عربي ودولي

الأربعاء 22 أبريل 2026 3:37 مساءً - بتوقيت القدس

أوروبا تشدد سياسات اللجوء: تراجع حاد في قبول طلبات السوريين وتصاعد المخاطر على الأقليات

تواجه الأقليات السورية في القارة الأوروبية موجة غير مسبوقة من رفض طلبات اللجوء، في ظل توجه سياسي متشدد تتبناه الحكومات الغربية عقب الإطاحة بنظام بشار الأسد. وتشير البيانات الرسمية إلى أن السلطات الأوروبية بدأت في تغيير معاييرها القانونية، معتبرة أن انتهاء الحرب الأهلية التي استمرت 14 عاماً يقلل من الحاجة التلقائية للحماية الدولية.

وأظهرت إحصائيات وكالة الاتحاد الأوروبي المعنية بشؤون اللجوء تراجعاً حاداً في معدلات القبول، حيث تم رفض أكثر من 27 ألف طلب لجوء سوري خلال عام 2025 من إجمالي نحو 38 ألف طلب. هذا الانخفاض يمثل تحولاً جذرياً، إذ هوت نسبة القبول من 90% في العام السابق إلى نحو 28% فقط، مما يضع آلاف العائلات في مأزق قانوني وإنساني.

وفي شهادات ميدانية، روى طالب سوري يدعى محمد تفاصيل اقتحام مسلحين لمنزل عائلته في مدينة جبلة الساحلية، مما اضطرهم للفرار والتنقل بين المنازل قبل الوصول إلى أمستردام. ورغم تقديم وثائق تثبت تعرضهم للترهيب، قوبل طلبه بالرفض في غضون أسابيع، بذريعة عدم وجود خطر شخصي مباشر يهدد حياته في الوقت الراهن.

وتعكس هذه الحالات فجوة واسعة بين التوجيهات النظرية للاتحاد الأوروبي والتطبيق العملي على الأرض؛ فبينما تقر التوجيهات بأن العلويين والدروز والأكراد يواجهون مخاطر اضطهاد، تصر دوائر الهجرة على تقييم كل حالة بشكل فردي صارم. ويرى خبراء في الهجرة أن هذا التشدد ليس مجرد إجراء قانوني، بل هو انعكاس لضغوط الأحزاب اليمينية المتصاعدة في أوروبا.

وفي ألمانيا، التي كانت الوجهة المفضلة للسوريين لسنوات، بدأت السلطات في التخطيط لعمليات ترحيل فعلية، معتبرة أن الظروف في سوريا قد تغيرت جوهرياً. وسجلت نسب قبول لجوء الأقليات في ألمانيا أرقاماً متدنية، حيث لم تتجاوز نسبة قبول الدروز 9.1%، بينما بلغت للأكراد نحو 11.8%، وهي أرقام تثير قلق المنظمات الحقوقية الدولية.

من جانبها، تحاول الحكومة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع طمأنة المجتمع الدولي والأقليات في الداخل، مؤكدة التزامها بحماية جميع المواطنين دون تمييز. ومع ذلك، لا تزال التقارير الميدانية تشير إلى وقوع حوادث عنف واستهداف طائفي في مناطق مختلفة، مما يعزز شكوك الأقليات تجاه قدرة الدولة على بسط سيطرتها الكاملة.

وفي السويداء، يعيش المجتمع الدرزي حالة من التوتر الأمني، حيث وثقت مصادر وقوع اشتباكات مسلحة وعمليات تبادل أسرى بين فصائل محلية وعشائر عربية. هذه الاضطرابات دفعت الكثيرين، مثل الناشط عماد عبيد، إلى التمسك بطلبات لجوئهم في الخارج، خوفاً من تعرض عائلاتهم لعمليات انتقامية أو تمييز في ظل غياب الاستقرار التام.

وتشير تقارير حقوقية إلى أن رفض طلبات اللجوء يستند غالباً إلى حجج إجرائية، مثل مرور مقدم الطلب بدولة أخرى أو اعتبار روايته 'عامة جداً'. وتؤكد المحامية كلير مين أن السلطات في دول مثل هولندا تحاول جاهدة إيجاد ثغرات لرفض الملفات، حتى لتلك الفئات المصنفة رسمياً بأنها معرضة للخطر مثل الطائفة العلوية.

المفوض الأوروبي للشؤون الداخلية، ماجنوس برونر، دافع عن هذه الإجراءات معتبراً أنها ليست عشوائية بل تستند إلى تقييمات دقيقة لكل حالة. وأوضح أن الوضع في سوريا لا يزال 'شديد الصعوبة'، لكنه شدد على أن الحماية الدولية تمنح فقط لمن يثبت وجود تهديد مباشر وحقيقي يمنعه من العودة إلى وطنه.

وفي فرنسا، ورغم أن المكتب الفرنسي لحماية اللاجئين (أوفبرا) أعلن عن نسبة حماية تصل إلى 85% للسوريين، إلا أن هناك حالات موثقة لأفراد من الأقليات قوبلت طلباتهم بالرفض. هذا التباين بين الدول الأوروبية يزيد من حالة الإحباط لدى اللاجئين الذين يجدون أنفسهم عالقين في دوامة من الإجراءات البيروقراطية الطويلة.

وتحذر فيونوالا ني أولين، المسؤولة في الأمم المتحدة، من أن العنف المستمر في الساحل السوري وشمال شرق البلاد يشير إلى تساؤلات جوهرية حول سيادة القانون. وتساءلت عما إذا كانت الدولة الجديدة قادرة فعلياً على محاسبة القياديين المسؤولين عن الانتهاكات، وهو ما يجب أن يؤخذ في الاعتبار عند تقييم طلبات اللجوء.

وعلى المستوى الاجتماعي في أوروبا، أدى وصول أكثر من مليون لاجئ منذ عام 2015 إلى تغيير الخارطة السياسية، مما جعل ملف الهجرة ورقة انتخابية رابحة للتيارات القومية. ويضغط سياسيون في هولندا وألمانيا لتقليل عدد الملاجئ الطارئة عبر تسريع وتيرة عودة السوريين إلى بلادهم، معتبرين أن 'السلامة المفترضة' باتت واقعاً.

بالنسبة للاجئين مثل سلمان، الذي ترك عائلته في سوريا أملاً في لم شملهم لاحقاً، فإن قرار الرفض يمثل حكماً بالإعدام المعنوي. ويقول سلمان والدموع في عينيه إن العودة إلى سوريا في ظل الظروف الراهنة تعني 'الانتحار'، مؤكداً أن الخطر الذي فر منه لا يزال قائماً رغم تغير الوجوه في السلطة.

ختاماً، يبقى ملف اللاجئين السوريين في أوروبا مفتوحاً على احتمالات التصعيد القانوني والإنساني، في ظل صراع بين الالتزامات الحقوقية الدولية والضغوط السياسية الداخلية. ومع استمرار حالة عدم اليقين في سوريا، تظل الأقليات هي الحلقة الأضعف في معادلة اللجوء والعودة القسرية التي تلوح في الأفق الأوروبي.

دلالات

شارك برأيك

أوروبا تشدد سياسات اللجوء: تراجع حاد في قبول طلبات السوريين وتصاعد المخاطر على الأقليات

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.