً، فلديها من القدرات والكفاءات وضغط اللحظة التاريخية ما يجعلها تنجو من هذا المصير، والاستعمار كما نعلم جميعاً لا يحترم الشرعيات في منطقتنا، لا الحدود ولا الثقافة ولا الأنظمة، كل ما يراه الاستعمار في بلادنا هو حقول النفط وسعة الممرات وحماية إسرائيل.
رابعاً: لم يفت الوقت أمام إخوتنا في الخليج للضغط على الولايات المتحدة الأمريكية لوقف هذه الحرب، حتى لو تحوّلت إلى حرب برية، شاملة أو جزئية، الوحل الإيراني سيُلطّخ الجميع وسيدفع ثمنه الجميع، تفكيك إيران أو إضعافها سيرتد سلباً على الجميع، نُذكّر الجميع بما حصل في العراق وما يحصل الآن في سوريا والسودان وليبيا، لا ننسى أيضاً أن المجتمع الدولي يتواطأ في تغييب دولة فلسطينية، كل ذلك تدفعه شعوب المنطقة وأنظمتها، استلاباً وفقراً وغياباً وخضوعاً، من مصلحة إخوتنا في الخليج وقف هذه الحرب، ومن مصلحتهم البدء ببناء موقف آخر مختلف، وإذا كانت الحرب قد فُرضت عليهم، فإنهم يستطيعون الاختيار في كيفية الخروج منها.
الإثنين 06 أبريل 2026 11:57 صباحًا -
بتوقيت القدس
كشفت مصادر مسؤولة عن تحركات دبلوماسية مكثفة تقودها باكستان للتوصل إلى صيغة تنهي المواجهة العسكرية الحالية، حيث تسلمت طهران مقترحاً يتألف من مرحلتين لوقف إطلاق النار. وأكد مسؤول إيراني رفيع أن بلاده تدرس العرض بعناية، مشدداً في الوقت ذاته على رفض الجمهورية الإسلامية إعادة فتح مضيق هرمز مقابل هدنة مؤقتة فقط، في ظل عدم قناعة طهران بجدية واشنطن في وقف دائم للأعمال القتالية.
ويعتمد المقترح الباكستاني، الذي يمثل قناة الاتصال الوحيدة بين الطرفين، على نهج تدريجي يبدأ بإعلان وقف فوري وشامل لإطلاق النار كخطوة أولى لبناء الثقة. ومن المفترض أن يتبع هذه الخطوة التوقيع على مذكرة تفاهم أولية تؤسس لاتفاق نهائي وشامل يتم إنجازه في غضون فترة زمنية تتراوح بين 15 إلى 20 يوماً، بما يضمن إنهاء حالة التوتر في الممرات المائية الدولية.
وتشير المعلومات المسربة إلى أن المبادرة تتضمن بنوداً جوهرية تتعلق بالملف النووي الإيراني، حيث يُطرح خيار تخلي طهران عن برنامجها مقابل رفع كامل للعقوبات الاقتصادية المفروضة عليها. كما يشمل المقترح الإفراج عن كافة الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج، وهي نقاط لا تزال تخضع لمداولات مكثفة داخل أروقة صنع القرار في إيران ولم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي بشأنها بعد.
على الصعيد الدبلوماسي، أفادت مصادر بأن العاصمة الإيرانية شهدت نشاطاً واسعاً خلال الساعات الماضية، حيث أجرى وزير الخارجية عباس عراقجي سلسلة اتصالات مع نظرائه في المنطقة والعالم. وتهدف هذه التحركات إلى شرح الموقف الإيراني وتوضيح الشروط التي تضعها طهران للقبول بأي تسوية سياسية تضمن حقوقها السيادية وتنهي حالة العداء المستمرة.
إيران لن تخضع لضغوط لتحديد مواعيد نهائية أو اتخاذ قرارات تحت الإكراه، وما فشلت واشنطن في تحقيقه ميدانياً لن تناله بالسياسة.
وأوضحت المصادر أن الموقف الإيراني الرسمي يرتكز على قاعدة أن الطرف الآخر هو من بدأ التصعيد العسكري، وبالتالي فإن طهران ترفض أي صيغة تبدو وكأنها استسلام أو تراجع عن الثوابت الوطنية. وتؤكد القيادة الإيرانية أن أي محاولة أمريكية لتحقيق مكاسب سياسية عجزت عن انتزاعها في ميدان المعركة ستواجه بالرفض القاطع، معتبرة أن الضغوط الزمنية لن تؤثر على جودة القرار المتخذ.
وتشترط طهران في رؤيتها للحل النهائي أن يكون وقف الحرب شاملاً لكافة الجبهات المرتبطة بالصراع، لضمان عدم تجدد المواجهات في مناطق أخرى مستقبلاً. كما تطالب إيران بضرورة إدراج بند واضح يتعلق بدفع تعويضات مالية وعينية عن الخسائر الفادحة التي لحقت ببنيتها التحتية ومنشآتها نتيجة العمليات العسكرية التي شنتها القوى المعادية خلال الفترة الماضية.
ورغم الزخم الذي يحيط بالمقترح الباكستاني، إلا أن طهران لم تصدر حتى اللحظة أي بيان رسمي يؤكد استلام المسودة أو يحدد موعداً للرد النهائي عليها. ويسود حذر شديد في الأوساط السياسية الإيرانية، حيث يرى مراقبون أن الشيطان يكمن في التفاصيل، خاصة فيما يتعلق بآليات التحقق من رفع العقوبات وضمانات عدم عودة واشنطن للانسحاب من أي اتفاق مستقبلي.
وفي حال حظي المقترح بالقبول، فمن المتوقع أن يشهد مضيق هرمز استئنافاً فورياً لحركة الملاحة الدولية، مما سيخفف من حدة أزمة الطاقة العالمية التي تسببت بها الحرب. وتنتظر القوى الإقليمية والدولية نتائج هذه الوساطة التي قد تشكل نقطة تحول تاريخية في مسار العلاقات الإيرانية الأمريكية، أو تؤدي إلى مزيد من التصعيد إذا ما فشلت الأطراف في تقريب وجهات النظر حول القضايا العالقة.
الإثنين 06 أبريل 2026 11:57 صباحًا -
بتوقيت القدس
على الرغم من الخديعة الأميركية، تحت غطاء المفاوضات بوساطة عُمانية في جنيف، وخلال ثلاث جولات، كانت نهايتها يوم الخميس 26 شباط فبراير 2026.
وعلى الرغم من المفاجأة التي وقعت بالهجوم الأميركي الإسرائيلي، على إيران بدءاً من يوم السبت 26 شباط فبراير 2026، وعلى الرغم من الضربات الموجعة الأميركية الإسرائيلية، التي واجهتها ايران وتلقتها، وتدمير آلاف المؤسسات والمواقع العسكرية والأمنية والمدنية الإيرانية. على الرغم من كل ذلك: صمدت إيران، وفشلت الإدارة الأميركية ومعها المستعمرة الإسرائيلية في دفع إيران نحو الخضوع والاستسلام، سواء بإسقاط وتغيير النظام، أو قبولها شروط ترامب لوقف إطلاق النار، وقد برز الفشل والإخفاق الأميركي الإسرائيلي في عناوين عديدة أبرزها:
1- صمود إيران، 2- قدرتها على توجيه ضربات موجعة للمستعمرة الإسرائيلية، ولبعض المواقع الأميركية، 3- عدم استجابة أوروبا للمشاركة في الحرب، والمفترض أنها الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة، عبر حلف الناتو العسكري الأمني، 4- رفض بلدان الخليج العربي للحرب، وعدم المشاركة وعدم التورط فيها، رغم أنها المتضرر المباشر من هذه الحرب بعد إيران، 5- إدراك بلدان الخليج العربي والأردن وغيرها أن هدف المستعمرة إيجاد الذرائع وتعميق الخلافات الإيرانية العربية، وجعلها في حالة عدوان واعتداء متبادل وتصادم دائم، 6- اهتزاز مكانة الولايات المتحدة أمام المجتمع الدولي، كدولة تدعي الحرص على السلام والاستقرار، وبانت عدوانيتها الفاقعة على أثر: 1-الحرب على إيران، 2- تغطية حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، والاعتراف بالقدس عاصمة للمستعمرة، 3- ممارسة القرصنة باختطاف الرئيس الفنزويلي.
