أقلام وأراء

الأحد 19 أبريل 2026 2:52 مساءً - بتوقيت القدس

تعدد القراءات والمواقف من العدوان على إيران: رؤية في التداعيات الإقليمية والمحلية

تخلق الأحداث الكبرى بطبيعتها حالة من التباين الحاد في المواقف والتموضعات السياسية، وهو ما تجلى بوضوح عقب العدوان الأمريكي الإسرائيلي الأخير على إيران. هذا الانقسام في الرأي العام العربي والإسلامي يعكس تعقيد المشهد، حيث تداخلت خيوط الصراع العسكري مع الحسابات السياسية والمذهبية المعقدة في المنطقة.

إن تشعب المواجهات العسكرية ووصول الضربات الإيرانية إلى أهداف مدنية ومنشآت حيوية في دول الخليج ساهم في خلط الأوراق بشكل كبير. هذا التطور دفع قطاعات واسعة لإعادة تقييم مواقفها، في حين ظل آخرون متمسكين بقناعاتهم المسبقة التي تحكمها الولاءات السياسية أو الخصومات التاريخية مع طهران.

يرتكز الموقف المتوازن من هذه الأزمة على ثلاثة أبعاد أساسية تبدأ برفض وإدانة العدوان الأمريكي الإسرائيلي بشكل قاطع. وفي المقابل، لا يمكن القبول بالضربات التي استهدفت المنشآت المدنية في دول الخليج، مع ضرورة التأكيد على حق الشعب الإيراني في الحرية والحياة الكريمة بعيداً عن القمع.

لم يكن رفض العدوان الخارجي على إيران مجرد حالة عاطفية، بل جاء نتيجة تقدير دقيق للموقف وتداعياته على الأمة بأكملها. فالمشروع الذي تقوده واشنطن وتل أبيب يهدف صراحة إلى إعادة رسم خرائط المنطقة وتشكيل 'شرق أوسط جديد' تكون فيه السيادة المطلقة للكيان الصهيوني.

هذا المشروع الصهيوني وجد صدى لدى بعض الأنظمة العربية الهشة التي سارعت نحو التطبيع، معتبرة إياه طوق نجاة لبقائها. وتلعب الأيديولوجيا الصهيونية المسيحية دوراً محورياً في توجيه السياسة الأمريكية الحالية، حيث يُنظر لدعم إسرائيل كواجب ديني مقدس يتجاوز المصالح السياسية التقليدية.

إن استهداف إيران لم يكن بسبب هويتها المذهبية أو العرقية، بل لأنها مثلت نموذجاً استعصى على التطويع الأمريكي منذ عام 1979. وبالرغم من الملاحظات على سياساتها، إلا أنها تظل حجر عثرة أمام التمدد الصهيوني الكامل في المنطقة، وهو ما يفسر الإصرار الغربي على تحجيم نفوذها وقدراتها.

فشل العدوان في تحقيق أهدافه الاستراتيجية، المتمثلة في تدمير البرنامج النووي وإسقاط النظام، لا يعد مكسباً لطهران وحدها بل للمنطقة ككل. هذا الإخفاق يعرقل مشروع الهيمنة الصهيونية ويمنح شعوب المنطقة أملاً في القدرة على مواجهة مخططات التفتيت والتبعية التي تفرضها القوى الكبرى.

تمتلك إيران، كغيرها من الدول، حقاً مشروعاً في امتلاك التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية وفقاً للمعاهدات الدولية. ورغم الفتاوى الدينية التي تحرم السلاح النووي، إلا أن الرغبة الأمريكية في منع أي دولة إسلامية من امتلاك المعرفة التقنية تظل هي المحرك الأساسي للاعتداءات المتكررة.

لقد نجحت القوى الغربية سابقاً في تدمير المشروع النووي العراقي السلمي، كما مارست ضغوطاً هائلة أجبرت ليبيا على التخلي عن طموحاتها التقنية. وتظل باكستان الاستثناء الوحيد الذي أفلت من هذه الرقابة الصارمة بفضل ظروف إقليمية ودولية معقدة مكنتها من بناء رادعها النووي الخاص.

إن خطر المشروع الصهيوني لن يتوقف عند حدود إيران، بل يمتد ليشمل دولاً أخرى مثل سوريا وتركيا ومصر والسعودية. لذا فإن إدانة العدوان هي 'واجب الوقت' للدفاع عن الذات الجماعية للأمة، بغض النظر عن الخلافات العميقة مع السياسات الإيرانية الداخلية أو تدخلاتها الإقليمية.

يجب أن يظل الحوار الجدي والمخلص هو السبيل الوحيد لحل المشكلات القائمة مع إيران تمهيداً لبناء قوة إسلامية موحدة. إن استمرار الشقاق لا يخدم سوى القوى الخارجية التي تسعى لاستنزاف موارد المنطقة وإبقائها في حالة من الصراع الدائم والتبعية المطلقة.

الضربات الإيرانية التي استهدفت البنية التحتية في الخليج كانت سقطة سياسية ساهمت في توسيع الشرخ مع الشعوب المجاورة. هذه التصرفات عززت مخاوف الجيران ودفعت بعضهم للارتمان أكثر في أحضان الحماية الأمريكية، وهو توجه أثبتت الوقائع عدم جدواه في لحظات الأزمات الحقيقية.

على الدول العربية والخليجية التفكير بجدية في بناء منظومة دفاع مشترك تعتمد على تنويع مصادر السلاح والاعتماد على الذات. إن الرهان على القواعد الأمريكية أثبت فشله، حيث تركت واشنطن حلفاءها يواجهون مصيرهم بمفردهم خلال ذروة التصعيد العسكري الأخير.

في الختام، يبقى الرهان الحقيقي على الشعب الإيراني الذي أثبت وطنيته برفض العدوان رغم معاناته من القمع الداخلي. إن على السلطة في طهران رد الجميل لهذا الشعب عبر إصلاحات سياسية واقتصادية حقيقية، وإلا فإن موجات الغضب الشعبي ستعود بقوة بمجرد صمت مدافع الحرب.

دلالات

شارك برأيك

تعدد القراءات والمواقف من العدوان على إيران: رؤية في التداعيات الإقليمية والمحلية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.