توقّفت جولة إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران بعد نحو واحدٍ وعشرين ساعة من التفاوض دون اتفاق، وعاد كل طرف ليقدّم تفسيره الخاص لما جرى. قالت واشنطن إن طهران لم تقدّم ما يكفي من الالتزامات الواضحة في القضايا الأساسية، ورأت طهران أن الجانب الأميركي رفع سقف مطالبه إلى حدٍّ يصعب معه تحقيق اختراق حقيقي. وبقيت ملفات البرنامج النووي، والعقوبات، وحرية الملاحة في مضيق هرمز، ومسار التهدئة الإقليمية حاضرةً في خلفية المشهد. غير أن التوقف عند هذه العناوين وحدها لا يكشف الصورة كاملة، لأن ما ظهر في هذه الجولة يتجاوز مضمون الخلافات إلى الطريقة التي يفهم بها كل طرفٍ التفاوضَ نفسه، ويحدّد بها وظيفته وحدوده ومعناه السياسي.
تكشف هذه الجولة أن واشنطن وطهران لا تختلفان في الشروط والمطالب وحدها، وإنما تتحركان أيضًا داخل منطقين متباينين في إدارة التفاوض.
تميل الولايات المتحدة إلى مقاربة مباشرة، وتريد من الجلسات أن تفضي إلى التزامٍ واضح خلال وقتٍ قصير، كما تتعامل مع الزمن على أنه أداة ضغط تدفع الطرف المقابل إلى الحسم.
أما إيران فتنظر إلى التفاوض من زاوية أخرى، وترى فيه مسارًا تراكميًا وساحةً موازية للصراع، وتحرص من خلاله على حماية هامشها السياسي ومنع خصمها من تحويل تفوقه العسكري والاقتصادي إلى مكسبٍ تفاوضي سريع.
ومن هنا يبدو التعثّر الحالي نتيجةً مفهومة لطبيعة المنهجين أكثر مما يبدو مفاجأةً فرضتها تفاصيل الجولة الأخيرة.
عراقجي وكتاب "قوة التفاوض"
يساعد التوقف عند وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على فهم هذا المنهج الإيراني من الداخل. فالرجل يحتل موقعًا محوريًا في الدبلوماسية الإيرانية المعاصرة، وشارك في أكثر المسارات حساسية خلال العقد الأخير، وكان من الشخصيات الأساسية في مفاوضات الاتفاق النووي لعام 2015. وتمنحه خبرته الطويلة وزنًا خاصًا داخل أي وفدٍ تفاوضي، لأنه جمع بين المعرفة التقنية، والحضور السياسي، والقدرة على إدارة الإيقاع التفاوضي بهدوءٍ وصبر.
لذلك، حين يجلس عراقجي اليوم إلى الطاولة في مفاوضات باكستان، فإنه يحمل معه تجربةً متراكمة في التفاوض مع واشنطن، كما يحمل معه تصورًا واضحًا عن كيفية التعامل مع قوةٍ عظمى تضغط عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا في آنٍ واحد.
وتتضح هذه الصورة أكثر عند النظر إلى كتابه "قوة التفاوض: مبادئ وقواعد المفاوضات السياسية والدبلوماسية". تنبع أهمية هذا الكتاب من أنه لا يقدّم التفاوض على أنه مجرد تبادل مواقف أو سلسلة من المهارات الخطابية، وإنما يعرضه على أنه امتداد للقوة الوطنية، وأداة للدفاع عن المصالح، وطريقة لضبط التنازلات ومنع الخارج من فرض إرادته تحت غطاء الحوار.
ومن داخل هذا التصور تبرز فكرة "مساومة البازار" باعتبارها مفتاحًا مهمًا لفهم العقلية الإيرانية. فهذه الفكرة لا تظهر في الكتاب على الهامش، بل أفرد لها عراقجي بابًا كاملًا، لتشكّل صلب الرؤية التي يقدّمها للتفاوض، وتشرح كيف تدير طهران الوقت، وكيف ترفع السقف، وكيف تتجنب تقديم تنازلٍ سريع تحت الضغط. ولعل قيمة الكتاب هنا أنه يسمح للقارئ بأن يرى ما وراء السلوك الإيراني الظاهر على الطاولة، وأن يفهم أن البطء أو التشدد أو الغموض لا يأتي دائمًا من ترددٍ أو ارتباك، وإنما قد يصدر عن منهجٍ مدروس في إدارة الصراع التفاوضي.
