اسرائيليات

الجمعة 17 أبريل 2026 7:13 مساءً - بتوقيت القدس

تخبط وتناقض: كيف كشف اتفاق وقف إطلاق النار مع لبنان فجوة التصريحات الإسرائيلية؟

سادت حالة من الريبة والجدل داخل الأوساط السياسية والإسرائيلية عقب الإعلان المفاجئ عن وقف إطلاق النار مع حزب الله، وهو القرار الذي لم يأتِ عبر القنوات الرسمية المعتادة في البداية، بل علم به الجمهور والوزراء من خلال منشور للرئيس الأمريكي دونالد ترامب. هذا التطور كشف عن حجم التناقض بين الخطاب التصعيدي الذي تبنته الحكومة الإسرائيلية طوال فترة الحرب وبين المخرجات السياسية التي فرضت نفسها على أرض الواقع.

وقبل أيام قليلة من الإعلان، كان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يؤكد بوضوح عدم وجود أي توجه لوقف إطلاق النار، مشدداً على استمرار العمليات العسكرية لتعميق المنطقة الأمنية في جنوب لبنان. إلا أن الرواية تغيرت سريعاً بعد تدخل ترامب، حيث برر نتنياهو لوزرائه هذا التحول بضرورة التنسيق الوثيق مع 'أعظم صديق لإسرائيل'، مما أثار موجة من الانتقادات حول تبعية القرار السياسي الإسرائيلي.

من جانبه، واجه وزير الحرب يسرائيل كاتس انتقادات لاذعة بسبب تصريحاته السابقة التي سقفها نزع سلاح حزب الله بالكامل كهدف نهائي للحرب. ومع توقيع الاتفاق، باتت هذه المسؤولية ملقاة على عاتق الحكومة اللبنانية، وهو ما يراه مراقبون تراجعاً عن الأهداف المعلنة التي روجت لها المؤسسة الأمنية والسياسية أمام المستوطنين.

وتشير تقارير صحفية إلى أن الوزراء في حكومة الاحتلال، شأنهم شأن عامة الإسرائيليين، صُدموا بتوقيت الإعلان الذي جاء في ذروة الحديث عن السيطرة الوشيكة على مناطق استراتيجية مثل بنت جبيل. هذا الارتباك يعكس غياب التنسيق الداخلي أو تعمد تضليل الرأي العام لامتصاص الغضب اليميني المتوقع من وقف القتال دون تحقيق 'النصر المطلق'.

وكان نتنياهو قد تفاخر في وقت سابق بالقضاء على آلاف العناصر من حزب الله وتدمير ترسانة صاروخية ضخمة كانت تضم نحو 150 ألف صاروخ. ورغم هذه الادعاءات، اعترف لاحقاً بأن الحزب لا يزال يمتلك قدرات صاروخية، مما يجعل الحديث عن إزالة التهديد بشكل كامل أمراً مشكوكاً فيه في ظل الاتفاق الحالي.

وفي سياق متصل، أوضحت مصادر عسكرية أن نزع سلاح الحزب لم يكن يوماً هدفاً فورياً للحملة الحالية، بل وُصف بأنه 'هدف طويل الأمد'. هذا الاعتراف يتناقض كلياً مع تصريحات كاتس الذي أصر على أن السياسة الإسرائيلية تهدف لنزع السلاح عبر الوسائل العسكرية المباشرة والمناورات البرية المكثفة.

التهديدات الإسرائيلية وصلت إلى حد التلويح بتحويل القرى الحدودية اللبنانية إلى نماذج مشابهة لما حدث في رفح وخانيونس بقطاع غزة من دمار شامل. ورغم هذه التهديدات بهدم المنازل وإنشاء خطوط دفاعية مضادة للدبابات، انتهى المشهد بفتح الطرق أمام اللبنانيين للعودة إلى قراهم جنوب نهر الليطاني فور دخول الاتفاق حيز التنفيذ.

ورصدت مصادر ميدانية ازدحامات مرورية خانقة على الطرق المتجهة جنوباً في لبنان، مما يعكس فشل الرهان الإسرائيلي على خلق منطقة عازلة خالية من السكان بشكل دائم. هذا المشهد الميداني كشف الفجوة الكبيرة بين التهديدات الإعلامية الإسرائيلية وبين السلوك الفعلي على الأرض الذي سمح بعودة الحياة إلى المناطق الحدودية.

وبعد إعلان ترامب، حاول نتنياهو إعادة صياغة المشهد بوصفه 'فرصة لعقد اتفاق سلام تاريخي'، وهو ما اعتبره محللون محاولة للهروب من استحقاقات الفشل العسكري في حسم المعركة. هذا التحول من لغة الحرب والدمار إلى لغة 'السلام التاريخي' يعكس حالة من البراغماتية القسرية التي فرضتها الضغوط الدولية والواقع الميداني.

ويرى مسؤولون إسرائيليون أن الاتفاق الجديد ليس سوى عودة إلى تفاهمات سابقة تعود لنوفمبر 2024، مما يعني أن كل التصعيد العسكري الأخير لم يغير في الجوهر السياسي للاتفاق. هذا الاستنتاج يضع الحكومة في موقف محرج أمام مستوطني الشمال الذين كانوا يأملون بتغيير جذري يضمن أمنهم بعيداً عن التهديدات الصاروخية.

وتظل قضية نزع سلاح حزب الله هي العقدة الأكبر في أي اتفاق مستقبلي، حيث تشكك الأوساط الإسرائيلية في قدرة الحكومة اللبنانية على فرض سلطتها. فالتجارب السابقة مع القرارين الدوليين 1559 و1701 أثبتت عجز الدولة اللبنانية عن تفكيك المليشيات المسلحة، وهو ما يثير مخاوف من إعادة ترميم قدرات الحزب.

الجيش الإسرائيلي الذي عثر على كميات هائلة من الأسلحة في الجنوب اللبناني، يدرك أن المهمة لم تنتهِ، وأن تحويل الجنوب إلى منطقة 'منزوعة السلاح' يتطلب وقتاً طويلاً وإرادة سياسية غير متوفرة حالياً. ومع ذلك، يبدو أن الحكومة فضلت المسار السياسي الحالي لتجنب استنزاف أطول للقوات البرية في وحل القرى اللبنانية.

إن التناقض بين الوعود بـ 'فرصة تاريخية' وبين الواقع الذي يشير إلى بقاء قوة حزب الله العسكرية يضع مصداقية القيادة الإسرائيلية على المحك. فالمستوطنون الذين صُدموا بقرار وقف إطلاق النار يشعرون بأن المهمة لم تكتمل، وأن التهديد لا يزال قائماً على حدودهم الشمالية رغم كل التضحيات.

في نهاية المطاف، يظهر اتفاق وقف إطلاق النار كوثيقة تعكس توازنات القوى الدولية أكثر مما تعكس انتصاراً عسكرياً حاسماً لإسرائيل. وبينما يحتفل اللبنانيون بالعودة إلى ديارهم، يبقى المجتمع الإسرائيلي منقسماً حول جدوى حرب انتهت بمنشور على وسائل التواصل الاجتماعي، دون تحقيق الأهداف الاستراتيجية الكبرى التي وُعد بها.

دلالات

شارك برأيك

تخبط وتناقض: كيف كشف اتفاق وقف إطلاق النار مع لبنان فجوة التصريحات الإسرائيلية؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.