وليس هذا وحسب بل إدارة ترامب الذي نجح في دورتي الانتخاب الرئاسية، وحصول حزبه على الأغلبية لدى مجلسي النواب والشيوخ، بات اليوم في وضع مهزوز سياسياً أمام الحزب الديمقراطي وانكفاء بعض الجمهوريين في تأييد الحرب، حيث لا مصلحة أميركية لهذه الحرب، وحصيلتها الفشل رغم الادعاءات بتحقيق النصر، وقد انعكس ذلك بزيادة أسعار النفط على المواطن الأميركي.
وغير ذلك وكله، كشف حقيقة السياسة الأميركية وأولوياتها، أن الحليف الأول والأهم هو المستعمرة الإسرائيلية، وبدلاً من أن توفر الأمن والحماية إلى الحلفاء والأصدقاء والمراهنين العرب، سببت لهم الأذى المباشر، وقد ينسحب ذلك على علاقات بعض الأطراف العربية مع إيران، لتتحول إلى حالة عداء وخصومة، وأن الرهان على أميركا كما كان يقول الرئيس المصري الراحل السادات: "اللي بتغطى بأميركا ببرد". ولا يجد لا الدفء ولا الطمأنينة.
انكشاف وتعرية الموقف الأميركي، يبادلها ويوازيها فتح أبواب الاعتماد والتصالح وتوسيع شبكة الأمان مع الأطراف الدولية الثلاثة: أوروبا والصين وروسيا، وحصيلة ذلك خيارات التوازن على الأرجح التي ستسعى لها بلدان الخليج العربي، بدون القطيعة مع الولايات المتحدة، ولكن بدون الاعتماد عليها وحدها كما كانت تراهن سابقا، بل عبر خيارات متوازنة موضوعية مع أوروبا والصين وروسيا، وهو ما سبق وبادرت له العربية السعودية في العلاقات مع هذه الأطراف وخاصة مع الصين ودورها في الوساطة مع إيران.
الإثنين 06 أبريل 2026 11:56 صباحًا -
بتوقيت القدس
ليست تجربة الرئيس دونالد ترامب مجرد انحراف عابر في سلوك رئيسٍ مثيرٍ للجدل، بل تمثّل تحوّلًا لافتًا واختبارًا عميقًا لحدود النظام السياسي الأمريكي، ولمجمل القواعد التي حكمت إدارة العلاقات الدولية لعقود.
فهذه التجربة لم تكتفِ بمخالفة الأعراف الدبلوماسية، بل سعت إلى إعادة تعريفها عبر مزيج غير مألوف من الشعبوية الحادّة، والبراغماتية الصدامية، والتصعيد الخطابي الذي يربك الحلفاء قبل الخصوم، ويُعيد رسم حدود المقبول في لغة السياسة وممارساتها.
منذ اللحظة الأولى، قُدّمت هذه المقاربة بوصفها محاولة لتصحيح اختلالات تاريخية، انطلاقًا من فرضية أن أمريكا قد تحمّلت أعباء تفوق ما تجنيه من النظام الدولي.
وقد لُخّصت هذه الرؤية بعبارة دالّة: "We're like the piggy bank that everybody is robbing"، وهي عبارة تكشف اختزالًا حادًا للعلاقات الدولية في بعدها المالي المباشر، متجاهلةً تعقيداتها الاستراتيجية والرمزية، وما تنطوي عليه من توازنات دقيقة بين القوة والمصالح والقيم.
من التحالف إلى المقايضة: انقلاب في المفهوم ...
في هذا السياق، لم تعد التحالفات تُفهم بوصفها التزامات استراتيجية طويلة الأمد، بل تحوّلت إلى صفقات قابلة لإعادة التفاوض وفق ميزان الكلفة والعائد.
وقد تجلّى ذلك في التعامل مع حلف شمال الأطلسي، الذي وصفه بأنه "obsolete"، مع مطالبة أعضائه بدفع "مستحقاتهم"، وكأن الأمن الجماعي خدمة تُشترى لا رابطة استراتيجية تُبنى على أساس المصالح المشتركة والالتزامات المتبادلة.
كما مثّل الانسحاب من الاتفاق النووي مع نقطة انعطاف واضحة نحو الأحادية، في تجاهل لاتفاق دولي متعدد الأطراف، الأمر الذي أضعف الثقة في استمرارية الالتزامات الأمريكية وأثار شكوكًا واسعة لدى الشركاء الدوليين.
وفي موازاة ذلك، أُطلقت مواجهة تجارية مفتوحة مع الصين، أعادت تعريف التنافس من إطاره الاستراتيجي الطويل إلى صراع اقتصادي مباشر عالي الكلفة، امتدت آثاره إلى سلاسل الإمداد العالمية وأسواق المال.
لغة الصدمة: حين تتراجع الدبلوماسية ...
لم يقتصر التحول على القرارات، بل طال اللغة ذاتها. فقد دخلت مفردات غير مسبوقة إلى الخطاب السياسي، من قبيل "fire and fury" أو التلويح بـ"الجحيم" خلال مهلة زمنية محدودة، وهي تعبيرات تحمل طابعًا تهديديًا مباشرًا يفتقر إلى الضبط الدبلوماسي التقليدي.
هذه اللغة لا تعكس فقط نزعة تصعيدية، بل تُسهم في خلق بيئة دولية أكثر هشاشة، حيث يصبح التهديد العلني أداة اعتيادية في إدارة الأزمات، وتتقلص المساحة الرمادية التي كانت الدبلوماسية تتحرك ضمنها لاحتواء التوتر.
وفي هذا الإطار، يرى أن السياسة الخارجية "بحاجة إلى اتساق وانساق، أكثر من حاجتها إلى مفاجآت"، في إشارة إلى أن الإفراط في القرارات غير المتوقعة يربك الحلفاء ويُضعف القدرة على بناء استراتيجيات مستقرة.
كما يؤكد أن القوة لا تُختزل في الإكراه، بل تقوم أيضًا على الجاذبية والقدرة على بناء الثقة، وهو ما تآكل بفعل الخطاب التصادمي الذي قلّص من جاذبية النموذج الأمريكي.
شخصنة القرار: حين يتراجع منطق المؤسسة
أحد أخطر ملامح هذه المرحلة هو تصاعد "شخصنة القرار"، حيث تراجعت الأطر المؤسسية لصالح نزعة فردية واضحة في صناعة القرار.
فقد بدا في أكثر من محطة أن التوجهات الكبرى تُصاغ وفق ردود فعل آنية أو حسابات سياسية ضيقة، بدل أن تكون نتاجًا لتخطيط استراتيجي طويل الأمد.
ويظهر ذلك بوضوح في التقلب بين التصعيد والانفتاح، كما في العلاقة مع كوريا الشمالية، حيث انتقل الخطاب من التهديد المباشر إلى اللقاء الدبلوماسي في فترة زمنية قصيرة، دون مسار تفاوضي تقليدي واضح المعالم.
هذا النمط يعكس غياب الاستمرارية، ويعزز حالة عدم اليقين لدى الحلفاء والخصوم على حد سواء.
الكلفة الاستراتيجية: تآكل الثقة لا القوة ...
لم يكن هذا التحول بلا ثمن، فبينما بقيت أمريكا قوة عسكرية واقتصادية كبرى، إلا أن رصيدها المعنوي المتمثل في الثقة والمصداقية، تعرض لتآكل ملحوظ.
وهذا النوع من التآكل أكثر خطورة من التراجع المادي، لأنه يضرب أساس القدرة على القيادة والتأثير طويل الأمد في النظام الدولي.
إن أخطر ما في هذا المسار ليس القرارات بحد ذاتها فحسب، بل البيئة التي تنتج عنها؛ بيئة تتزايد فيها احتمالات سوء الفهم بين الدول، وتضيق فيها قنوات التواصل الفعّال، ويصبح فيها التصعيد أسرع من الاحتواء، ما يرفع من مخاطر الانزلاق إلى أزمات غير محسوبة.
بين الظاهرة والتحول البنيوي:
قد يُغري تفسير هذه التجربة بوصفها استثناءً شخصيًا، لكن القراءة الأعمق تشير إلى أنها تعبير عن تحولات داخلية في المجتمع الأمريكي، حيث صعدت الشعبوية، وتراجعت الثقة بالمؤسسات التقليدية، وتعززت النزعة إلى إعادة تعريف دور الدولة في العالم.
من هذا المنظور، فإن هذه المقاربة قد لا تكون حدثًا عابرًا، بل مؤشرًا على تحول أوسع في بنية التفكير السياسي الأمريكي.
خلاصة القول: إننا أمام عالم بات أقل يقينًا وأكثر تعقيدًا ...
السؤال الذي يفرض نفسه لم يعد متعلقًا بشخص أو مرحلة، بل بمصير القواعد الناظمة للعلاقات الدولية، التي حكمت النظام الدولي لعقود طويلة.