عقليتان متناقضتان
يعكس الخطاب الأميركي في الجولة الحالية ذهنيةً تفاوضية تميل إلى الوضوح الحاد، وإلى رسم الخطوط بشكلٍ مباشر، وإلى طلب جوابٍ سريع يمكن قياسه وإعلانه. وقد ظهرت هذه الذهنية في تصريحات جي دي فانس قبل المحادثات وبعدها، حين تحدّث عن نفاد الصبر من بطء التقدم، ثم عاد ليؤكد أن العقدة الرئيسية تكمن في امتناع إيران عن قبول الشروط الأساسية التي طرحتها الإدارة الأميركية. ويتعامل هذا المنهج مع الوقت على أنه عنصر ضغط، ويريد من المفاوضات أن تنتج التزامًا واضحًا خلال فترةٍ قصيرة. لذلك تميل واشنطن إلى اعتبار الإبطاء نوعًا من المراوغة، وإلى النظر إلى الغموض على أنه تهرّب من الاستحقاق.
ثمّة هنا تصور واضح يقول إن الجلسات الناجحة هي التي تقود بسرعة إلى جوابٍ نهائي، وإن قيمة التفاوض تُقاس بقدرته على ترجمة ميزان القوة القائم إلى نتائج سياسية مباشرة.
أما الذهنية الإيرانية التي يعرضها عراقجي في كتابه، فتتحرك على إيقاعٍ مختلف. تقوم "مساومة البازار" على الصبر، وعدم كشف السقف النهائي منذ البداية، واستخدام الوقت بدل الخضوع له، وترك المجال مفتوحًا لتحسين الشروط قبل الوصول إلى الخاتمة.
في هذا المنطق، لا تُعد السرعة دليلًا على النجاح، ولا يصبح طول التفاوض علامة فشل بالضرورة، لأن المفاوض الإيراني ينظر إلى الاستعجال بريبة، ويرى أن الحسم السريع في ظل اختلال القوة قد يفتح الباب أمام تنازلٍ مجاني.
ومن هنا تكتسب عبارة جواد ظريف أهميةً خاصة، حين قال حرفيًا: "هل تريدون معرفة سبب فشل المفاوضات؟ يقول جيه دي فانس: "لقد اختاروا عدم قبول شروطنا". هذا صحيح. لن تنجح أي مفاوضات، على الأقل مع إيران، بناءً على "شروطنا/شروطكم". يجب على الولايات المتحدة أن تتعلم: لا يمكنكم إملاء الشروط على إيران. لم يفت الأوان بعد للتعلّم". يلخّص هذا الكلام جانبًا مهمًا من الذهنية الإيرانية، لأن جوهره يقوم على رفض تحويل التفاوض إلى قناةٍ لإملاء الشروط، وعلى الإصرار على أن الجلوس إلى الطاولة لا يفقد معناه إلا حين يتحول إلى غطاءٍ لإخضاع الطرف المقابل.
خاتمة
يكشف تعثّر مفاوضات إسلام آباد عن فارقٍ جوهري في عقلية التفاوض بين واشنطن وطهران. تريد الولايات المتحدة أن تقود المفاوضات إلى حسمٍ سريع يترجم موازين القوة القائمة إلى التزاماتٍ واضحة ومعلنة. أما إيران فترى أن التفاوض لا يؤدي غرضه ما لم يحفظ لها هامش الحركة ويمنع خصمها من تحويل الضغط إلى قاعدةٍ سياسية ثابتة. لذلك ينظر كل طرف إلى الوقت بطريقةٍ مختلفة، ويفهم قيمة الغموض والمرونة والحسم على نحوٍ مغاير، ويقيس نجاح المفاوضات بمعيارٍ لا يشبه معيار الطرف الآخر.
من هنا يصير التعثّر انعكاسًا طبيعيًا لتصادم تصورين مختلفين عن معنى التفاوض نفسه، أكثر من كونه مجرد خلافٍ عابر على بنودٍ تقنية. ولعل هذا ما يفسّر لماذا يطول الطريق إلى أي تفاهم بين الجانبين، حتى حين تتوافر الإرادة المعلنة لاستمرار الحوار.
فالمشكلة لا تبدأ عند تفاصيل الاتفاق فحسب، وإنما تبدأ قبل ذلك من السؤال الأعمق: ماذا يريد كل طرف من التفاوض في الأصل؟ تريد واشنطن منه أن يكرّس نتائج الضغط بسرعةٍ ووضوح، بينما تريد طهران منه أن يبدّد أثر هذا الضغط، وأن يفرض على الطرف الآخر الاعتراف بحدود القوة. وبين هذين المنطقين، تتعثر الجولات، وتتعقّد المسارات، ويصبح الفشل المرحلي نتيجةً مفهومة أكثر مما يبدو للوهلة الأولى.
بيد أن هذا لا يعني استحالة التوصل إلى تفاهمٍ في المستقبل، وإنما يعني أن أي تفاهمٍ جدي سيحتاج أولًا إلى تضييق الفجوة بين عقلين تفاوضيين ينظر كل واحدٍ منهما إلى الطاولة بطريقةٍ مختلفة تمامًا.
أقلام وأراء
الإثنين 13 أبريل 2026 10:01 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
بين إملاء الشروط ومساومة البازار: لماذا تتعثر المفاوضات الأميركية الإيرانية؟