جاءت زيارة الرئيس أبو مازن لدولة الصين، في ظل متغيرات ومنعطفات دولية حادة وجذرية، لا تخفى على صاحب بصيرة. فالذي ينظر إلى المسرح الدولي يلاحظ وبلا أدنى شك ملامح تغيير ببنية وهيكلية النظام الدولي والذي يسير وإن ببطء نحو مسار نظام دولي متعدد الأقطاب.
ولكن هل جاءت زيارة الرئيس إلى الصين من منطلق سلوك دولي كالمتعارف عليه، أم أن هذه الزيارة اتت من منطلق التحولات التي طرأت على مسار العلاقات الدولية على المسرح الدولي، والذي يتمثل في أُفول النظام الدولي الأُحادي القطب ممثلا بأمريكا، كشُرطي عالمي وصاحبة القرار والكلمة الأولى في كل ما يتعلق بإيجاد السلام أو إشعال الحروب على المسرح السياسي الدولي.
لندرس زيارة أبو مازن للصين من خلال جولة نقوم بها داخل أروقة المسرح الدولي ومن على مشارف العلاقات الدولية:
1- دور الصين بطريقة أو بأخرى -ولا أريد أن أقول بإنهاء بل- بمحاولة إنهاء العداء المستحكم بين أقوى دولتين في منطقة الشرق الأوسط، وتمكنها من إقناعهما للجلوس على طاولة واحدة، فمن المعروف أنّ السعودية هي حليف إستراتيجي وحيوي لأمريكا، وبالتالي أن تقوم السعودية بفتح قناة حوار مع إيران وبرعاية صينية هذا يعني أن السعودية قررت الخروج من تحت مظلة العباءة الامريكية، والانتقال للاستظلال بعباءة المظلة الصينية، وبغض النظر عن طبيعة ما حصل بين إيران والسعودية وماهية الدور الصيني في ذلك؟ وهل ما حصل هو مجرد زوبعة صينية في فنجان وسحابة صيف عابرة ومؤقتة؟ أم استراتيجية صينية بخطوات مدروسة، وبغض النظر عن كل ذلك حتى لو كان ما حصل بين السعودية وإيران هو فعلاً سحابة صيف، لكن في النهاية وعلى أقل تقدير يكفي أن الصين تمكنت من التوفيق بين الخصمين، وهذا لم يأتِ من فراغ على طريق أن يتطور الموقف الصيني إلى أكثر من ذلك، مع أنني متأكد من أن ما حصل هو خطوة عملاقة من قبل الصين، لفرض كلمتها على المسرح الدولي على طريق فرض عزلة ومن ثم تحييد أمريكا، وهذا يعني بدء إسدال الستار على جدار النظام الدولي أُحادي القطب مقابل بدء إزاحة الستار عن جدار النظام الدولي متعدد الأقطاب.
2- قمة جدة وأهم حدث فيها هو دعوة وحضور الرئيس السوري بشار الأسد للقمة، فنحن نعلم أن أمريكا تعادي وبشكل علني وصريح النظام السوري، وتعادي كل من لا يدينه، فما بالنا في موقف أمريكا بمن يدعم النظام السوري، ونحن نعرف تماما موقف معظم الدول العربية المعادي لنظام الرئيس السوري وخاصة السعودية، ونعلم لماذا الأخيرة تعادي الرئيس السوري بشار الأسد؟ وبالتالي أن تقوم السعودية بدعوة الرئيس بشار الأسد للقمة وحضوره لها، هذا يعني التغير المذهل والمنعطف الحاد بالعلاقة بين السعودية وامريكا، ويجب أن يعني ذلك أن السعودية فهمت اللعبة الدولية، وفهمت أننا كعرب يجب أن نُقيم ونُقَيّم علاقاتِنا مع الدول طبقا لمصالحنا، ويجب أن يكون ذلك أيضا من منطلق فهم السعودية من أنه لا مكان للضعفاء على هذه الأرض، وأنه يجب أن نسعى لأن نكون أقوياء خاصة أننا كأمة عربية وفي المقدمة السعودية نملك من الثروة الطبيعية والمادية ومن الطاقات البشرية ما يمكننا من أن نكون أصحاب كلمة وقرار على المسرح الدولي لا أن نبقى في مؤخرة الأمم وخدم وعبيد لها.
وبالطبع فإن إنشاء نظام دولي متعدد الأقطاب بدلاً أن تبقى أمريكا منفردة بقيادة العالم سينعكس حتماً على الاحتلال، والذي لا يعدو كونه جسر عبور لبريطانيا سابقا ولأمريكا حالياً، ومخلب قط زُرع في أرضنا، وما زالت أمريكا تحافظ عليه وتدعمه بكل السبل والطرق.
وبالطبع فإن حصر وتحجيم النفوذ الأمريكي يتبعه كتحصيل حاصل تقليص -ولا اريد أن أقول منع- الدعم عن إسرائيل.
وبطبيعة الحال ورغم المعطيات السابقة إلا أنني لن أقول إننا على أبواب إزالة دولة إسرائيل من الوجود، فهذا الطرح مجرد التفكير فيه يدل على سذاجة في التفكير وسطحية في التحليل إلا أنني متأكد من أن تشكيل النظام الدولي الجديد مقابل حصر النفوذ الأمريكي سيجبر الاحتلال في نهاية المطاف على الأقل للاستجابة، ومن ثَم تنفيذ قرارات الشرعية الدولية على طريق جلاء الاحتلال عن الأراضي المحتلة عام67، ومن ثم قيام الدولة الفلسطينية المستقلة.
بعد كل ذلك يطرح السؤال التالي هل جاءت زيارة الرئيس عباس للصين في إطار العلاقات الدولية العادية؟ أم أنها من منطلق التحول الجذري في بِنْية النظام الدولي؟ أتمنى أن يكون ذلك من منطلق ما يجري من تغيير حقيقي وجذري في بِنْية النظام الدولي وأن تكون هذه الزيارة في إطار تكتل دولي تكون الأمة العربية ركناً من أركانه وأحد أعمدته، وأن يكون لنا كأمة عربية جَولة وَصَولة وكلمة وقرار على المسرح الدولي في المستقبل.





شارك برأيك
قراءة في زيارة الرئيس عباس للصين