هل نحن أمام تفكك تدريجي لهذه القواعد، أم أمام إعادة تشكيلها وفق منطق جديد أكثر خشونة وأقل انضباطًا؟
في كلتا الحالتين، يبدو أن العالم يتجه نحو مرحلة تتراجع فيها اليقينيات، وتتقدم فيها المفاجآت، ويصبح فيها "اللا متوقّع" عنصرًا بنيويًا لا استثناءً عابرًا.
وهنا، لا يكون التحدي في فهم ما يحدث فقط، بل في القدرة على التكيّف مع عالم لم تعد قواعده واضحة كما كانت في السابق.
الإثنين 06 أبريل 2026 11:55 صباحًا -
بتوقيت القدس
للعام الثالث على التوالي، يواصل أكثر من مليون ونصف نازح في قطاع غزة حياةً قاسية تحت القماش، بعدما التهمت حرب الإبادة بيوتهم، وبدّدت استقرارهم، ودفعتهم إلى بقعٍ ضيقة من الأرض لا تصلح للحياة. لم تعد الخيمة محطة مؤقتة كما كان يُظن، بل تحولت إلى واقعٍ ثقيل، وإلى عنوانٍ دائم لمعاناة مركّبة تتداخل فيها السياسة بالإنسان، والكارثة بالإهمال، والحقّ المسلوب بالصمت الدولي.
في هذه المخيمات المكتظة، لا تقتصر المعاناة على فقدان السكن، بل تتعداه إلى تهديدٍ دائم بالطرد. كثير من النازحين يعيشون تحت ضغط مطالبات أصحاب الأراضي بإخلائها أو دفع بدل إيجار، في مفارقة قاسية تجعل الضحية رهينةً مرتين: مرةً بفعل الحرب التي هجّرته، ومرةً بفعل العوز الذي يمنعه من تأمين بديل. هكذا، تتحول الخيمة إلى مساحة مؤقتة مهددة، لا توفر الأمان ولا الاستقرار، وتُبقي النازح في حالة قلقٍ دائم.
أما داخل هذه الخيام، فالصورة أشد قسوة. تنتشر الحشرات بكل أنواعها: البراغيث، القمل، الذباب، والبعوض، في بيئةٍ تفتقر إلى أدنى شروط النظافة والصحة العامة. ولا تقف الأخطار عند هذا الحد، بل تتفاقم مع تكاثر الفئران و”العرس“ (ابن عرس)، التي لم تعد مجرد ظاهرة بيئية، بل تحولت إلى خطرٍ مباشر يهاجم النساء والأطفال، ويعبث بالمواد الغذائية، وينقل الأمراض المعدية في ظل غياب شبه كامل لإجراءات المكافحة.
الصحة العامة في المخيمات تتدهور بشكلٍ متسارع. سوء التغذية، ونقص مياه الشرب النظيفة، وغياب الرعاية الصحية الكافية، كلها عوامل أدت إلى انتشار الأمراض المعدية بين النازحين. الجرب وجرثومة المعدة ليست سوى أمثلة على واقعٍ صحي مقلق، حيث تتحول الأمراض البسيطة إلى تهديدات خطيرة بسبب غياب العلاج أو تأخره. ومع وجود “الآبار السوداء” غير الصحية، يتضاعف الخطر، إذ تهدد هذه الحفر المكشوفة بتلوث المياه الجوفية، ما ينذر بكارثة بيئية وصحية ممتدة.
الخيام نفسها لم تعد صالحة للحياة. فهي مهترئة، لا تقي حرّ الصيف ولا برد الشتاء، تقتلعها الرياح وتغرقها مياه المطر . ومع ضيق المساحات وتكدس السكان، تتحول المخيمات إلى بيئات خانقة، حيث تتآكل الخصوصية، وتتفاقم التوترات الاجتماعية، ويغيب الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية. لا مساحة كافية، لا مرافق صحية ملائمة، ولا بنية تحتية قادرة على استيعاب هذا العدد الهائل من البشر.
وإلى جانب هذه الأزمات اليومية، تتفاقم مشكلات مزمنة تزيد المشهد قتامة. البطالة تضرب غالبية النازحين، والسيولة النقدية شبه معدومة، فيما ترتفع الأسعار بشكلٍ جنوني في ظل الاستغلال والاحتكار. يصبح الحصول على الغذاء أو المياه النظيفة تحدياً يومياً، وتتحول أبسط مقومات الحياة إلى سلعٍ نادرة. في هذا السياق، يتراجع الأمن المجتمعي والشخصي، وتزداد مظاهر القلق وعدم الاستقرار، في ظل غياب حلول حقيقية وشاملة.
إن ما يعيشه النازحون اليوم ليس مجرد أزمة إنسانية عابرة، بل هو نتيجة مباشرة لسياسات القهر والإبادة، ولفشل المجتمع الدولي في تحمل مسؤولياته. استمرار هذا الواقع للعام الثالث على التوالي يشكل إدانة صريحة لكل من يكتفي بالمراقبة أو بإدارة الأزمة بدل حلّها. فالمخيمات لم تُنشأ لتكون بديلاً دائماً عن البيوت، والخيام لم تُصمّم لتحتضن حياةً كاملة بكل تفاصيلها.
وأمام هذا الواقع القاسي، تتواصل حالة العجز والارتباك السياسي، الذي يغرق في مستنقع المراهنة ويراوح في مربع الانتظار، فيما يجد النازحون أنفسهم عراة في مواجهة مأساة مرشحة لأن تطول لسنوات. فلا أفق واضح للحل، ولا إجراءات بحجم الكارثة، وكأن معاناة مئات الآلاف تُدار بمنطق التأجيل لا المواجهة.
إن استمرار هذا الوضع لم يعد يحتمل الانتظار أو الرهان على تدخلات خارجية قد تأتي أو لا تأتي. فالحاجة باتت ملحّة لمبادرة تنبثق من بين النازحين أنفسهم، وبمساندة القوى المجتمعية الحيّة، لتشكيل هيئة وطنية تُعنى برعاية شؤونهم، وتنظيم أوضاعهم، والدفاع عن حقوقهم، والعمل على تلبية الممكن من متطلبات حياتهم اليومية بكرامة وإنسانية.
هيئة كهذه يمكن أن تشكل إطارًا جامعًا يوحّد الجهود، ويضع حدًا لحالة الفوضى والاستغلال، ويفتح الباب أمام إدارة أكثر عدالة وشفافية للموارد المحدودة. ففي ظل الغياب أو التقصير الرسمي، يصبح التنظيم الذاتي ضرورة لا خيارًا، وخطوة أولى على طريق حماية الناس وصون كرامتهم، بانتظار الحلّ الأوسع الذي يعيدهم إلى بيوتهم، وينهي فصول هذه المأساة المفتوحة.
الإثنين 06 أبريل 2026 11:42 صباحًا -
بتوقيت القدس
يواجه الكوكب حالياً واقعاً مأساوياً يتمثل في اندلاع 59 صراعاً نشطاً بين الدول حتى مطلع عام 2025، وهو الرقم الأعلى المسجل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ورغم ضخامة هذه الأرقام التي أوردها معهد الاقتصاد والسلام، إلا أن معظم هذه النزاعات تظل حبيسة الصمت الإعلامي، بعيدة عن صدارة العناوين الرئيسية في المنصات الدولية.
يشير تقرير حديث لمعهد رويترز للصحافة إلى أن الاهتمام العالمي يتركز بشكل مكثف على بؤر محددة مثل أوكرانيا والشرق الأوسط، بينما تُهمل صراعات دامية أخرى بسبب ضريبة الجغرافيا. هذا الإهمال المتعمد يحول مآسي ملايين البشر إلى قصص هامشية لا تجد طريقاً للنشر في كبريات الصحف العالمية التي تخضع لمنطق تجاري بحت.
يروي الصحفي صامويل غيتاتشو تجربة قاسية تعكس هذه العقلية، حيث رفضت صحف كندية نشر تقارير عن وطنه الأم إثيوبيا بدعوى أن القراء لا يهتمون بتلك المنطقة. ويرى غيتاتشو أن هذا التوجه يؤدي إلى حالة من 'الملل الإخباري' وفقدان الأمل في مناطق تشهد كوارث إنسانية كبرى مثل إقليم تيغراي، الذي بات العالم غير مكترث بمصيره.
