اسرائيليات

الأربعاء 24 يونيو 2026 3:30 مساءً - بتوقيت القدس

فانس يرسم حدوداً جديدة للعلاقة مع إسرائيل: 'أمريكا أولاً' تنهي زمن الاستثناءات

يشهد البيت الأبيض تحولاً غير مسبوق في إدارة العلاقة مع إسرائيل، حيث برز نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس كصوت حاد يتبنى مبدأ 'أمريكا أولاً' بشكل صارم. هذا التوجه الجديد يضع المصالح القومية للولايات المتحدة فوق أي اعتبارات تاريخية أو تحالفات تقليدية كانت تُعتبر في السابق 'تابوهات' لا يمكن المساس بها، خاصة فيما يتعلق بالنفوذ الإسرائيلي في واشنطن.

ويرى فانس، الذي يمثل جيلاً جديداً من النخب السياسية أن الدعم الوجودي لإسرائيل لا يعني بالضرورة التطابق التام مع سياساتها في الشرق الأوسط، لاسيما عندما تتعارض تلك السياسات مع الأهداف الأمريكية. وقد تجلى هذا الموقف في تصريحاته التي شددت على ضرورة التمييز بين انتقاد الحكومة الإسرائيلية وبين تهمة 'معاداة السامية' التي كانت تُستخدم لإسكات المعارضين.

وفي خطوة أثارت صدمة في تل أبيب، قاد فانس المسار الدبلوماسي مع طهران، والذي توج بتوقيع مذكرة تفاهم لإنهاء حالة الحرب بين البلدين. هذا الاتفاق الذي وُقع بين الرئيسين ترمب وبزشكيان في مواقع منفصلة، يعكس رغبة الإدارة الحالية في إغلاق ملف النزاعات العسكرية الكبرى في المنطقة، وهو ما تراه إسرائيل تهديداً مباشراً لأمنها القومي.

ولم يتردد فانس في توجيه انتقادات مباشرة ولاذعة لوزراء في الحكومة الإسرائيلية، وتحديداً إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، رداً على معارضتهما للاتفاق مع إيران. وتساءل فانس باستنكار عن بدائلهم المقترحة، مشيراً إلى أن دولة تعدادها تسعة ملايين نسمة لا يمكنها الاعتماد على القوة العسكرية وحدها لحل كافة معضلاتها الأمنية.

وفي لغة اتسمت بالصراحة المفرطة، ذكّر نائب الرئيس الأمريكي المسؤولين الإسرائيليين بأن ترسانتهم العسكرية تعتمد بشكل أساسي على التمويل والصناعة الأمريكية. وأوضح أن ثلثي الأسلحة التي استخدمتها إسرائيل مؤخراً هي نتاج أموال دافعي الضرائب الأمريكيين، في إشارة واضحة إلى أن واشنطن تملك أوراق ضغط قوية يمكن استخدامها عند الضرورة.

وتعود جذور التوتر بين فانس والقيادة الإسرائيلية إلى زيارته الوحيدة لتل أبيب في أكتوبر 2025، حيث شعر بالإهانة الشخصية نتيجة تحركات الكنيست لتوسيع السيادة في الضفة الغربية. واعتبر فانس تلك الخطوة مناورة سياسية غبية واستفزازاً مباشراً لإدارة ترمب التي كانت تسعى حينها لتثبيت وقف إطلاق النار في قطاع غزة.

ويعتقد مراقبون أن فانس يتبنى دور 'الشرطي السيئ' في إدارة ترمب، وهو دور يتجاوز فيه الصمت التقليدي الذي كان يلتزم به نواب الرؤساء السابقون. فمنذ خطابه في مؤتمر ميونيخ للأمن، أرسل فانس رسائل واضحة للحلفاء والخصوم على حد سواء بأن هناك 'شريفاً جديداً في المدينة' لا يتردد في المواجهة العلنية.

ويرتبط الطموح السياسي لفانس بشكل وثيق بنجاح الملف الإيراني، حيث يرى في تحقيق سلام مستدام مع طهران تذكرة عبور قوية نحو الانتخابات الرئاسية لعام 2028. هذا الرهان يفسر دفاعه المستميت عن مذكرة التفاهم، وهجومه الاستباقي على أي محاولات إسرائيلية قد تهدف إلى تخريب هذا المسار الدبلوماسي التاريخي.

وتشير مصادر إلى أن فانس بات يسيطر بشكل شبه كامل على ملفات الشرق الأوسط الحساسة، متفوقاً في نفوذه على وزير الخارجية ماركو روبيو. هذا الحضور القوي يعزز من صورة فانس كمهندس للسياسة الخارجية الجديدة التي تسعى لتقليص التدخلات العسكرية الأمريكية المباشرة والتركيز على الصفقات الكبرى التي تخدم الاقتصاد الأمريكي.

وعلى الصعيد الداخلي الأمريكي، يواجه فانس نفوذ 'إيباك' واللوبيات المؤيدة لإسرائيل بنبرة لم يعهدها الكونغرس من قبل، مستفيداً من حالة التململ الشعبي تجاه الحروب الخارجية. ويرى فانس أن على القادة الأمريكيين الحذر من الانجرار خلف أجندات دول أخرى، حتى لو كانت تلك الدول حليفة استراتيجية مثل إسرائيل.

إن أسلوب فانس في التعامل مع الأزمات الدولية، كما ظهر في مشادته الشهيرة مع الرئيس الأوكراني زيلينسكي، يؤكد أنه لا يقيم وزناً للبروتوكولات الدبلوماسية إذا ما تعارضت مع كبرياء الدولة الأمريكية. هذا النهج 'المتنمر' أحياناً يهدف إلى إجبار الحلفاء على تقديم تنازلات تتماشى مع رؤية ترمب للعالم.

وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، يلتزم فانس بخط الإدارة الذي يرفض ضم الضفة الغربية، معتبراً أن أي تحرك أحادي من جانب إسرائيل يمثل خروجاً عن التفاهمات مع واشنطن. وتؤكد مصادر أن فانس أبلغ الجانب الإسرائيلي بوضوح أن الدعم الأمريكي ليس شيكاً على بياض، وأن هناك أثماناً سياسية يجب دفعها مقابل الحماية.

ويبدو أن العلاقة بين واشنطن وتل أبيب دخلت مرحلة 'الاختبار غير المألوف'، حيث لم تعد العواطف التاريخية هي المحرك الأساسي للقرار السياسي. فانس، بخلفيته العسكرية في مشاة البحرية ودراسته للحقوق في جامعة يال، يطبق منطقاً قانونياً وعملياً صارماً في إدارة التحالفات، بعيداً عن الأيديولوجيات التقليدية.

ختاماً، يمثل جي دي فانس رأس الحربة في مشروع إعادة تعريف الهوية السياسية للولايات المتحدة في القرن الحادي والعشرين. وإذا ما استمر في هذا المسار، فإن 'الاستثناء الإسرائيلي' قد يصبح جزءاً من الماضي، ليحل محله نموذج تعاقدي يقوم على المصالح المتبادلة والندية، وهو ما قد يغير وجه الشرق الأوسط لعقود قادمة.

دلالات

شارك برأيك

فانس يرسم حدوداً جديدة للعلاقة مع إسرائيل: 'أمريكا أولاً' تنهي زمن الاستثناءات

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.