أقلام وأراء

الأربعاء 15 أبريل 2026 7:12 صباحًا - بتوقيت القدس

حدود القوة المفرطة: كيف فرض الردع غير التماثلي حتمية التفاوض؟

أثبتت التحولات العسكرية الأخيرة في المنطقة أن السعي نحو التسلح المفرط لم يعد الضامن الوحيد لتحقيق الانتصارات السياسية أو الميدانية. فرغم الفوارق الهائلة في ميزانيات الدفاع، إلا أن التسلح النوعي والحلول التفاوضية برزت كبديل استراتيجي لا يمكن تجاوزه في العلاقات الدولية المعاصرة، خاصة بعد أن كشفت المواجهات المباشرة عن محدودية القوة التقليدية أمام استراتيجيات الردع الذكية.

وتشير الأرقام إلى فجوة شاسعة بين القوى العظمى والدول النامية، حيث تتجاوز ميزانية الدفاع الأمريكية 919 مليار دولار، وهو ما يعادل أكثر من ثلث الإنفاق العسكري العالمي. ومع ذلك، فإن هذا التفوق المالي لم يترجم إلى حسم عسكري ضد دولة مثل إيران، التي لا تتجاوز ميزانيتها الدفاعية 7.9 مليار دولار، مما يعكس تحولاً في مفهوم القوة من الكم والعتاد الضخم إلى النوعية والذكاء العسكري.

لقد كشفت العمليات العسكرية المشتركة التي استهدفت شل القدرات الإيرانية عن عجز التقنيات الحديثة في تحقيق أهدافها السياسية، رغم استمرار الغارات لمدة 40 يوماً واستخدام أكثر القنابل فتكاً. هذا الفشل في تحييد مراكز القيادة والسيطرة أو الإطاحة بالنظام السياسي، يؤكد أن التكنولوجيا المتطورة وحدها لا تكفي لكسر إرادة الدول التي تمتلك منظومات دفاعية غير تماثلية قادرة على امتصاص الصدمات.

وفي سياق متصل، تبرز حرب الإبادة المستمرة على قطاع غزة كدليل إضافي على حدود القوة المفرطة، حيث فشل الاحتلال في تحقيق هدفه الأساسي المتمثل في دفع المقاومة للاستسلام. ورغم التدمير الشامل والمجازر المرتكبة بحق المدنيين، إلا أن الصمود الميداني أثبت أن التفوق التقني والكمي يتراجع تأثيره أمام الإرادة السياسية الصلبة وأصحاب الحق الرافضين للتنازل عن ثوابتهم الوطنية.

إن هذا الواقع الجديد ناتج عن كسر احتكار الغرب للتكنولوجيا المتقدمة، حيث باتت المعرفة التقنية مشاعة ومتاحة لدول الجنوب بطرق أسرع وأقل كلفة. وقد لعب صعود الصين كقوة تكنولوجية مهيمنة دوراً محورياً في هذا التحول، خاصة مع سيطرتها الكاملة على سلاسل توريد المعادن النادرة والرقائق النانوية، مما مكن دولاً نامية من بناء ترسانات دفاعية قادرة على مواجهة أقوى الجيوش العالمية.

ومن المتوقع أن تدفع هذه الدروس المستفادة دول العالم إلى مراجعة عميقة لعقائدها العسكرية، والتحول من الاستثمار في العتاد الثقيل والآليات التقليدية إلى التركيز على منظومات التحكم في الصواريخ والمسيّرات. ستصبح أنظمة الرادار وأساليب التشويش الإلكتروني والاستطلاع عبر الأقمار الاصطناعية هي الركيزة الأساسية في ميزانيات الدفاع القادمة، لضمان تحقيق توازن الردع بأقل التكاليف الممكنة.

في نهاية المطاف، ستجد القوى الكبرى نفسها مضطرة للقبول بمفهوم الردع غير التماثلي واللجوء إلى الأساليب التفاوضية كخيار عقلاني وحيد لتجنب الحروب الاستنزافية. ولولا جنود العظمة والتوجهات الأيديولوجية المتطرفة التي تسيطر على دوائر صنع القرار في واشنطن وتل أبيب، لكان العالم أكثر أماناً، خاصة مع بروز الحكمة الصينية التي تضع الاستقرار الاقتصادي والسياسي فوق اعتبارات الهيمنة العسكرية.

دلالات

شارك برأيك

حدود القوة المفرطة: كيف فرض الردع غير التماثلي حتمية التفاوض؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.