أقلام وأراء

الخميس 10 أغسطس 2023 10:04 صباحًا - بتوقيت القدس

الدولة القانونية الفلسطينية في ذمة الله

كان الحلم القانوني الفلسطيني بعد عام 1967 يتمثل في أمرين هما إنهاء الإحتلال الإسرائيلي وإقامة الدولة القانونية على أرض فلسطين. وعلى ذلك أجمعت التيارات القانونية الفلسطينية أيا كان مذهبها السياسي أو العقدي أو الإجتماعي. وتجلى ذلك في التوجهات النقابية الحقوقية والمنظمات غير الحكومية والفصائل وحركات المقاومة وكتابات وخطابات أعيان المجتمع وقياداته. وفي بيان إعلان دولة فلسطين في الجزائر عام 1988.


وجاءت موسوعة أوسلو بكل تفاصيلها المملة وقيودها المذلة كضربة لذلك الحلم، ورغم ذلك أيدها الكثيرون على اعتقاد انها سحابة صيف عابرة ، أو مؤملا أنها ستسفر عن إقامة دولة فلسطينية مستقلة. وبالتالي سيتم استرجاع الحرية التشريعية كاملة، وسيتم التعويض عما سحب من صلاحيات وما فرض من قيود. ومر عام 1999 وانتهت الفترة المؤقتة المقررة لاتفاقيات أوسلو دون دولة ودون تحرر حتى دون حكم ذاتي كامل. وبقيت أراضي سي خارج الإختصاص الأمني والمدني وبقيت نهبا للإستيطان وللمستوطنين، إلا أن هذا لم يوقف شهية الإحتلال الإسرائيلي لابتلاع مزيد من الأرض الفلسطينية. بل امتد ذلك الشره إلى أراضي " بي " وتعمق في أراضي " ألف " وفق تصنيفات أوسلو. رافق ذلك هجوم على القدس عقارات وسكان ومساجد وكنائس.


رغم القيود ونزع الصلاحيات، إلا أن فترة ما بعد أوسلو المباشرة، وفي ظل أول انتخابات لمجلس تشريعي مشكل من تيارات سياسية مختلفة على الرغم من السمة الفتحاوية الغالبة، شهدت انتعاشا قانونيا مميزا عبر سلطة قضائية، وتشكيل نقابة محامين فلسطينية، وتعيين طواقم قانونية جديدة، ومنظمات غير حكومية نشطة، وطواقم قانونية لتوحيد القوانين في شطري الوطن وسن تشريعات جديدة وعلى رأسها القانون الأساس. وكانت الأجواء القانونية تزخر بالأفكار والمشاريع والندوات وورشات العمل وهي مسّخرة لحلم إقامة الدولة القانونية في ربوع الوطن، رغم ما يجري من انتهاكات قانونية هنا وهناك، مبررين ذلك أننا نمر بمرحلة قانونية وبقلة خبرتنا القانونية وبتسرعنا وكأننا في عجلة من أمرنا.


بسن القانون الأساس وتعديلاته بدأ معالم النظام القانوني ياخذ شكله الدستوري، وبدأت معالم الدولة القانونية في التشكل، فها هو مبدأ الفصل بين السلطات يأخذ موقعه، وها هو الشعب صاحب السيادة على أرض فلسطين، وها هي منظومة الحقوق والحريات العامة تتصدر القانون الأساس، وها هي السلطة القضائية تأخذ مسارها، وها هي مهمات الرئيس ومهمات الحكومة ترسم بشكل دقيق.


بوفاة الرئيس المؤسس " أبو عمار "، وبسلاسة إجراء انتخابات حرة رئاسية تلتها انتخابات نيابية، اعتقد الكثيرون أن رحلة الدولة القانونية مستمرة ونهجها قادم. وما هي إلا بعض الوقت حتى بدأ الإنهيار، وانقسم الوطن إلى قسمين وتعطل المجلس التشريعي الذي هو عماد الدولة القانونية عن عمله في سن التشريعات ومراقبة عمل الحكومة. وغدت الحكومة غير مراقبة والموازنة بدون ضوابط دستورية، وبدأت تشكل سلطتان لا ثالث لهما. سلطة تنفيذية لا رقابة عليها إطلاقا، وهي تملك القوة بكل عناصر الأمن بغض النظر عن تسميتهم من محافظين ورجال مخابرات وأمن وقائي وأمن رئاسي وشرطة وموظفين في كل الوزارات والمقاطعة وهي تملك المال كله وتتحكم فيه حجبا وإنفاقا. وهناك السلطة القضائية المتثاقلة البطيئة التي لا تملك من أمرها شيئا سوى أحكامها القضائية الرفيعة التي قد لا تنفذ أحيانا من قبل وزراء وأجهزة أمن ومحافظين. وبالتالي غدا موضوع الدولة القانونية محل شك ولكنه لم يكن صادما فالتبرير موجود دائما.


