أقلام وأراء

الخميس 09 يوليو 2026 9:29 صباحًا - بتوقيت القدس

حين تفقد المعرفة بوصلتها

ليس كل ما يهدد المجتمعات يأتي من الجهل، فبعض الأخطار تولد في المكان الذي نظنه أكثر أمنًا: في المعرفة حين تنفصل عن الأخلاق. فالتاريخ لم يحفظ لنا أن الكوارث الكبرى كانت دائمًا من صنع الجاهلين، بل كثيرًا ما صنعها أناس امتلكوا العلم والمهارة والقدرة، لكنهم افتقدوا الضمير الذي يهدي المعرفة إلى غايتها الإنسانية. ومن هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: هل مشكلتنا الحقيقية نقص المعرفة، أم غياب البوصلة الأخلاقية التي توجهها؟
قد يظن البعض أن الأخلاق ترف فكري أو إضافة يمكن الاستغناء عنها ما دام الإنسان ناجحًا في عمله ومتقنًا لتخصصه، لكن التجربة الإنسانية تقول غير ذلك. فالمعرفة تشبه القوة؛ قيمتها لا تقاس بحجمها، بل بالغاية التي تستخدم من أجلها. والطبيب الذي يسهر لإنقاذ حياة مريض يمتلك العلم ذاته الذي قد يمتلكه آخر يستغل آلام الناس لتحقيق مكاسب شخصية، كما أن المعلم الذي يرى في التعليم رسالة يختلف عن معلم يحول الصف إلى وظيفة تؤدى بحدها الأدنى. لم تتغير المعرفة في الحالتين، وإنما تغيرت الأخلاق التي وجهتها. لهذا تبدو الأخلاق في صورتين متكاملتين؛ فهي مرآة وبوصلة في آن واحد. هي مرآة لأنها تكشف حقيقة الإنسان عندما يغيب الرقيب، فلا تعكس صورته الخارجية ولا شهاداته ولا ألقابه، بل تعكس موقفه من العدل والصدق والمسؤولية حين تتعارض المبادئ مع المصالح. وهي بوصلة لأنها لا تمنح الإنسان القدرة، بل تمنحه الاتجاه. فالبوصلة لا تدفع السفينة إلى الأمام، لكنها تمنعها من أن تضيع، وكذلك الأخلاق لا تصنع العالم أو الطبيب أو المعلم، لكنها تمنع علمه من أن يتحول إلى وسيلة للهيمنة أو الظلم أو الاستغلال. ولعل هذا المعنى هو ما يلفت إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]. فالآية لا تجعل ثمرة العلم كثرة المعلومات، وإنما الخشية التي تعني في أحد وجوهها الشعور بالمسؤولية. ويقول سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2]، فيربط القيمة بالفعل، والخلق بالممارسة، فلا تبقى الأخلاق فكرة نظرية، بل تصبح أسلوب حياة.
ولم يكن من قبيل المصادفة أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، فجعل اكتمال البناء الأخلاقي غاية الرسالة. ففي عالم يستطيع أن ينتج مزيدًا من المعرفة كل يوم، تبقى الأخلاق هي الشرط الذي يجعل لهذه المعرفة قيمة إنسانية.
ومن هنا تبدأ مسؤولية المدرسة، لا بوصفها مكانًا لتلقين المعلومات، بل بوصفها فضاءً لبناء الإنسان. فالطالب لا يتعلم العدالة لأنه قرأ تعريفها في كتاب، وإنما حين يرى معلمه يعدل بين زملائه، ولا يتعلم الصدق لأنه حفظ درسًا عنه، بل حين يكتشف أن معلمه يعترف بخطئه ولا يخشى الحقيقة. إن التربية الأخلاقية لا تُلقى في محاضرة، بل تمارس في تفاصيل الحياة المدرسية اليومية. ولهذا يؤكد عالم النفس الأمريكي لورنس كولبرغ أن النضج الأخلاقي لا يتحقق بحفظ القواعد أو الخوف من العقوبة، وإنما حين يصبح الإنسان قادرًا على اتخاذ القرار الصحيح انطلاقًا من قناعة داخلية. كما يرى المفكر التربوي باولو فريري أن التعليم الحقيقي لا يملأ العقول بالمعلومات بقدر ما يبني الوعي، لأن الوعي إذا خلا من القيم قد يتحول إلى أداة للسيطرة بدل أن يكون وسيلة للتحرر.
لقد أصبح النجاح في كثير من الأحيان يقاس بعدد الشهادات والدرجات والمؤشرات الرقمية، بينما يغيب السؤال الأهم: أي إنسان نصنع؟ وهل يكفي أن نخرج إلى المجتمع أفرادًا يمتلكون المعرفة إذا كانوا يفتقرون إلى الأمانة والعدل والرحمة؟ إن المجتمع قد يعالج نقص الخبرة بالتدريب، لكنه يدفع ثمنًا باهظًا عندما تتحول المعرفة إلى قوة بلا ضمير. إن أخطر ما يمكن أن يحدث للتعليم ليس أن يعجز عن تخريج الأوائل، بل أن ينجح في تخريج أصحاب كفاءات عالية فقدوا حسهم الأخلاقي. فالمعرفة يمكن أن تكتسب، والمهارات يمكن أن تطور، أما الضمير إذا تراجع، فإن استعادته تصبح أكثر صعوبة.
وفي النهاية، ليست الأخلاق مادة تضاف إلى المناهج، ولا شعارًا يزين جدران المدارس، بل هي الإطار الذي يمنح المعرفة معناها. فالمرآة التي لا تعكس الحقيقة لا قيمة لها، والبوصلة التي لا تشير إلى الاتجاه الصحيح لا تنقذ مسافرًا. وكذلك التعليم؛ قد يملأ العقول بالمعلومات، لكنه يفقد رسالته إذا لم يربِّ ضميرًا يعرف أن قيمة العلم لا تكتمل إلا حين يقترن بالمسؤولية، وأن الإنسان لا يقاس بما يعرفه فقط، بل بما يفعله بما يعرفه. فربما كان السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا اليوم ليس: كيف نزيد المعرفة؟ بل: كيف نحافظ على البوصلة التي تمنحها معناها؟

دلالات

شارك برأيك

حين تفقد المعرفة بوصلتها

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.