فلسطين

الثّلاثاء 30 يونيو 2026 8:45 مساءً - بتوقيت القدس

الاحتلال يبدأ تسقيف صحن الحرم الإبراهيمي: مخطط لطمس المعالم وتهديد سلامة البناء التاريخي

يواجه الحرم الإبراهيمي الشريف في مدينة الخليل فصلاً جديداً وخطيراً من محاولات تغيير معالمه التاريخية وهويته المعمارية الإسلامية. وشرعت سلطات الاحتلال الإسرائيلي فعلياً في بناء سقف حديدي ضخم فوق المساحة المكشوفة للمسجد، والمعروفة بـ 'صحن الحرم'، مستخدمة آليات ثقيلة ورافعات تم إدخالها إلى الساحات بالتزامن مع إجراءات قمعية شملت منع رفع الأذان.

وأفادت مصادر ميدانية بأن هذه التحركات تأتي لفرض واقع جديد على المعلم الديني والتاريخي، وسط مخاوف متزايدة من قبل الأوقاف الفلسطينية وبلدية الخليل. وتهدف هذه الإجراءات إلى تجريد الهيئات الوطنية من صلاحياتها القانونية والإدارية، وإلغاء دورها الأصيل في إدارة وصيانة الحرم لصالح توسيع البؤر الاستيطانية المحيطة بقلب البلدة القديمة.

من جانبه، أكد رئيس بلدية الخليل يوسف الجعبري أن التحذيرات التي أطلقتها البلدية سابقاً حول سحب الصلاحيات باتت واقعاً ملموساً اليوم. وأوضح الجعبري أن عملية تسقيف الصحن تمثل اعتداءً صارخاً على الصلاحيات التاريخية للأوقاف والبلدية، وخطوة متعمدة لطمس الفن المعماري الإسلامي الذي يميز الحرم منذ قرون طويلة.

وفي سياق التحذيرات الفنية، أشار توفيق جحشن، رئيس الدائرة القانونية بلجنة إعمار الخليل، إلى المخاطر الإنشائية الكبيرة التي يفرضها مشروع التسقيف. وأوضح أن الصحن المفتوح يمثل رئة التنفس والتهوية الطبيعية للمبنى الأثري القديم، وأن إغلاقه سيؤدي حتماً إلى احتباس الرطوبة داخل الجدران التاريخية وتآكل حجارتها، مما قد يتسبب في تصدعات خطيرة تهدد سلامة المسجد.

هذه الخطوة لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت تتويجاً لمسار تصاعدي بدأ مطلع العام الجاري برعاية مباشرة من وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش. ففي يناير الماضي، صادق ما يسمى بالمجلس الأعلى للتخطيط التابع للإدارة المدنية على سحب صلاحيات التخطيط المتعلقة بالحرم من بلدية الخليل، وذلك لتجاوز رفض البلدية المتكرر لمنح تراخيص لمشاريع تهويدية داخل المسجد.

وتعززت هذه الإجراءات في فبراير الماضي بقرارات من المجلس الوزاري المصغر 'الكابينت'، والتي شملت إلغاء قوانين تاريخية كانت تنظم ملكية الأراضي في الضفة الغربية. وتبع ذلك نقل كامل صلاحيات ترخيص البناء في الخليل من البلدية الفلسطينية إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية، في خطوة تهدف لشرعنة التوسع الاستيطاني داخل الأحياء العربية.

ومع انتصاف شهر يونيو الجاري، أعلن سموتريتش رسمياً إتمام إجراءات نقل المسؤولية التخطيطية بالكامل إلى الجانب الإسرائيلي، معتبراً ذلك جزءاً من خطة فرض السيادة الميدانية. وبدأت الآليات الإسرائيلية في الثالث والعشرين من الشهر ذاته بإزالة المظلة التاريخية الموجودة في الصحن، كخطوة تمهيدية لتركيب السقف الحديدي الجديد الذي يغير ملامح المكان.

ويمثل هذا التحرك الإسرائيلي خرقاً فاضحاً لـ 'بروتوكول الخليل' الموقع عام 1997 بين منظمة التحرير وإسرائيل، والذي قسم المدينة إلى منطقتين أمنيتين. ورغم وقوع الحرم ضمن منطقة السيطرة الأمنية الإسرائيلية 'إتش 2'، إلا أن الاتفاق نص صراحة على بقاء الصلاحيات المدنية، بما فيها التخطيط والبناء والبنية التحتية، بيد بلدية الخليل الفلسطينية.

ويسعى الاحتلال من خلال قراراته الأخيرة إلى إلغاء هذا البند القانوني بشكل نهائي، حيث أقر بناء مدرسة دينية يهودية بمساحة تصل إلى ألف متر مربع قرب مستوطنة 'بيت رومانو'. وتتم هذه الإنشاءات دون أي تنسيق أو موافقة من الجهات الفلسطينية المختصة، مما يعكس رغبة الاحتلال في تقليص دور المؤسسات الوطنية الفلسطينية إلى أدنى مستوياته.

ويحذر مسؤولون فلسطينيون من أن هذه التغييرات تستهدف وضع الحرم الإبراهيمي، المدرج على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر لدى منظمة 'اليونسكو' منذ عام 2017، في دائرة التهديد المباشر. فالتغيير المعماري لا يمس فقط القدسية الدينية للمكان، بل يضرب بعرض الحائط القوانين الدولية التي تحمي المواقع الأثرية والتاريخية في المناطق المحتلة.

وتعود جذور هذا المخطط التهويدي إلى عام 1994، عقب المجزرة البشعة التي ارتكبها مستوطن داخل الحرم وأدت لاستشهاد 29 مصلياً، حيث استغل الاحتلال الحادثة لتقسيم المسجد زمانياً ومكانياً. ومنذ ذلك الحين، توالت الإجراءات التي ضيقت الخناق على المصلين عبر نشر أكثر من 120 حاجزاً عسكرياً ونقطة تفتيش تحيط بالبلدة القديمة وتمنع حرية العبادة.

ويرى مراقبون أن نقل الصلاحيات التخطيطية إلى المجلس الديني لمستوطنة 'كريات أربع' يمثل المرحلة الأخيرة في خطة عزل الحرم الإبراهيمي عن محيطه الفلسطيني. وتهدف هذه السياسة إلى تحويل المسجد إلى كنيس يهودي عبر فرض السيطرة الإنشائية والإدارية الكاملة، وتكثيف الحواجز الإلكترونية لتقييد وصول الفلسطينيين، وتأمين التوسع الاستيطاني في قلب الخليل.

دلالات

شارك برأيك

الاحتلال يبدأ تسقيف صحن الحرم الإبراهيمي: مخطط لطمس المعالم وتهديد سلامة البناء التاريخي

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.