تعيش سوريا حالة من المرض العضال الذي تجاوز التردي الاقتصادي والأمني ليصل إلى عمق التكوين الفكري للإنسان السوري. هذا التشوه يتجلى في سلوكيات قائمة على استلاب الآخر ونفيه، بناءً على تقسيم تاريخي حاد يفصل بين مرحلتين سياسيتين متناقضتين.
جسدت ساحة المحافظة في قلب العاصمة دمشق هذا المشهد المعقد، حين تجمع عشرات المواطنين في اعتصام حمل شعار 'قانون وكرامة'. كانت الأهداف المعلنة تركز على الإنصاف الاجتماعي وتحسين الظروف المعيشية المتردية التي يعاني منها السوريون بمختلف توجهاتهم.
طالب المعتصمون بضرورة حماية الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه والصحة والتعليم، معتبرين إياها حقوقاً عامة لا تقبل المساومة. كما شددوا على أهمية دعم الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع، بما في ذلك المتقاعدون والنساء والأطفال المشردون وأهالي الضحايا.
لم تقتصر المطالب على الجانب المعيشي، بل امتدت لتشمل رؤية سياسية واضحة تطالب بضبط الأسواق ومكافحة الاحتكار. ودعا المشاركون إلى ضرورة ربط الرواتب بمستوى المعيشة الحقيقي ووقف سياسة رفع الأسعار المستمرة التي تسبق دائماً أي تصحيح للأجور.
في الشق السياسي، ركز اعتصام 'قانون وكرامة' على التزام السلطات الانتقالية بصلاحياتها في قيادة عملية انتقال حقيقية. وطالبوا بفتح حوار وطني شامل يمهد الطريق لانتخابات نزيهة وتفعيل مسارات العدالة الانتقالية لمحاسبة المتورطين في الجرائم.
دعا المعتصمون أيضاً إلى وقف إعادة إنتاج الوجوه القديمة للنظام السابق أو تعويم الشخصيات التي ساهمت في معاناة الشعب. وأكدوا على ضرورة مراجعة القوانين التمييزية وتجريم خطاب الكراهية الذي يعزز الانقسام الطائفي والمجتمعي في البلاد.
رغم بساطة هذه المطالب ومشروعيتها، إلا أنها قوبلت بهجوم لاذع وحملات تخوين منظمة سبقت انطلاق الفعالية. وتحول الاعتصام إلى ساحة للمواجهة حين ظهر تجمع مضاد في ذات المكان والزمان، يهدف إلى إجهاض مطالب المحتجين وتشويه صورتهم.
هل تنتفي الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية عن أشخاص كانوا داعمين للنظام؟ بعبارة أخرى هل تأخذ الحقوق قيمتها من ذاتها أم تتغير بحسب الشخوص؟
استخدم المعارضون للاعتصام لغة التخوين، واصفين المشاركين بأنهم 'فلول' للنظام البائد، في محاولة لنزع الشرعية عن مطالبهم. هذا الغضب أثار تساؤلات عميقة حول الخلل في الوعي الجمعي الذي يرفض الاعتراف بحقوق الآخر لمجرد الاختلاف السياسي.
حاول البعض مصادرة مصطلح 'الكرامة'، مدعين أنه ملكية حصرية لثورات سابقة ولا يحق لهؤلاء استخدامه في تحركهم الحالي. هذا المنطق يعيد إنتاج مقولات إقصائية قديمة تدعي أن الوطن ليس لكل السوريين، بل لفئة محددة تمتلك صكوك الوطنية.
إن الانقسام القائم اليوم ليس مبنياً على برامج سياسية أو اقتصادية واضحة، بل على وعي زائف يجهل آليات بناء الدولة الحديثة. هذا التشرذم بين 'نحن' و'هم' يهدد أي فرصة لبناء إجماع وطني حقيقي يخرج البلاد من أزمتها المستعصية.
المفارقة تكمن في أن المطالب الديمقراطية وضمانات المواطنة باتت تُعتبر خطراً بنيوياً يهدد الوضع الراهن في نظر البعض. كيف يمكن لمطالب العدالة ومحاسبة المجرمين وصون الحريات أن تكون تهديداً للإجماع الوطني أو استقرار المجتمع؟
أظهر مشهد الساحة أن المعتصمين في 'قانون وكرامة' التزموا بأقصى درجات السلمية رغم استفزازات الطرف الآخر. فقد واجهوا الهتافات التخوينية والرايات الدينية التي اخترقت صفوفهم بهدوء، مما عكس وعياً حضارياً افتقده الطرف المضاد.
إن غياب العقل في الحكم على الظواهر الاجتماعية يؤدي بالضرورة إلى هيمنة 'اللامعقول' ليصبح هو السائد في المشهد العام. هذا التغييب المتعمد للمنطق يعقد مسارات الحل السياسي ويجعل من الحوار الوطني مهمة شبه مستحيلة في ظل التخوين المتبادل.
يبقى اعتصام ساحة المحافظة صرخة في وادٍ عميق، كشفت عن عمق الهوة بين تطلعات الناس وبين واقع سياسي واجتماعي متصلب. إن سوريا بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى تجاوز لغة الإقصاء والاعتراف بالحقوق كقيم مطلقة لا تتجزأ.





شارك برأيك
ساحة المحافظة بدمشق: مرآة الانقسام السوري بين مطالب 'الكرامة' واتهامات 'الفلول'