في الثالث عشر من نيسان من كل عام، يستحضر اللبنانيون ذكرى اندلاع الحرب الأهلية التي بدأت عام 1975، ورغم توقف المدافع رسمياً في عام 1990، إلا أن الجراح لا تزال حاضرة في الذاكرة الجماعية. يبدو التقويم الزمني قاصراً عن إدراك الحقيقة، إذ لم تكن الحرب مجرد صراع عسكري انتهى بوثيقة، بل تحولت إلى بنية نفسية واجتماعية تغلغلت في مفاصل الدولة والمجتمع.
خلفت الحرب إرثاً ثقيلاً شمل أكثر من 150 ألف قتيل ونحو 17 ألف مفقود، وهو ما تصفه التقارير بـ 'الفقد المعلق' الذي لا يمكن عزله عن الحاضر المتشظي. هذا الإرث الدامي يضع لبنان أمام معضلة الذاكرة، حيث يفتقر البلد حتى اليوم إلى كتاب تاريخ موحد يجمع السرديات المتناقضة تحت سقف وطني واحد.
تتجلى آثار الحرب في 'جغرافيا الخوف' التي لا تزال ترسم خرائط السكن في المدن اللبنانية، حيث تحولت المتاريس العسكرية إلى حواجز نفسية غير مرئية. اللغة اليومية للبنانيين لا تزال تستعير قاموسها من زمن القتال، مستخدمة تعبيرات مثل 'المنطقة' و'الشارع' و'الوضع لا يطمئن'، ما يعكس قلقاً وجودياً موروثاً.
أدت سنوات الصراع إلى تآكل مفهوم الدولة كمرجعية حامية للحقوق، مما سمح للقوى الطائفية بملء الفراغ عبر شبكات رعاية موازية. أصبح المواطن يختبر الدولة بوصفها كياناً عاجزاً، بينما يجد في الزعامة أو الطائفة ملاذاً أكثر قدرة على الاستجابة والتدخل، وهو نمط ترسخ كجزء من التسوية السياسية بعد الحرب.
يشكل ملف المفقودين والمخفيين قسراً 'الجرح المفتوح' الذي يرفض الانغلاق، رغم صدور القانون 105 في عام 2018 الذي كرس حق العائلات في المعرفة. التقدم في هذا الملف لا يزال بطيئاً للغاية، متأثراً بالحساسيات السياسية والمخاوف من نبش المقابر الجماعية، مما يجعل الحرب 'غير مدفونة' بالمعنى الرمزي.
في العاصمة بيروت، اختفى 'الخط الأخضر' كفاصل عسكري، لكن أثره العمراني والوظيفي لا يزال يلقي بظلاله على تقسيمات الأحياء وحساسيات التنقل. المدينة تحمل ندوبها في ثقوب الرصاص الباقية على بعض المباني، وفي التوزيع الديموغرافي الذي فرضته عمليات التهجير القسري خلال سنوات القتال.
تؤكد مصادر بحثية أن الحرب لم تُعالج سياسياً أو اجتماعياً بشكل كامل، بل جرى احتواؤها بتسوية أوقفت القتال دون إنتاج عدالة انتقالية. هذا الغياب للعدالة والمكاشفة جعل من 'الآخر' في المخيال الجماعي تهديداً محتملاً، يستدعي الاستنفار عند كل منعطف سياسي أو أمني يشهده لبنان.
الحرب في الوجدان اللبناني ليست حدثاً مؤرخاً بين تاريخين، بل تحولت إلى بنية كامنة تغلغلت في النفس والجماعة والمؤسسة والمدينة.
تنتقل ذاكرة الحرب عبر الأجيال كفعل وراثي من القلق، حتى بين أولئك الذين لم يعاصروا أحداثها مباشرة. يتربى الشباب على روايات متجاورة لا تلتقي، مما يعزز الانتماءات الضيقة على حساب الهوية الوطنية الجامعة، ويجعل من الماضي أداة تفسير جاهزة لكل أزمة معاصرة.
اليوم، ومع تصاعد العدوان الإسرائيلي والاشتباك السياسي حول سلاح حزب الله، يعود 'شبح الحرب الأهلية' ليتصدر المشهد الإعلامي والسياسي. أفادت مصادر بأن هناك مخاوف جدية من اضطرابات أهلية إذا تحولت الخلافات السياسية الكبرى إلى مواجهات ميدانية في ظل ضعف السلطة المركزية.
التحذيرات من عودة الصراع الداخلي ليست مجرد استعارات صحافية، بل تعبير عن هشاشة بنيوية ناتجة عن عدم تفكيك منطق التبعية الطائفية. يجد اللبنانيون أنفسهم اليوم يعودون إلى 'المتراس الذهني'، حيث يتم قراءة الأحداث بمنطق الاصطفاف الطائفي والمناطقي السريع.
إن استمرار منطق 'الزعامة والوساطة' أضعف فكرة المواطنة المتساوية، وجعل من المجال العام ساحة لتوزيع الغنائم والولاءات. هذا الواقع يكرس فكرة أن النجاة لا تأتي من المؤسسات العامة، بل من الاحتماء بالجماعة، وهو الدرس القاسي الذي تعلمه اللبنانيون خلال سنوات الحرب.
تعتبر منصات حقوقية أن إرث الحرب يمثل 'لغة غير مرئية' تنظم الهوية والعمارة والذاكرة، وتنتقل كقلق دائم من انهيار السلم الأهلي. هذا القلق يفسر سرعة استجابة الشارع للتوترات، حيث يتم استدعاء لغة الانقسام بسهولة عند كل اختلال في التوازن الأمني.
بقي من الحرب الأهلية نظام سياسي أعاد ترتيب المنطق الطائفي داخل المؤسسات بدلاً من إلغائه، مما أبقى الدولة رهينة للتوافقات الهشة. هذا النظام يفتقر إلى القدرة على إنتاج حلول مستدامة للأزمات المعيشية والسياسية، مما يبقي احتمال الانفجار قائماً في أي لحظة.
في الختام، تبدو الحرب الأهلية اللبنانية كطبقة عميقة في تكوين البلاد، وليست مجرد حدث تاريخي عابر طواه الزمن. إنها تعيش في تفاصيل الحياة اليومية، وفي عجز الدولة، وفي الخوف المتبادل، مما يجعل سؤال 'تنذكر ما تنعاد' معلقاً بانتظار معالجة حقيقية للجذور لا للنتائج فقط.


