بمرور الوقت وبتعطل المجلس التشريعي عن القيام بوظيفته، بدأ اصحاب المصالح يثيرون المتاعب نتيجة لغياب التشريعات التي تكفل حل المشاكل المستجدة وحاجات الناس الملحة. وبدأ هؤلاء بخلق لوبيات وممارسة الضغوط على الرئيس ليستعمل صلاحياته بموجب المادة 43 من القانون الأساس وهي ما أطلق عليه المشرع الفلسطيني بقرار بقانون، وأفضل تسميتها بالقوانين المؤقتة. ورغم تردد الرئيس بسنها ابتداء، إلا أنه بعد فترة ، استسلم لرأي كثير من السياسيين والإقتصاديين وبدأ بسنها، إلى أن انقلبت هذه الظاهرة الإستثنائية المؤقتة التي يجب سنها فقط في وقت الضرورة التي لا تحتمل التأخير، إلى سيل جارف، حيث بلغ عددها ما يزيد عن ثلاثمائة قرار بقانون.وهي قوانين لم يسنها البرلمان، ولا رقابة عليها في الصدور، بل اعتقد البعض أن لا رقابة دستورية على مبدأ الضرورة والرئيس يتبناها وفق رأيه ورأيه هو فقط . وبذا غدا مبدأ الدولة القانونية في ذمة الله فالمشرع والمنفذ شخص واحد، أو كما يقولون في العامية فصل والبس. واختلط العام بالخاص والحابل بالنابل، وغدت هذه القرارات مشكلة كبيرة لأي مجلس تشريعي قادم وعقبة كبيرة لعمله وخططه. وحينما تغيب الدولة القانونية تغدو الدولة القائمة دولة بوليسية.


والأمر لم يتوقف هنا، بل توقف وجود المجلس التشريعي كليا بسبب عدم تفعيل آلية الإنتخابات لأكثر من اثني عشر عاما، بحجة أو بأخرى ليومنا هذا. وغدا منصب الرئيس يتم إشغاله بدون انتخابات حرة دورية وبدون سند قانوني ديموقراطي كما ينص القانون الأساس، ويتم إشغاله بحكم الأمر الواقع. وهذا انعكس على تفكير وممارسات الفئة الحاكمة على محتلف المستويات،واستندوا إلى ما يصدر عن الرئيس من مراسيم وقرارات وأوامر تبتعد عن الرقابة القضائية وفق المعروف في الدولة القانونية.


ومما زاد الأمر تعقيدا، موضوع التدخل في شؤون السلطة القضائية. وانعكس هذا الأمر على مصداقية القضاء أمام الجمهور سلبا وتراخيا وأمام بعضهم البعض تآلفا . وكان هذا سببا لوقوع أخطاء في القرارات بقانون عبر سحبها أو إلغائها أو وقف تطبيقها أو التظاهر ضدها، في ظاهرة تقع لأول مرة تحت مسميات تبريرية تتمثل في خصوصية الشعب الفلسطيني، وكأننا سنخترع عالما قانونيا خاصا بنا وندمغه بالفلسطنة ونهمل جميع قواعد القانون المشتركة لجميع شعوب العالم.


أما قضية القضايا المتمثلة في الحقوق والحريات العامة كالحق في الحياة والسلامة الجسدية والحرية الشخصية وحرية الصحافة وعدم القبض على شخص إلا بمذكرة توقيف وعدم تفتيش المنزل والحرية الدينية والحق في العمل والرفاه الإجتماعي والإنتخابات وتولي الشؤون العامة، فهي إمكانات قانونية جوفاء موجودة على الورق وفي نصوص القانون الأساس.


الدولة القانونية ليست حبرا على ورق وليست شعارات ترفع وتردد، هي مصلحة مباشرة للشعب الفلسطيني يتوقف عليها تقدمه وتحضره وليست منة أو صدقة. الدولة القانونية فصل سلطات حقيقي، وانتخابات سرية دورية للرئيس والبرلمان والبلديات والنقابات والجمعيات، وبرلمان يشرع ويراقب، ورئيس ينتخب لمدة محددة وبشكل دوري، ومحاكم تفحص وتراقب أي عمل تشريعي أو تنفيذي. فإن نقص واحد من كل ذلك فقل الدولة القانونية في ذمة الله !!!

دلالات

شارك برأيك

الدولة القانونية الفلسطينية في ذمة الله

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.