تبرز في المشهد السياسي الجزائري ظاهرة سوسيولوجية لافتة تتمثل في تصدر مجموعة من المثقفين والمهنيين المنحدرين من عائلات عسكرية مرموقة لصفوف المعارضة. ومن أبرز هذه الوجوه الإعلامي إحسان قاضي، الذي دفع ثمن مواقفه بسجن استمر نحو عامين وإغلاق مؤسسته الإعلامية، وهو نجل ضابط سابق في المخابرات الجزائرية إبان ثورة التحرير، مما يضعنا أمام حالة من التمرد الفكري داخل النواة الصلبة للنظام.
لا تقتصر هذه الظاهرة على قطاع الإعلام، بل تمتد لتشمل الكوادر الطبية والحقوقية، كما هو الحال مع طبيبة النساء أميرة بوراوي. بوراوي التي تسببت رحلتها إلى فرنسا في أزمة دبلوماسية حادة بين الجزائر وباريس، هي ابنة جنرال سابق كان يتولى رئاسة قطاع الصحة العسكرية، وقد كانت من أوائل الذين خرجوا للشارع رفضاً للعهدة الرابعة للرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة ضمن حركة 'بركات'.
وفي سياق الحراك الشعبي، ظهرت أسماء أخرى مثل الممثلة عديلة بن ديمراد التي استغلت الفضاءات العامة لفتح نقاشات سياسية وفكرية بين المواطنين على سلالم المسرح الوطني. هذه المبادرات ساهمت في كسر حاجز الخوف واستعادة الحق في التعبير، حيث التقت النخب البرجوازية مع مناضلي الأحزاب اليسارية وشباب الأحياء الشعبية في حوارات لم تكن معهودة من قبل في الساحة الجزائرية.
كما يبرز اسم الطبيب الحقوقي سيف الإسلام بن عطية، الذي حاول مأسسة نشاطه عبر تأسيس حزب سياسي يستهدف فئة الشباب التي أفرزتها تجربة الحراك. ورغم محاولاته الانفتاح على مختلف التيارات الفكرية، إلا أن مشروعه واجه عقبات إدارية حالت دون اعتماده، مما يعكس الصعوبات التي تواجهها النخب الجديدة في اختراق المنظومة السياسية القائمة.
المفارقة تكمن في أن هؤلاء الناشطين يطالبون بإصلاح النظام السياسي الذي ساهم آباؤهم بقوة في إنتاجه وتثبيت أركانه.
إن القاسم المشترك بين هذه الشخصيات، بعيداً عن تخصصاتهم العلمية الرفيعة في الطب والاقتصاد والسينما، هو انتماؤهم الطبقي والجغرافي المتنوع الذي يشمل كافة ربوع الجزائر. فمن تلمسان غرباً إلى سوق أهراس شرقاً، وصولاً إلى منطقة القبائل وبرج بوعريريج، نجد أن هؤلاء الناشطين يمثلون الفئات الوسطى الحضرية التي حاولت قيادة الحراك وتوجيهه نحو مطالب سياسية جذرية.
ويرى مراقبون أن توجه هؤلاء الأبناء نحو المعارضة يمثل رغبة في إصلاح النظام الذي ساهم الآباء في بنائه، خاصة وأن الكثير من هؤلاء الضباط السامين أنفسهم لم يكونوا على توافق دائم مع التوجهات السياسية في السنوات الأخيرة. وقد شكل رفض العهدة الخامسة لبوتفليقة الشرارة التي وحدت هذه الفئات مع القواعد الشعبية في مسيرات عارمة طالبت بالتغيير الشامل.
وعلى الرغم من الزخم الذي أحدثته هذه النخب، إلا أن الحراك ظل يعاني من إشكالية تاريخية تتمثل في عدم القدرة على إنتاج قيادة موحدة تتفاوض باسمه. وقد استغل النظام هذا الضعف، مستفيداً من تجاربه السابقة في التعامل مع الحركات الاجتماعية، ليظل الصراع بين طموحات جيل الأبناء وإرث جيل الآباء قائماً دون حسم نهائي للمسار الديمقراطي.





شارك برأيك
صراع الأجيال في الجزائر: عندما يواجه أبناء الضباط النظام الذي أسسه الآباء