من المضحكات في مسيرة الرئيس الأمريكي ترامب، أنه يسعي بكل جد للحصول على جائزة نوبل للسلام وأن يوصف بأنه رجل السلام الأول في العالم، وفي الوقت ذاته غيّر وزارة الدفاع الأمريكية إلى وزارة الحرب، وعلل ذلك بأن الجيوش أنشئت للهجوم وليس للدفاع، ويرى في الوقت ذاته مقاومة المحتل جريمة، ونزع سلاحها واجبا!
عقلية تاجر العقارات تحكم تصرفات ترامب، وتحدد منطلقاته في أدق أمور السياسة، فهو يرى قطاع غزة أرضا تطل على البحر ولها شاطئ فخم، وتصلح لمشروع استثماري وتطوير عقاري بالشراكة مع صديقه الحميم نتنياهو؛ الذي مهمته إفراغ هذا القطاع من أهله، للانطلاق إلى خطوة أوسع هي إسرائيل الكبرى.
هذه الأحلام والكوابيس يصرحون بها صراحة بلا مواربة، وبعد عامين كاملين من حرب الإبادة الجماعية فشل الاحتلال في تحقيق أهدافه في غزة، واستطاعت المقاومة أن تكبده خسائر فادحة على الأصعدة كافة، حتى أصبح الكيان المحتل مذموما منبوذا، ورأينا عامة الوفود تغادر قاعة الأمم المتحدة أثناء كلمة نتنياهو وبقيت زوجته تسمعه في القاعة الفارغة، وخارج القاعة كانت مظاهرات حاشدة تندد بجرائمه، حتى إن رئيس كولومبيا غوستافو بيترو انضم إليها وشارك فيها.
وكان الحديث عن غزة ومآسيها القاسم المشترك في كلمات أصحاب الضمائر الحية، وهنا قرر ترامب عمل خطة إنقاذ عاجلة لصديقه، كما قدم له آلة القتل العسكرية، وبسط عليه الحماية السياسية، ففي كل مرة يصوت فيها العالم على إيقاف الحرب يخرج لهم فيتو ترامب 'راعي السلام'!
على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، عقد مؤتمر لبلورة حل الدولتين من خلال توسيع نموذج السلطة الفلسطينية، وضم غزة إلى سلطة محمود عباس ليديرها وفق خبرته المتراكمة في التنسيق الأمني مع الاحتلال.
ووصف رئيس وزراء بريطانيا الدولة المنتظرة بأنها دولة افتراضية -بلا معالم أو ملامح- وفي المقابل سيطبع العرب والمسلمون مع الصهاينة، ويتولون مهمة إخراج حماس من المشهد، ونزع سلاح المقاومة والتنازل عن الفكرة برمتها.
ومع ذلك، رفض نتنياهو فكرة الدولتين، التي كانت ستوفر غطاء مقبولا، وتعطي صورة نصر موهوم للحلفاء والشركاء، ثم قرر ترامب إعلان انتصار نتنياهو بقوة القرار السيادي من الدولة العظمى، واستضاف قادة من دول عربية وإسلامية وعرض عليهم خطته وأقروها.
لكن نتنياهو أضاف عليها كل ما عجز عن تحقيقه من بداية طوفان الأقصى، واستجاب ترامب لذلك كله، وحدث تململ مكتوم من أطراف اعترضت على الإضافات الفجة التي لغمت الاتفاقية، مما أخّر انعقاد المؤتمر الصحفي أكثر من ثلاث ساعات.
وفي النهاية انتصرت رغبات نتنياهو الجامحة، وخرج بعد المؤتمر منفردا موجها كلمة لشعبه، بأن خطة ترامب اشتملت على كل أهدافنا من الحرب.
وكعادة ترامب في فضح حلفائه من قادة الدول الإسلامية، ذكر في صلب المؤتمر أنه إبّان إعلانه عن القدس عاصمة لإسرائيل، حاولوا الاتصال به وأنه رفض الرد عليهم إلا بعد الإعلان، لأن تخوفاتهم من ردود الفعل ليست واقعية، وافتخر كذلك باعترافه بضم الجولان إلى دولة الاحتلال.
ومع ذلك يرى نفسه رجل السلام، وهو كذلك، فهو سِلم وسلام لحكومة الاحتلال، وحرب ودمار على من يقف في طريقها.
ما عرف بخطة ترامب ليست إلا وثيقة إذعان، وإعلان انتصار كاذب لجيش الاحتلال، على حساب مقاومة صامدة وشعب أعزل محاصر من عشرين سنة، وهذه الخطة جمعت أسوأ ما في المؤامرات السابقة على الأمة، بداية من اتفاقية سايكس بيكو لتقسيم البلاد العربية، ثم وعد بلفور لتوطين اليهود في فلسطين.
حيث جاء سايكس وبلفور معا في صورة توني بلير المرشح لحكم غزة، بعدما قتل مليون مسلم في العراق وجلب له الدمار والخراب.
إنها خطة تقسيم جديد ليس للعرب فيها من نصيب، واحتلال مباشر من أمريكا وبريطانيا من خلال مجلس إدارة غزة، الذي اختار مدينة العريش المصرية مقرا له، ولم يفصحوا هل ستبقى العريش تحت السيادة المصرية، أم أنها ستكون العاصمة الإدارية للاحتلال الجديد؟