تؤكد التقارير الدولية أن هذا التجاهل ليس وليد الصدفة، بل هو نهج مستمر ترصده المنظمات الإنسانية سنوياً. وفي عام 2024، تصدرت الكاميرون وإثيوبيا وموزمبيق قائمة المجلس النرويجي للاجئين لأكثر أزمات النزوح إهمالاً، حيث تلقت هذه المناطق تغطية إعلامية وُصفت بالزهيدة رغم حجم المعاناة الناتجة عن النزاعات والتغيرات المناخية.
كشفت دراسة أجراها مرصد الصحافة الأوروبي عن أرقام صادمة تتعلق بحجم التغطية المخصصة لدول 'الجنوب العالمي'. وأظهرت الدراسة أن 10% فقط من وقت البث في النشرات الإخبارية العامة في دول مثل ألمانيا وسويسرا والنمسا يُخصص لهذه الدول، مما يعكس عدسة ضيقة تشكلها المصالح الجيوسياسية للدول الكبرى.
توضح الباحثة كلو يارنيل أن الفجوة في القيمة الإنسانية تظهر بوضوح عند مقارنة عدد المقالات المنشورة عن الضحايا حسب دخل دولهم. فبينما يحظى كل ضحية في الدول ذات الدخل المرتفع بأكثر من 1600 مقال، لا ينال الضحية في الدول الفقيرة سوى 17 مقالاً، مما يكرس تمييزاً صارخاً في تقدير قيمة الروح البشرية.
يُنشر أكثر من 1600 مقال عن حالة وفاة بين المدنيين في الدول ذات الدخل المرتفع، مقابل 17 مقالاً فقط عن كل ضحية في الدول ذات الدخل المنخفض.
هذه 'التراتبية في الضحايا' تتجلى بوضوح حتى داخل الصراعات التي تحظى بمتابعة عالمية مستمرة، كما هو الحال في فلسطين. وبحسب مركز مراقبة وسائل الإعلام البريطاني، فإن التغطية الممنوحة لكل حالة وفاة إسرائيلية بعد أحداث أكتوبر 2023 كانت تزيد بـ33 ضعفاً عن التغطية المخصصة لكل ضحية فلسطينية في تقارير بعض الوكالات الدولية.
تنتقد ليديا ناموبيرو، رئيسة تحرير مجلة 'ذا كونتيننت' الأفريقية، الافتراضات القديمة للمؤسسات الصحفية الغربية حول اهتمامات جمهورها. وتؤكد ناموبيرو أن العالم أصبح أكثر ترابطاً، ولم يعد جمهور الصحف الكبرى محصوراً في مدن مثل نيويورك أو لندن، مما يتطلب تحديثاً جذرياً في العقلية التحريرية لتشمل اهتمامات عالمية متنوعة.
لمواجهة هذا الغياب الإعلامي المتعمد، تقترح أوساط صحفية بناء شراكات حقيقية ومتكافئة مع المراسلين المحليين في مناطق النزاع. ويجب الكف عن معاملة هؤلاء الصحفيين كمجرد مساعدين لتنسيق المواعيد، والاعتراف بهم كصحفيين شرعيين يمتلكون القدرة على نقل الصورة الحقيقية من الميدان بمهنية وعمق.
يدعو مارتن سكوت، أستاذ الإعلام والتنمية الدولية، إلى تبني مفهوم 'الصحافة الإنسانية' كبديل للصحافة الإحصائية الباردة. ويركز هذا التوجه على تقديم الضحايا كأفراد لهم أسماء ووجوه وقصص حياة، بدلاً من تحويلهم إلى مجرد أرقام صماء في جداول البيانات التي يسهل على القارئ تجاوزها دون اكتراث.
من جانبه، يشدد الباحث حسين الأحمد على ضرورة رفض 'هرميات الظهور' التي تفرضها النظم الإعلامية العالمية الحالية. ويرى الأحمد أن الاستثمار في تدريب وحماية المراسلين المحليين هو السبيل الوحيد لكسر احتكار الرواية الغربية، وضمان وصول الحقيقة من المناطق التي تتعرض للتهميش الممنهج.
في الختام، يحذر الخبراء من أن تكلفة فهم العالم بشكل مشوه نتيجة هذا الانحياز الإعلامي هي الأغلى ثمناً على المدى الطويل. إن الاستمرار في تجاهل الصراعات المنسية لا يمحو وجودها، بل يساهم في تفاقمها بعيداً عن أعين الرقابة الدولية، مما يجعل إصلاح المنظومة الإعلامية ضرورة أخلاقية وإنسانية ملحة.
الإثنين 06 أبريل 2026 11:27 صباحًا -
بتوقيت القدس
تصاعدت حدة الانتقادات الموجهة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب داخل الأوساط السياسية في واشنطن، وذلك على خلفية تدوينات نشرها عبر منصات التواصل الاجتماعي تضمنت لغة وُصفت بالبذيئة تجاه إيران. ولم تقتصر التهديدات على الجانب اللفظي، بل شملت وعيداً صريحاً باستهداف منشآت حيوية وبنى تحتية إيرانية، من بينها جسور ومحطات لتوليد الطاقة الكهربائية، في حال استمرار طهران في رفض المطالب الأمريكية.
وأفادت مصادر مطلعة بأن هذه اللهجة الحادة أثارت حفيظة حلفاء ترمب وخصومه على حد سواء، حيث اعتبرها مراقبون خروجاً عن البروتوكول الدبلوماسي المعهود لمنصب الرئاسة. ويرى نواب في الحزب الديمقراطي أن هذا الأسلوب يعكس حالة من الإحباط العميق لدى الإدارة الحالية نتيجة تعثر المساعي الرامية لانتزاع تنازلات جوهرية من الجانب الإيراني بخصوص برنامجه النووي المثير للجدل.
من جانبه، شن زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ هجوماً لاذعاً على الرئيس، واصفاً تصريحاته الأخيرة بأنها دليل على فقدان السيطرة على الخطاب السياسي الخارجي. وفي ذات السياق، حذر السيناتور كريس مورفي من أن مثل هذه التهديدات تفتح الباب أمام مواجهة عسكرية شاملة قد تؤدي إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، مشدداً على ضرورة العودة إلى المسارات الدبلوماسية الرصينة.
ولم تكن الأصوات المعارضة داخل الحزب الجمهوري غائبة عن المشهد، إذ أعرب عدد من قادة الحزب عن قلقهم من تأثير هذه اللغة على الصورة الذهنية للولايات المتحدة عالمياً. وأشارت مصادر إعلامية إلى أن قطاعاً من الناخبين الأمريكيين بات يبدي تذمراً من استخدام الألفاظ النابية في الخطابات الرسمية، مؤكدين أن الرئاسة تتطلب وقاراً يعكس هيبة الدولة ومكانتها الدولية.
هذه التصريحات تعني الاستعداد لمزيد من التصعيد وسقوط ضحايا إضافيين في المنطقة.
علاوة على ذلك، فجّر توظيف الرمزية الدينية في السياقات العسكرية موجة جديدة من الجدل، خاصة بعد وصف عملية إنقاذ طيار أمريكي في إيران بأنها 'معجزة عيد القيامة'. هذا التوصيف الذي ردده ترمب وكبار المسؤولين في إدارته، اعتبره منتقدون محاولة لصبغ العمليات الحربية بصبغة مقدسة، مما يثير مخاوف جدية حول تداخل العقيدة الدينية مع صناعة القرار العسكري الاستراتيجي.
ونددت منظمات حقوقية ودينية بهذا التوجه، محذرة من خطورة استغلال المشاعر الدينية لتبرير النزاعات المسلحة أو التحريض على العنف ضد دول أخرى. وأكدت هذه المنظمات في بيانات منفصلة أن إقحام الدين في الصراعات السياسية يمثل سابقة خطيرة قد تؤدي إلى انحرافات في عقيدة الجيش الأمريكي وتوجهات القادة الميدانيين في مناطق النزاع.
وفي ضوء هذه التطورات، دعا مشرعون أمريكيون إلى فتح تحقيق رسمي حول تقارير تشير إلى تغلغل تفسيرات دينية متطرفة داخل بعض الأوساط العسكرية لتبرير خيار الحرب. وتأتي هذه التحركات البرلمانية في محاولة لوضع حد لما يصفه المعارضون بـ'تسييس الدين' واستخدامه كأداة لتمرير أجندات سياسية وعسكرية قد تجر المنطقة إلى صراع غير محسوب العواقب.
الإثنين 06 أبريل 2026 11:14 صباحًا -
بتوقيت القدس
كشفت مصادر مطلعة عن تسلم كل من طهران وواشنطن خطة دبلوماسية تهدف إلى إنهاء الأعمال القتالية المتبادلة، مع توقعات بدخولها حيز التنفيذ خلال الساعات القليلة القادمة. وتهدف هذه المبادرة بشكل أساسي إلى تأمين إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، وتجنب انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة ومدمرة.
