عانت النساء السوريات خلال 14 عاما من النزوح والآثار الاقتصادية والاجتماعية للصراع، حيث فقدت العديد منهن أزواجهن أو المعيلين الأساسيين، مما جعلهن يواجهن مسؤوليات كبيرة في ظروف معيشية قاسية. ومع ذلك، استطاعت بعض النساء تحويل محنتهن إلى فرص للتمكين من خلال إطلاق مشاريع صغيرة، وتطورت هذه المبادرات بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة مع التغيرات السياسية والاقتصادية التي شهدتها البلاد بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر الماضي.
من بين هؤلاء النساء، سميرة، التي اضطرتها الحرب إلى النزوح من مخيم اليرموك في دمشق عام 2012، بعد معارك عنيفة بين قوات النظام والمعارضة. كانت تعمل قبل النزوح في التجارة الحرة، ونجحت في جمع رأس مال لتحقيق حلمها بفتح مطعم، إلا أن الحرب أجهضت ذلك الحلم، وفقدت منزلها وعائلتها وأصيبت بمرض حال دون استمرارها في العمل. بعد تماثلها للشفاء، قررت العودة إلى العمل وبدأت مشروعها "مطبخ ماما سميرة" الذي يعتمد على الطهي المنزلي للأطباق السورية التقليدية، مستفيدة من منحة من منظمة غير حكومية.
حقق مشروع سميرة نجاحا كبيرا، حيث يعتمد على طلبات الزبائن عبر الهاتف وتطبيقات التوصيل، ويقدم أطباقا متنوعة تتطلب خبرة في الطهي، مثل المحاشي والكبة والمنسف والكبسة. تميزت سميرة بأسلوبها العاطفي في الطهي، واهتمامها بالتفاصيل، واستخدام استراتيجيات تسويقية تعتمد على مخاطبة الزبائن كأبناء، مع بطاقات تذكارية تعكس هوية المشروع. رغم التحديات المرتبطة بانقطاع الكهرباء وارتفاع الأسعار، استطاعت أن تحافظ على نجاح مشروعها، معتبرة أن سر ذلك هو الحفاظ على الطابع الحميمي للطبخ.
نجاح نساء سوريا يعكس قوة الإرادة والتحدي رغم الظروف الصعبة
أما مشروع "سما للمشغولات اليدوية"، الذي أطلقته نساء نازحات من داريا في ريف دمشق عام 2014، فشهد تطورا كبيرا، حيث توسع ليشمل تصاميم مستوحاة من التراث السوري، وشارك فيه العديد من المصممين الشباب. في عام 2017، انتقل المشروع إلى السوق العالمية بعد ترخيصه في الولايات المتحدة وافتتاح مستودعات في أمريكا وألمانيا، مع فريق إداري خارجي. وتعرضت العاملات في المشروع لملاحقات من النظام السابق، مما أدى إلى توقيفهن واتهامهن جماعيا، قبل أن يعاد افتتاحه من داريا بعد سقوط النظام.
تطمح الآن إلى توسيع نشاطها ليشمل أسواقا جديدة، مع استمرار الدعم المجتمعي والتطوعي الذي ساعد على نجاح المشروع. بالإضافة إلى ذلك، ظهرت مبادرات نسائية فنية أخرى مثل الرسم اليدوي وتصميم الديكورات، والتي بدأت من المنازل وتمكنت من الانتشار عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مستفيدة من تحسن الوضع الاقتصادي والسياسي في سوريا، وعودة حركة السوق وارتفاع قيمة الليرة.




