عربي ودولي

الخميس 04 يونيو 2026 11:09 صباحًا - بتوقيت القدس

تونس ومأزق العدالة: قراءة في تداعيات الأحكام القضائية ضد المعارضة

تمر تونس اليوم بمنعطف تاريخي يتجاوز مجرد الصراعات السياسية التقليدية، حيث تتحول الوقائع القضائية إلى أسئلة وجودية تمس جوهر العدالة ومصير الوطن. إن الأحكام الثقيلة الصادرة مؤخراً في قضية ما يُعرف بـ 'الجهاز السري' تضع البلاد أمام وقفة ضمير تستدعي تأملاً عميقاً في المسار الذي آلت إليه الأوضاع بعد عقود من النضال.

لقد شهدت تونس منذ استقلالها تجارب متباينة في بناء الدولة الوطنية، بدأت بوضع الأسس الحديثة في عهد بورقيبة رغم ضيق مساحة التعددية. ثم تلتها مرحلة بن علي التي اتسمت بتمدد القبضة الأمنية وتراكم المظالم، مما دفع بآلاف التونسيين إلى غياهب السجون والمنافي القسرية.

جاءت ثورة الحرية والكرامة عام 2011 كفرصة استثنائية لبناء نموذج ديمقراطي عربي ناجح يعتمد التداول السلمي على السلطة. وكان الأمل معقوداً على إدارة الاختلافات عبر صناديق الاقتراع والمؤسسات الدستورية بدلاً من سياسات الإقصاء والزنازين التي طبعت العهود السابقة.

إلا أن هذا الانتقال الديمقراطي واجه مقاومة شرسة من قوى متعددة، بعضها ينتمي للمنظومات القديمة وبعضها استثمر في حالة الاستقطاب الحاد. هذا الصراع المفتوح استنزف طاقات الوطن وأحلام الشباب، محولاً الثورة من جسر نحو المستقبل إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية.

وعند النظر إلى الأحكام القضائية الأخيرة التي تراوحت بين السجن المؤبد وعشرات السنين، يبرز الأثر النفسي والإنساني العميق الذي تتركه في الوعي العام. فالقضية هنا تخرج من إطارها القانوني الضيق لتلامس فضاء الإنسان وحقوقه الأساسية في العيش بكرامة وحرية.

خلف هذه الأرقام الصارمة توجد حكايات إنسانية وعائلات تنتظر خلف الأبواب المغلقة، وأعمار تضيع في غياهب السجون. إن اسم راشد الغنوشي، الذي تجاوز الثمانين من عمره، يختزل مسيرة طويلة من الفكر والسياسة والملاحقة التي لم تنتهِ حتى في خريف عمره.

كذلك تحضر سيرة علي العريض، الرجل الذي قضى سنوات طويلة من شبابه في السجون خلال الحقبة الماضية، ليجد نفسه اليوم أمام مصير مشابه. هذا الواقع يطرح سؤالاً موجعاً حول ما إذا كان قد كُتب على بعض المناضلين العرب أن يقضوا حياتهم كاملة بين جدران الزنازين.

ولا تقتصر دائرة الألم على تيار بعيده، بل تشمل أسماء من مختلف التوجهات في قضية 'التآمر'، مثل جوهر بن مبارك وأحمد نجيب الشابي وغيرهم. هنا يتراجع الجدل الأيديولوجي أمام المشهد الإنساني للعائلات التي تدفع أثماناً باهظة نتيجة الصراعات السياسية الكبرى في البلاد.

قصة المناضل عز الدين الحزقي، والد جوهر بن مبارك، تعكس هذا الوجع الإنساني بوضوح وهو يصارع المرض متمنياً رؤية ابنه حراً. إنها صورة تختصر مأساة الأب الذي يتشبث بالحياة لا لشيء إلا ليعانق فلذة كبده بعيداً عن قضبان السجن وضيق الزنزانة.

وفي هذا السياق، يبرز اسم الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي كرمز للنضال الحقوقي الذي دفع ثمن انحيازه للكرامة الإنسانية. لقد كان المنفى قدراً عائلياً ممتداً للمرزوقي، مما يجسد مأساة الإنسان العربي الذي يرفض أن تكون الحرية منحة مؤقتة من حاكم أو سلطة.

إن تجارب التاريخ تؤكد أن قوة الدول لا تُقاس بأعداد المعتقلين في سجونها، بل بمدى قدرتها على إشراك مواطنيها في صناعة المستقبل. الاستقرار الحقيقي لا ينبع من الخوف أو الإقصاء، بل من الشعور بالمساواة أمام القانون وصون الكرامة الإنسانية للجميع.

لقد استنزفت الصراعات بين الأنظمة وحركات الإسلام السياسي في العالم العربي طاقات الشعوب لعقود طويلة دون جدوى حقيقية. وكانت النتيجة دائماً خسارة مشتركة تطال السلطة والمعارضة والمجتمع، وتعرقل مسيرة التنمية والنهوض الوطني المنشود.

تونس، التي كانت يوماً ملهمة للشعوب بشعار الحرية، لا تزال تملك فرصة لاستعادة روح تلك اللحظة التاريخية النبيلة. فالعدالة الحقيقية لا تتناقض أبداً مع الرحمة والحكمة، وحماية كيان الدولة لا تتطلب بالضرورة التضحية بالمصالحة الوطنية الشاملة.

في الختام، تظل الأمم العظيمة هي تلك التي تمتلك الشجاعة الكافية لمراجعة مساراتها وتصحيح أخطائها بروح من المسؤولية. إن وضع مستقبل الأجيال القادمة فوق أحقاد اللحظة الراهنة هو السبيل الوحيد لبناء دولة قوية ومستقرة تحترم إنسانها.

دلالات

شارك برأيك

تونس ومأزق العدالة: قراءة في تداعيات الأحكام القضائية ضد المعارضة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.