وأوضحت المصادر أن باكستان لعبت الدور المحوري في صياغة هذا الإطار السياسي، حيث قامت بتسليم المسودة للطرفين خلال ساعات الليل الماضية. وتعتمد الرؤية الباكستانية على استراتيجية التدرج، حيث تبدأ بوقف فوري وشامل لإطلاق النار كخطوة لبناء الثقة، تتبعها مفاوضات تفصيلية للوصول إلى اتفاقية نهائية.
وشددت التقارير الواردة على ضرورة التوصل إلى توافق نهائي حول كافة بنود الخطة خلال اليوم، لضمان عدم انهيار المساعي الدبلوماسية. ومن المقرر أن يتم صياغة التفاهمات الأولية في قالب مذكرة تفاهم رسمية، تتولى إسلام آباد الإشراف على استكمال إجراءاتها القانونية والسياسية بصفتها القناة الوحيدة للتواصل.
في سياق متصل، أشارت تقارير صحفية دولية إلى أن الولايات المتحدة وإيران، وبمشاركة وسطاء إقليميين، يبحثون مقترحاً موازياً يتضمن هدنة إنسانية وعسكرية لمدة 45 يوماً. وتهدف هذه الفترة الزمنية إلى توفير مناخ ملائم للتفاوض حول إنهاء الحرب بشكل دائم، بعيداً عن ضغوط العمليات العسكرية الميدانية.
يجب الاتفاق على جميع العناصر اليوم، والتفاهم الأولي سيُصاغ في شكل مذكرة تفاهم تُستكمل نهائياً عبر باكستان.
وتتضمن المرحلة الأولى من هذا المقترح تجميداً كاملاً لكافة الأنشطة الهجومية، مع إمكانية تمديد الهدنة إذا ما أبدت الأطراف جدية في الوصول إلى حلول جذرية. بينما تركز المرحلة الثانية على صياغة معاهدة سلام أو اتفاقية أمنية تضمن عدم العودة إلى مربع التصعيد العسكري مرة أخرى في المستقبل القريب.
تأتي هذه التحركات الدبلوماسية المتسارعة في ظل ضغوط زمنية كبيرة، خاصة بعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة التي حملت نبرة تهديد واضحة. وكان ترامب قد حدد مهلة نهائية تنتهي مساء الثلاثاء، مطالباً بفتح مضيق هرمز بشكل كامل أو مواجهة ضربات تستهدف البنية التحتية الحيوية.
ويرى مراقبون أن الوساطة الباكستانية تمثل الفرصة الأخيرة لتفادي الصدام المباشر، خاصة وأنها تحظى بقبول نسبي من الأطراف المتنازعة لقدرتها على نقل الرسائل بدقة. وتترقب العواصم العالمية نتائج هذه المداولات، لما لمضيق هرمز من أهمية استراتيجية قصوى في إمدادات الطاقة العالمية واستقرار الاقتصاد الدولي.
وعلى الرغم من التفاؤل الحذر، إلا أن التحديات لا تزال قائمة بشأن التفاصيل الفنية لوقف إطلاق النار وآليات المراقبة الدولية التي قد تُفرض لاحقاً. ويبقى الرهان الآن على مدى استجابة القيادة في طهران وواشنطن لمسودة الاتفاق، وقدرتهما على تقديم تنازلات متبادلة تنهي حالة التوتر القائمة.
الإثنين 06 أبريل 2026 10:58 صباحًا -
بتوقيت القدس
شهدت الساحة السياسية والقضائية في تونس موجة واسعة من الردود المتباينة عقب قرار دائرة الاتهام بمحكمة الاستئناف إحالة محمد الغنوشي، رئيس الحكومة الأسبق، إلى الدائرة الجنائية المختصة في قضايا الفساد المالي. ويأتي هذا القرار ليشمل أيضاً مديراً عاماً سابقاً بوزارة الشباب والرياضة، على خلفية اتهامات تتعلق بتجاوزات قانونية في إحدى الصفقات العمومية التي تعود لسنوات ما قبل الثورة.
واعتبر مراقبون أن ملاحقة الغنوشي، الذي يلقبه البعض بـ 'الرجل الذي أنقذ تونس' لدوره في تأمين انتقال السلطة عقب هروب زين العابدين بن علي عام 2011، تحمل أبعاداً تتجاوز الشق القانوني الصرف. وقد أثار توقيت إعادة فتح هذه الملفات تساؤلات حول الجدوى من ملاحقة مسؤولين غادروا السلطة منذ أكثر من عقد من الزمن، خاصة في ظل غياب أدلة مادية مستجدة تبرر هذا التحرك القضائي المفاجئ.
وفي سياق الردود السياسية، انتقد المرشح الرئاسي السابق سامي الجلولي بشدة هذه الخطوة، مشيراً إلى أن الغنوشي يمثل نموذجاً لنظافة اليد والمهنية العالية كخبير اقتصادي. وأوضح الجلولي أن الرجل الذي كرمته اليابان بأرفع أوسمتها عام 2022 تقديراً لدوره الاقتصادي، لا يستحق الإحالة إلى القضاء في سن الخامسة والثمانين، بل كان الأجدر تكريمه على جهوده في منع سقوط الدولة في الفوضى الشاملة إبان أزمة 2011.
من جانبها، أفادت مصادر قضائية بأن التحقيقات تتركز حول شبهات استغلال الصفة لتحقيق فائدة لا وجه لها والإضرار بالإدارة، وهي التهم المنصوص عليها في الفصل 96 من المجلة الجزائية التونسية. وتعود جذور الملف إلى فترة إشراف الوزير الأسبق طارق ذياب على وزارة الشباب والرياضة، حيث تم الكشف عن ثغرات في التصرف في المنشآت والصفقات العمومية التابعة للوزارة والحي الوطني الرياضي.
وأشار النائب بدر الدين القمودي إلى المكانة الدولية التي يتمتع بها الغنوشي، مذكراً بتقليده وسام 'إمبراطورية الشمس البازغة' من قبل السلطات اليابانية. وأكد القمودي أن هذا التكريم جاء نتيجة إسهامات الغنوشي الفعالة في بناء علاقات اقتصادية متينة جعلت من تونس وجهة رئيسية للاستثمارات اليابانية في القارة الأفريقية، مما يعزز من صورة الرجل كبناء للدولة وليس مفسداً فيها.
وفي ذات السياق، استذكر الإعلامي زياد الهاني مواقف إنسانية للوزير الأول الأسبق، مشيداً بتواضعه وزهده في مظاهر السلطة حتى أثناء توليه أرفع المناصب. ووصف الهاني الملاحقات الحالية بأنها 'تنكيل وضيع' بشخصية وطنية قدمت خدمات جليلة للبلاد، معتبراً أن ما يحدث يمثل تراجعاً في قيم الوفاء لرجالات الدولة الذين اختاروا البقاء والمواجهة بدلاً من الهروب وقت الأزمات الكبرى.
وحذر مرصد 'الحرية لتونس' من التوسع في توظيف الفصل 96 من المجلة الجزائية، معتبراً أنه قد يتحول إلى أداة فضفاضة للانتقام السياسي وتصفية الحسابات مع رموز المراحل السابقة. وطالب المرصد بضرورة الكشف عن الأساس القانوني والوقائعي لهذه الإحالة، وتوضيح ما إذا كانت هناك عناصر جديدة تبرر إعادة فتح ملف تم الاستماع فيه للغنوشي منذ عام 2013 دون صدور إدانة بحقه.
ما يتعرض له محمد الغنوشي من تنكيل هو وصمة عار في سجل السلطة القائمة وعلى جبين البلاد.
وشدد المرصد الحقوقي على أهمية احترام مبدأ 'الأمن القانوني' وقرينة البراءة، داعياً إلى عدم تحويل التتبعات القضائية إلى وسيلة للدعاية السياسية. وأكد في بيانه على ضرورة ضمان محاكمة عادلة وشفافة تمكن الدفاع من ممارسة حقوقه كاملة، مع تسريع البت في القضايا القديمة لوضع حد لطول أمد التقاضي الذي ينهك المتهمين وعائلاتهم دون طائل.
وتشير التقارير إلى أن الملف يضم قائمة طويلة من المسؤولين السابقين ورجال الأعمال، من بينهم صهر الرئيس الراحل صخر الماطري وليلى الطرابلسي، بالإضافة إلى وزراء سابقين مثل بشير التكاري ورضا قريرة. ويعكس هذا التوسع في التحقيقات محاولة السلطات الحالية مراجعة كافة الصفقات التي تمت في عهد النظام السابق، رغم مرور سنوات طويلة على وقوعها وتغير السياقات السياسية والقانونية.
