أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر عن توجهات سياسية جديدة تهدف إلى إنهاء سنوات من الجفاء الدبلوماسي مع الاتحاد الأوروبي، مؤكداً رغبته في إعادة تموضع المملكة المتحدة داخل القارة العجوز. وجاءت هذه التصريحات في خطاب مفصلي حمل أبعاداً اقتصادية واضحة، حيث يسعى ستارمر إلى تجاوز تداعيات 'بريكست' التي أثرت سلباً على معدلات النمو والتبادل التجاري.
وشدد ستارمر على أن حكومته ستعمل جاهدة لإعادة البلاد إلى ما وصفه بـ 'قلب أوروبا'، من خلال بناء علاقات أوثق تعزز التعاون في مجالات الدفاع والأمن والتجارة. ويرى رئيس الوزراء أن هذا التحول ضروري لمواجهة التحديات الاقتصادية المتزايدة والضغوط الاجتماعية التي ترهق كاهل المواطن البريطاني في الآونة الأخيرة.
وفي انتقاد مباشر للتيارات اليمينية المؤيدة للانفصال، اعتبر ستارمر أن مغادرة الاتحاد الأوروبي جعلت بريطانيا 'أفقر وأضعف'، وهو ما يمثل تحدياً صريحاً لمواقف نايجل فاراج وزعماء حزب 'إصلاح المملكة المتحدة'. وأشار إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب واقعية سياسية بعيداً عن الشعارات التي أدت إلى تراجع المكانة الدولية للندن.
وتستعد لندن لعقد قمة مرتقبة مع الاتحاد الأوروبي في نهاية شهر يونيو أو مطلع يوليو المقبل، حيث من المتوقع أن تطرح الحكومة البريطانية 'مساراً جديداً' للتعاون الثنائي. وتهدف هذه التحركات إلى تقليل الفجوة التنظيمية مع بروكسل وفتح آفاق جديدة للشركات البريطانية المتعثرة بسبب القيود الجمركية.
وكشفت مصادر عن نية الحكومة إعداد تشريعات تسمح بـ 'المواءمة الديناميكية' للمعايير البريطانية مع نظيراتها الأوروبية، لا سيما في قطاع الأغذية والمنتجات الزراعية. وتهدف هذه الخطوة التقنية إلى تسهيل حركة البضائع عبر الحدود وتقليل التعقيدات الإدارية التي واجهت المصدرين منذ دخول اتفاقية التجارة والتعاون حيز التنفيذ.
خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي جعل البلاد أفقر وأضعف، وسنعمل على بناء مسار جديد يعيدنا إلى قلب القارة.
وعلى صعيد التعليم والشباب، تأمل الحكومة البريطانية في التوصل إلى اتفاق يتيح إعادة انضمام المملكة المتحدة إلى برنامج التبادل الطلابي الأوروبي الشهير 'إيراسموس+' بحلول عام 2027. كما تجري نقاشات أولية حول برنامج لتنقل الشباب يهدف إلى توفير فرص عمل وتدريب متبادلة، مما يعزز الروابط الثقافية والمهنية مع القارة.
وبعيداً عن السياسة الخارجية، يواجه ستارمر عاصفة داخلية داخل حزب العمال بعد النتائج المخيبة للآمال في الانتخابات المحلية الأخيرة، والتي وصفت بأنها الأسوأ للحزب منذ عقود. ورغم تصاعد الأصوات المطالبة بالتغيير، أكد ستارمر بوضوح أنه 'لن ينسحب'، مشدداً على تمسكه بقيادة الحكومة والحزب لتنفيذ برنامجه الإصلاحي.
وأقر رئيس الوزراء بوجود حالة من الإحباط العام تجاه السياسة وتجاه أدائه الشخصي، لكنه تعهد بإثبات خطأ المشككين في قدرته على القيادة. وحذر ستارمر نواب حزبه من أن الانقسامات الداخلية لن تخدم سوى القوى الشعبوية الصاعدة، مثل حزب 'إصلاح المملكة المتحدة' الذي بدأ يسحب البساط من تحت أقدام الأحزاب التقليدية.
وتتضمن خطة ستارمر الاقتصادية توسيع تدخل الدولة في قطاعات استراتيجية، وعلى رأسها صناعة الصلب البريطانية التي تعاني من أزمات هيكلية. ويهدف هذا التوجه إلى حماية الوظائف وضمان السيادة الصناعية للبلاد في ظل التوترات الجيوسياسية العالمية التي تفرض إعادة تقييم لسلاسل التوريد.
ومن المنتظر أن يعلن الملك تشارلز الثالث تفاصيل هذه التوجهات التشريعية في خطابه المرتقب أمام البرلمان، والذي سيحدد أولويات الحكومة للمرحلة القادمة. وتمثل هذه الخطوات اختباراً حقيقياً لقدرة حزب العمال على الموازنة بين متطلبات التقارب مع أوروبا والحفاظ على قاعدته الشعبية التي لا تزال منقسمة حول إرث 'بريكست'.





شارك برأيك
ستارمر يتمسك بالسلطة ويقود بريطانيا نحو تقارب استراتيجي مع الاتحاد الأوروبي