بدأ قطار المونوريل الجديد في القاهرة شق طريقه فوق شوارع العاصمة المزدحمة، معلناً دخول مصر عصر النقل الذكي عبر السكك الحديدية الأحادية. ويمثل هذا المشروع، الذي بلغت كلفته الإجمالية نحو 4.5 مليار دولار، نقلة نوعية في شكل المواصلات العامة، حيث يمر فوق الاختناقات المرورية المعتادة وأدخنة الحافلات التقليدية.
وعلى الرغم من الإشادة الواسعة بمستوى التطور التقني الذي يوفره القطار، إلا أن المشروع يواجه انتقادات تتعلق بتمويله عبر الديون الخارجية. ويرى مراقبون أن استنزاف الموارد المالية في مشاريع ضخمة قد لا يخدم الشريحة الأكبر من المواطنين الذين يعتمدون على وسائل النقل البسيطة والميكروباصات.
أبدى عدد من الركاب الأوائل إعجابهم الشديد بالنظام الجديد، حيث وصفه المهندس رامي سيد بأنه يمنح شعوراً بالتواجد في دولة متقدمة. وأشار إلى أن الانتقال عبر قطارات 'إينوفيا 300' التي تعمل بدون سائق ينهي معاناة سنوات من الزحام داخل حافلات الميكروباص غير المريحة.
يمتد الخط الشرقي للمشروع على مسافة 56 كيلومتراً، ليربط حي مدينة نصر المكتظ بالسكان في شرق القاهرة بالعاصمة الإدارية الجديدة. وتعد العاصمة الإدارية بحد ذاتها مشروعاً عملاقاً في قلب الصحراء، حيث بلغت تكلفة إنشائها حتى الآن نحو 58 مليار دولار لتكون مركزاً إدارياً وتجارياً جديداً.
بالتوازي مع ذلك، تستمر الأعمال الإنشائية في الخط الغربي الذي يمتد بطول 43 كيلومتراً، ليربط ضفة النيل بمدينة السادس من أكتوبر. ويهدف هذا المسار إلى تسهيل الحركة المرورية خلف منطقة أهرامات الجيزة، وربط التوسعات العمرانية الجديدة بقلب العاصمة التاريخية.
تؤكد الحكومة المصرية أن المونوريل سيسهم بشكل فعال في تقليل استهلاك الوقود وجذب الاستثمارات الأجنبية من خلال تحسين البنية التحتية. ومع قدرته الاستيعابية التي تصل إلى 45 ألف راكب في الساعة، تأمل السلطات أن يغير هذا المشروع وجه التنقل في القاهرة الكبرى التي يقطنها 26 مليون نسمة.
في المقابل، يطرح خبراء النقل تساؤلات حول مدى ملاءمة المشروع لاحتياجات السكان الفعلية، خاصة في المناطق العشوائية والمكتظة. فبينما يصرخ سائقو الميكروباصات في المحطات التقليدية لجذب الركاب، يبدو المونوريل بعيداً عن متناول الكثيرين الذين يفضلون المترو الأرضي الأرخص ثمناً.
النقل الحديث لا يعني استخدام تكنولوجيا أكثر إبهاراً، بل يجب خدمة أكبر عدد من الناس بأقل كلفة ممكنة.
أوضحت بسمة حسني، إحدى المواطنات، أنها رغم إعجابها بنظافة وسرعة المونوريل، إلا أنها لا تجد فيه وسيلة عملية لخدمة تنقلاتها اليومية. وتعكس هذه الرؤية وجهة نظر شريحة ترى في المشروع وسيلة ترفيهية أو مخصصة لطبقات اجتماعية معينة بدلاً من كونها حلاً شاملاً لأزمة النقل.
من جانبه، حذر أسامة عقيل، أستاذ هندسة النقل بجامعة عين شمس، من بناء شبكات نقل متطورة في مناطق صحراوية غير مأهولة بالكامل. وأكد أن الأولوية كان يجب أن تمنح لتطوير السكك الحديدية المتهالكة وشبكات الحافلات التي تخدم الملايين في قلب المدن القديمة.
واعتبر عقيل أن الاعتماد على التكنولوجيا المستوردة عالية الكلفة قد يتحول إلى عبء مالي طويل الأمد على الدولة. وشدد على أن مفهوم النقل الحديث يجب أن يرتكز على خدمة أكبر عدد ممكن من الناس بأقل تكلفة اقتصادية، وليس فقط على المظهر التكنولوجي المبهر.
تتراوح أسعار تذاكر المونوريل بين 20 و80 جنيهاً مصرياً، وهو ما يمثل عبئاً مالياً لبعض العمال الذين يتقاضون أجوراً يومية محدودة. ومع ذلك، يرى خالد نظير، وهو عامل في العاصمة الجديدة أن المونوريل وفر عليه وقتاً وجهداً كبيراً مقارنة بوسائل النقل الأخرى التي كانت تكلفه مبالغ مشابهة.
تظل العاصمة الإدارية الجديدة، بواجهاتها الزجاجية الشاهقة ومبانيها الحكومية الفخمة، منطقة قليلة السكان حتى اللحظة. وبحسب تصريحات رسمية، يقطنها نحو 25 ألف نسمة فقط، بينما يتوافد إليها يومياً نحو 50 ألف موظف حكومي لإدارة شؤون الدولة من المقرات الجديدة.
خلال أيام العطلات، يتحول المونوريل إلى مزار سياحي للمصريين الفضوليين الراغبين في استكشاف العاصمة الإدارية من الأعلى. ويوثق الركاب بهواتفهم المحمولة التحول الدرامي في المشهد العمراني، من الكتل الخرسانية المزدحمة إلى الشوارع الواسعة والمساحات الصحراوية الممتدة.
ورغم الانبهار بالتنظيم والحداثة، يعبر بعض المواطنين عن شعور بالاغتراب تجاه هذه المشاريع الجديدة، مثل أحمد جمعة الذي يرى أنها ليست مصممة لعامة الناس. ويبقى التحدي الأكبر أمام الحكومة هو تحويل هذه المشاريع الضخمة إلى أدوات تنمية شاملة يستفيد منها كافة أطياف المجتمع المصري.





شارك برأيك
مونوريل القاهرة: رهان التكنولوجيا في مواجهة تحديات الكلفة والجدوى الاقتصادية