تاريخياً، يُذكر لمحمد الغنوشي أنه كان صمام الأمان في ليلة 14 يناير 2011، حيث توجه بخطاب تهدئة للتونسيين أعلن فيه توليه الرئاسة مؤقتاً لساعات لضمان استمرارية مؤسسات الدولة. ورغم تشكيله لحكومة وحدة وطنية ضمت أطيافاً مختلفة، إلا أنه اختار الاستقالة في فبراير 2011 استجابة للضغط الشعبي، مفضلاً الانسحاب الهادئ من المشهد السياسي والعودة إلى حياته كمواطن عادي.
ويرى محللون أن محاكمة الغنوشي تفتح الباب مجدداً أمام ملف 'العدالة الانتقالية' المتعثر في تونس، حيث تتداخل الرغبة في المحاسبة مع مخاوف من تسييس القضاء. وتطرح هذه القضية تساؤلات جوهرية حول كيفية التعامل مع إرث النظام السابق، وما إذا كانت المحاكمات الجنائية هي الطريق الأمثل لتحقيق المصالحة الوطنية، أم أنها ستزيد من حالة الانقسام المجتمعي والسياسي.
وعلى الصعيد القانوني، يرى قانونيون أن إحالة متهمين في حالة سراح تشير إلى أن المحكمة لا تزال في طور تقييم الأدلة، لكنها في الوقت ذاته تضع قيوداً معنوية وقانونية على الشخصيات المشمولة بالبحث. ويظل التحدي الأكبر أمام القضاء التونسي هو إثبات استقلاليته وقدرته على الفصل في ملفات شائكة تعود لعقود مضت، مع الالتزام بالمعايير الدولية للمحاكمة العادلة بعيداً عن ضغوط الشارع أو السلطة التنفيذية.
وفي ظل هذه التطورات، تترقب الأوساط الحقوقية الجلسات القادمة للدائرة الجنائية، حيث من المتوقع أن يقدم فريق الدفاع دفوعات تتعلق بسقوط الدعوى بمرور الزمن أو غياب الركن المادي للجريمة. وتعتبر هذه القضية اختباراً حقيقياً لمنظومة العدالة في تونس، خاصة فيما يتعلق بالتعامل مع كبار السن من المسؤولين السابقين الذين لم تثبت عليهم تهم فساد مباشر طيلة سنوات ملاحقتهم.
ختاماً، يبقى محمد الغنوشي شخصية مثيرة للجدل؛ فبينما يراه خصومه جزءاً من منظومة الحكم التي ثار ضدها الشعب، يراه أنصاره والمدافعون عنه تكنوقراطاً خدم الدولة بإخلاص وحماها من الانهيار في أصعب لحظاتها التاريخية. وبين هذا وذاك، تظل الكلمة الفصل للقضاء الذي يواجه مسؤولية تاريخية في إنصاف الحقيقة بعيداً عن التجاذبات السياسية التي تعصف بالبلاد.
الإثنين 06 أبريل 2026 10:58 صباحًا -
بتوقيت القدس
لم تعد ميادين المواجهة بين إيران والتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة مقتصرة على التخوم البرية أو الأجواء التقليدية، بل امتدت لتشمل مدارات الفضاء الخارجي. يشهد هذا النطاق سباقاً محمومًا بين الأقمار الصناعية لرصد التحركات العسكرية بدقة متناهية، مما يوفر مادة دقيقة لإدارة العمليات الميدانية وصياغة الروايات الإعلامية المتصارعة. وتبرز في هذا السياق شركات التصوير الفضائي التجاري كلاعبين أساسيين في رسم ملامح الصراع الاستخباراتي المعاصر.
تتصدر شركتان مشهد التنافس الفضائي في منطقة الشرق الأوسط، وهما 'بلانت لابز' الأمريكية ومنافستها الصينية 'ميزارفيزيون'، حيث تقدمان خدمات تصوير عالية الجودة للخليج العربي والمناطق المحيطة. وفي خطوة تعكس حساسية الموقف، فرضت الإدارة الأمريكية قيوداً مشددة على تداول الصور الفضائية التي تخص الشأن الإيراني. وقد استجابت الشركة الأمريكية لهذه الضغوط عبر تعديل بروتوكولات وصول عملائها إلى البيانات، خشية تسرب معلومات قد تضر بالأمن القومي أو تكشف خسائر ميدانية.
على الجانب الآخر، تواصل الأقمار الصناعية الصينية تزويد المنطقة بصور آنية تتسم بالدقة العالية، مما أتاح مراقبة دقيقة لتحركات القطع البحرية الأمريكية في مياه الخليج. وقد وثقت هذه التقنيات مسار حاملة الطائرات 'جيرالد فورد' أثناء انتقالها من البحر الأحمر باتجاه البحر الأبيض المتوسط. وتساهم هذه المعطيات في كسر احتكار المعلومة، مما يضع الروايات الرسمية الصادرة عن واشنطن وطهران تحت مجهر التحقق البصري المستمر.
تحول الفضاء إلى ساحة موازية للصراع، حيث باتت السيطرة على الصور والبيانات عاملًا حاسمًا في توجيه العمليات العسكرية والتأثير على السرديات.
أحدثت البيانات المصورة تضارباً واضحاً في الروايات المتعلقة بمصير قاعدة أمريكية عائمة، حيث زعمت طهران استهدافها بنجاح بينما نفت واشنطن ذلك جملة وتفصيلاً. وأشارت المصادر الأمريكية إلى أن انسحاب القاعدة كان لأسباب تقنية بحتة، إلا أن الصور الفضائية أظهرت تحركات ميدانية عززت من حالة الجدل حول حقيقة ما جرى. يثبت هذا التباين أن السيطرة على المعلومة البصرية باتت لا تقل أهمية عن السيطرة على الأرض في الحروب الحديثة.
بالتوازي مع الصراع الفضائي، تشهد الساحة الداخلية الإيرانية تصعيداً أمنياً لافتاً لمراقبة وسائل الاتصال غير التقليدية التي تحاول كسر العزلة الرقمية. فقد أقدمت السلطات على مصادرة مئات الأجهزة التابعة لخدمة 'ستارلينك' بعد تعقب إشاراتها وتحديد مواقع مستخدميها بدقة. يأتي هذا التحرك في ظل استمرار انقطاع خدمات الإنترنت التقليدية للشهر الثاني على التوالي، مما يعكس رغبة طهران في إحكام قبضتها على التدفق المعلوماتي الداخلي.
إن تحول الفضاء إلى ساحة موازية للصراع يعكس تغيراً جذرياً في عقيدة المواجهة بين القوى الكبرى وحلفائها في المنطقة. فلم يعد الأمر مقتصرًا على التجسس العسكري التقليدي، بل أصبح صراعاً على امتلاك الحقيقة الرقمية وتوجيه الرأي العام العالمي. ومع استمرار التنافس بين التكنولوجيا الأمريكية والصينية، يظل الفضاء الميدان الأكثر غموضاً وتأثيراً في صياغة مستقبل النزاعات الإقليمية والدولية.
الإثنين 06 أبريل 2026 10:27 صباحًا -
بتوقيت القدس
وجهت البرلمانية الأمريكية السابقة مارغوري تايلور غرين انتقادات لاذعة وحادة للرئيس دونالد ترامب، على خلفية تصريحاته الأخيرة المتشددة تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ووصفت غرين ترامب بأنه 'مجنون' ويتصرف بطريقة 'غير مسيحية'، وذلك عقب نشره رسالة تهديد شديدة اللهجة عبر منصته للتواصل الاجتماعي، توعد فيها باستهداف منشآت إيرانية حيوية.
تأتي هذه التطورات بعد أن حدد ترامب مهلة زمنية مدتها 48 ساعة للسلطات الإيرانية من أجل إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، مهدداً بفتح أبواب 'الجحيم' في حال عدم الامتثال لهذه الأوامر. وقد تزامنت هذه التهديدات مع تصاعد وتيرة الضربات العسكرية التي تنفذها مصادر أمريكية وإسرائيلية في المنطقة، مما أدى فوراً إلى اضطرابات في أسواق الطاقة وارتفاع ملحوظ في الأسعار العالمية.
من جانبها، اعتبرت غرين أن قرار إغلاق مضيق هرمز لم يكن خطوة معزولة، بل جاء كنتيجة مباشرة لما وصفته بـ 'الحرب غير المبررة' التي تقودها واشنطن وتل أبيب في الشرق الأوسط. واتهمت الإدارة الأمريكية والجانب الإسرائيلي بالترويج لـ 'مزاعم نووية قديمة' ومستهلكة لتبرير التصعيد العسكري المستمر ضد طهران، مشيرة إلى أن هذه السياسات تخدم أجندات ضيقة.
ما يحدث هو شر محض وليس محاولة لجعل أمريكا عظيمة مجدداً، وعلى المسؤولين السعي للسلام بدل تصعيد الحروب.
وفي سياق دفاعها عن موقفها، أوضحت البرلمانية السابقة أن إسرائيل تمتلك بالفعل ترسانة أسلحة نووية تجعلها قادرة على حماية أمنها والدفاع عن نفسها دون الحاجة إلى تدخل عسكري أمريكي مباشر. ودعت المسؤولين الذين يتبنون القيم المسيحية داخل الإدارة الأمريكية إلى ضرورة تغليب لغة الحوار والسعي نحو تحقيق السلام الشامل، بدلاً من الانجرار خلف دعوات التصعيد التي تنهك موارد الدولة.
واختتمت غرين هجومها بالتأكيد على أن النهج الحالي الذي يتبعه ترامب يلحق ضرراً كبيراً بالشعب الإيراني ويتناقض تماماً مع الوعود الانتخابية التي قطعها سابقاً بإنهاء الحروب الخارجية. وشددت على أن ما يجري حالياً يمثل 'شراً' يبتعد كل البعد عن شعار 'جعل أمريكا عظيمة مجدداً'، محذرة من تداعيات كارثية قد تطال الاقتصاد الأمريكي والأمن القومي في حال اندلاع مواجهة شاملة.
الإثنين 06 أبريل 2026 10:27 صباحًا -
بتوقيت القدس
أعلنت السلطات الرسمية في العاصمة الإماراتية أبو ظبي، اليوم الأحد، عن تعليق العمليات التشغيلية في أحد أبرز منشآت البتروكيماويات بالدولة. وجاء هذا القرار في أعقاب اندلاع سلسلة من الحرائق داخل مجمع 'بروج' الصناعي، نتيجة سقوط شظايا ناتجة عن عمليات اعتراض جوي نفذتها الدفاعات الإماراتية بنجاح ضد أهداف معادية في سماء المنطقة.
وأكد مكتب أبو ظبي الإعلامي في بيان رسمي أن الفرق المختصة والجهات المعنية تتعامل بشكل فوري مع الحرائق المندلعة لضمان السيطرة الكاملة عليها. وأوضح البيان أن قرار إيقاف العمل في المصنع جاء كإجراء احترازي فوري لحين الانتهاء من تقييم حجم الأضرار المادية التي لحقت بالمنشأة، مع التأكيد على سلامة كافة العاملين وعدم تسجيل أي إصابات بشرية حتى اللحظة.
وتأتي هذه التطورات الميدانية في ظل تصاعد حدة التوترات العسكرية في المنطقة، حيث تشهد الأجواء استهدافات متكررة منذ اندلاع المواجهة العسكرية بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى في أواخر فبراير الماضي. وقد تسببت هذه المواجهات في امتداد شرارة الصراع لتطال أعياناً مدنية ومنشآت اقتصادية في عدة دول عربية، مما أثار موجة من الإدانات الرسمية.
وتعد شركة 'بروج' التي تأثرت بهذا الحادث ركيزة أساسية في قطاع الطاقة الإماراتي، حيث تأسست في عام 1998 لتصبح واحدة من كبرى الشركات العالمية في إنتاج البولي أوليفين. وتدير الشركة مجمعات صناعية ضخمة تخدم قاعدة واسعة من العملاء في أكثر من 50 دولة حول العالم، مما يجعل لأي توقف في عملياتها صدىً على سلاسل التوريد العالمية.
الجهات المختصة في إمارة أبوظبي تتعامل مع عدة حرائق اندلعت في مصنع بروج للبتروكيماويات، إثر سقوط شظايا بعد اعتراض ناجح من قبل أنظمة الدفاع الجوي.
وتمتلك الشركة شبكة لوجستية واسعة تشمل مستودعات وبوابات تصدير استراتيجية تتوزع بين الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وصولاً إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية. كما تدير وحدة متخصصة لتصنيع مركبات البوليمرات في مدينة شنغهاي الصينية، وهو ما يعكس حجم الثقل الاقتصادي الذي تمثله هذه المؤسسة في السوق الدولية للبتروكيماويات.
وأفادت مصادر مطلعة بأن أنظمة الدفاع الجوي الإماراتية أظهرت كفاءة عالية في التصدي للأجسام المعادية، مما حال دون وقوع كارثة أكبر في المنطقة الصناعية الحيوية. وتواصل الأجهزة الأمنية والفنية مسح المنطقة المحيطة بالمصنع للتأكد من إزالة كافة الشظايا وتأمين الموقع بشكل كامل قبل السماح باستئناف النشاط الإنتاجي مجدداً.
وفي السياق الإقليمي، تشير التقارير إلى أن طهران كثفت من استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ في ردودها العسكرية، مستهدفة ما تصفه بمصالح مرتبطة بالتحالفات الغربية في المنطقة. وقد أدت هذه الهجمات في أوقات سابقة إلى إلحاق أضرار بمنشآت مدنية وبنى تحتية، مما دفع الدول المستهدفة إلى تعزيز منظوماتها الدفاعية والتحذير من تداعيات التصعيد على الاستقرار الإقليمي.
وختم مكتب أبو ظبي الإعلامي بيانه بالوعد بتقديم تحديثات مستمرة حول الوضع في مصنع بروج فور توافر معلومات جديدة من فرق التقييم الميدانية. ويبقى الترقب سيد الموقف في الأوساط الاقتصادية لمراقبة مدى تأثير هذا التعليق المؤقت على أسعار المشتقات البتروكيماوية والالتزامات التصديرية للشركة تجاه شركائها الدوليين.
الإثنين 06 أبريل 2026 10:27 صباحًا -
بتوقيت القدس
في أواخر ديسمبر من عام 2019، شهد منتجع مارالاغو في فلوريدا اجتماعاً استثنائياً رسم ملامح مرحلة جديدة من الصراع في الشرق الأوسط. ضم الاجتماع الرئيس دونالد ترمب وكبار قادة الأمن القومي، حيث اتُخذ القرار الحاسم بتصفية قاسم سليماني، الذي وصفته الإدارة الأمريكية حينها بأنه 'رأس الحربة الإيرانية'.
نفذت الضربة في الثالث من يناير 2020 قرب مطار بغداد، لتهز أصداؤها طهران وتفتح فصلاً غير مسبوق من المواجهة المباشرة. وكان مايك بومبيو، بصفته وزيراً للخارجية ومديراً سابقاً للاستخبارات المركزية، المهندس الرئيسي لهذه العملية التي نقلت السياسة الأمريكية من الاحتواء إلى الصدام المباشر.
جسد بومبيو خلال ولاية ترمب الأولى تياراً متشدداً يتبنى استراتيجية 'الضغوط القصوى' لإعادة تشكيل المنطقة. واعتمد ترمب على بومبيو نظراً لتوافقهما في المزاج السياسي والتوجه المحافظ، مما منحه استقلالية نسبية في إدارة ملفات حساسة ومعقدة.
في مذكراته التي حملت عنوان 'لا تتراجع أبدًا'، كشف بومبيو أن رؤيته قامت على تقويض النفوذ الإيراني بشكل جذري. وسعى من خلال منصبه إلى بناء شراكة أمنية جديدة تجمع بين دول خليجية وإسرائيل، بهدف دمج الأخيرة كقوة إقليمية فاعلة في مواجهة طهران.
شكل الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي في مايو 2018 نقطة التحول الأبرز في مسيرة بومبيو الدبلوماسية. ورغم وجود مفاوضين متخصصين، إلا أن بومبيو كان المحرك الفعلي لفرض عقوبات اقتصادية خانقة استهدفت قطاع النفط الإيراني وأكثر من 1500 كيان مرتبط بالنظام.
دافع بومبيو بشدة عن جدوى هذه العقوبات، مؤكداً أنها حرمت طهران من موارد مالية تجاوزت 70 مليار دولار. وانتقد بشدة سياسات إدارة أوباما السابقة، مشبهاً إياها بسياسات 'الاسترضاء' التي سبقت الحرب العالمية الثانية، ومفضلاً استخدام 'العصا' وحدها لإخضاع النظام.
يرى مراقبون أن خلفية بومبيو العسكرية والسياسية جعلته الشخصية الأكثر ملاءمة لترمب في تلك المرحلة. فقد كان يكن احتراماً كبيراً للرئيس ويتجنب طرح مقترحات يراها ترمب 'سخيفة'، مما عزز من ثقة البيت الأبيض في قراراته المتعلقة بالأمن القومي.
بعد أن تغادر سيأتي قاسم سليماني.. ربما تستطيع أخذ أموالي، لكنه سيأخذ حياتي.
على الجانب الآخر، وصف مستشار الأمن القومي السابق جون بولتون تلك الفترة بأنها كانت 'فوضوية' في جوهرها. وأشار بولتون إلى أن ترمب لم يكن يستوعب دائماً الأدوار المختلفة لمستشاريه، مما أدى إلى تغييرات متسارعة في المناصب السيادية والحساسة داخل الإدارة.
تحدث بومبيو بإسهاب عن شخصية قاسم سليماني، مشيراً إلى أنه وجه له رسالة تهديد مباشرة قبل اغتياله بفترة. وأكد بومبيو أن الولايات المتحدة لن تتهاون مع أي استهداف لمصالحها أو جنودها من قبل وكلاء إيران في المنطقة، وهو ما ترجم لاحقاً بضربة المطار.
نقل بومبيو في مذكراته شهادة لافتة لرئيس الوزراء العراقي الأسبق حيدر العبادي حول سطوة سليماني. حيث قال العبادي لبومبيو إن سليماني يمتلك القدرة على تهديد حياته بشكل مباشر، مما عزز قناعة الإدارة الأمريكية بضرورة إزاحته من المشهد الإقليمي.
لم تقتصر مذكرات بومبيو على إيران، بل شملت ملف أفغانستان الذي وصف الانسحاب منه بأنه كان 'مستنقعاً'. وهاجم بومبيو القيادات الأفغانية السابقة، واصفاً الرئيس أشرف غني بالمحتال، معبراً عن استيائه من مشهد مفاوضات الدوحة مع حركة طالبان.
تزامنت سياسة الضغط على إيران مع انطلاق قطار 'صفقة القرن' الذي قاده جاريد كوشنر بدعم سياسي من بومبيو. ورغم التباينات الشخصية بينهما، إلا أنهما عملا تحت مظلة رؤية ترمب التي تمنح إسرائيل دعماً غير محدود مقابل إعادة رسم التحالفات الإقليمية.
يشير المحللون إلى أن دعم ترمب المطلق لإسرائيل في تلك الفترة كان مدفوعاً بمكاسب سياسية داخلية، خاصة لدى القاعدة الإنجيلية. وبدا بومبيو، بخلفيته الدينية والسياسية، الجسر المثالي لتنفيذ هذه الأجندة التي ربطت أمن إسرائيل بتقويض طهران.
رغم الإخلاص الشديد الذي أبداه بومبيو لترمب، حتى في لحظات رفض نتائج انتخابات 2020، إلا أنه استُبعد من المشهد الحالي. ومع عودة ترمب للبيت الأبيض، تشير تقارير إلى شكوك تحيط بولاء بومبيو، مما ينهي مسيرة أحد أبرز صقور الإدارة السابقة.
الإثنين 06 أبريل 2026 10:27 صباحًا -
بتوقيت القدس
أعلن المستشار الدبلوماسي للرئيس الإماراتي، أنور قرقاش أن دولة الإمارات العربية المتحدة لا تعتزم التحرك كقوة بحرية منفردة في المنطقة، إلا أنها تبدي استعداداً كاملاً للانخراط في أي تحالف دولي تقوده الولايات المتحدة لتأمين حركة الملاحة في مضيق هرمز. وأشار قرقاش إلى أن الحفاظ على أمن الممرات المائية يمثل أولوية استراتيجية تتطلب تنسيقاً واسعاً لمواجهة التهديدات الراهنة.
وفي سياق تعليقه على المطالبات الإيرانية بالتعويضات، أوضح المسؤول الإماراتي أن هذا المبدأ يجب أن ينطبق بالتساوي على كافة الدول التي تعرضت لأضرار نتيجة السياسات الإيرانية في المنطقة. واعتبر أن النهج الذي تتبعه طهران حالياً سيؤدي بالضرورة إلى ترسيخ وتعزيز الوجود العسكري الأمريكي في منطقة الخليج خلال المرحلة المقبلة، وهو ما يتناقض مع الأهداف المعلنة للجانب الإيراني.
وحول الجهود الدبلوماسية لإنهاء الصراعات القائمة، شدد قرقاش على أن أبوظبي لا تسعى للتصعيد، لكنها في الوقت ذاته ترفض أي صيغة لوقف إطلاق النار لا تضمن معالجة القضايا الجوهرية المسببة للاضطراب. وأكد أن الحلول الجزئية قد تؤدي إلى خلق بيئة أمنية أكثر هشاشة وخطورة، مما يستوجب الوصول إلى تفاهمات شاملة تضمن استقراراً مستداماً.
في المقابل، كشفت تقارير إعلامية نقلاً عن مصادر إيرانية أن طهران باتت تتبنى رؤية عدائية تجاه الدور الإماراتي، حيث تتهمها بالمشاركة النشطة في العمليات العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل. وتزعم هذه المصادر أن القيادة الإيرانية قررت إنهاء ما وصفته بـ 'فترة التسامح' مع أبوظبي بعد تقييمات استخباراتية تشير إلى تجاوز الدور الإماراتي مجرد استضافة القواعد العسكرية.
وأفادت مصادر بأن الأجهزة الأمنية في طهران تعتقد أن الإمارات وضعت منشآتها الجوية الخاصة تحت تصرف القوى الدولية لتنفيذ مهام تستهدف العمق الإيراني. وحذر مسؤولون إيرانيون من أن أي تحرك بري أو غزو محتمل قد يتبعه رد فعل عسكري واسع النطاق يستهدف الأصول الحيوية للدولة الإماراتية بشكل مباشر، معتبرين أن الصمت السابق لم يعد خياراً مطروحاً.
أبو ظبي لا تريد المزيد من التصعيد لكنها لا ترغب في وقف إطلاق نار لا يعالج قضايا رئيسية قد تخلق بيئة أكثر خطورة بالمنطقة.
وتضمنت الاتهامات الإيرانية ادعاءات بأن أبوظبي تحولت إلى منصة متقدمة لخدمة المصالح الإسرائيلية، بما في ذلك تنفيذ ما وصفته بـ 'عمليات خداع' تهدف إلى إلصاق تهم هجمات معينة بالجانب الإيراني. وأشارت المصادر إلى أن هذه العمليات شملت استهدافات في سلطنة عمان ودول أخرى لإظهار طهران كطرف معتدٍ أمام المجتمع الدولي.
كما تطرقت التقارير إلى تعاون تقني رفيع المستوى، حيث تدعي طهران أن الإمارات توفر بنية تحتية متطورة تعتمد على تقنيات الذاء الاصطناعي لدعم عمليات جمع البيانات الاستخباراتية. وبحسب المزاعم الإيرانية، فإن هذه البيانات تُستخدم من قبل واشنطن وتل أبيب لتحديد أهداف دقيقة تشمل شخصيات قيادية ومواقع استراتيجية داخل الأراضي الإيرانية.
وشدد المسؤول الأمني الإيراني على أن أي هجمات تنطلق من الأراضي الإماراتية وتستهدف السفن أو المناطق الساحلية الإيرانية ستُعامل كـ 'تصعيد كبير' لا يمكن التغاضي عنه. وأكد أن القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة لم تعد الهدف الوحيد، بل إن الاستجابة الإيرانية قد تمتد لتشمل البنية التحتية للدول المستضيفة في حال ثبت تورطها الميداني.
وتأتي هذه التطورات في ظل حالة من الاستنفار الأمني في منطقة الخليج، حيث تتزايد المخاوف من انزلاق المواجهات الكلامية إلى صدام عسكري مباشر يؤثر على إمدادات الطاقة العالمية. وتسعى الأطراف الدولية إلى احتواء الموقف، بينما تصر الإمارات على أن أمنها القومي مرتبط بتفكيك التهديدات الإقليمية بشكل جذري وليس عبر مسكنات سياسية مؤقتة.
ختاماً، يبرز الموقف الإماراتي كحلقة وصل معقدة بين الالتزام بالتحالفات الدولية مع الغرب وبين محاولة إدارة الصراع مع الجار الإيراني. ومع تزايد حدة الاتهامات المتبادلة، يبقى مضيق هرمز ساحة الاختبار الحقيقية لمدى قدرة الأطراف على ضبط النفس أو الانجرار نحو مواجهة شاملة قد تغير الخارطة الجيوسياسية للمنطقة.