كشف تحليل رقمي معمق أجري خلال الحرب الجارية في منطقة الشرق الأوسط عن وجود حملات تضليل واسعة النطاق على منصات التواصل الاجتماعي. وانخرطت هذه الحملات في الترويج المنسق لسرديات مؤيدة لطهران وحلفائها الإقليميين، في مقابل بث محتوى مناهض لعدد من الدول الخليجية، تخلله تضليل معلوماتي وروايات تفتقر للموثوقية.
وبحسب التحليل الفني لعيّنة من هذه الحسابات، فقد ظهرت مؤشرات تقنية قوية تثير الشكوك حول هويتها ووظيفتها الحقيقية. وشملت هذه المؤشرات إخفاء الهوية الشخصية بشكل متعمد، وتكرار تغيير أسماء المستخدمين بمعدلات غير طبيعية، فضلاً عن انتحال صور أشخاص حقيقيين أو تعديلها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ومن أبرز النماذج التي رصدها التحليل حساب يحمل اسم 'بلقيس الحريزي'، والذي تبين أنه يستخدم صورة مسروقة تعود للإعلامية العراقية بتول الحسن. وأظهر الحساب تناقضاً صارخاً في بياناته الجغرافية، حيث يدعي الإقامة في أمريكا الشمالية بينما يدرج سلطنة عُمان كموقع جغرافي له، مع تقديمه لنفسه بهوية يمنية.
وسجل الحساب المذكور تغييراً في اسم المستخدم وصل إلى 219 مرة، وهو معدل مرتفع جداً لا يتسق مع سلوك الحسابات الشخصية الطبيعية. كما أشار التحليل إلى وجود تفاعل مكثف من حسابات يمنية أخرى قامت بدعم نشاطه بشكل منهجي، مما يعزز فرضية الإدارة المنسقة لهذه الشبكات.
وفي سياق متصل، رُصد حساب آخر باسم 'دالوجين بنت عُمان' يستخدم صورة مرجح أنها مولدة بالذكاء الاصطناعي، مع العثور على نسخ متطابقة من الاسم عبر منصات فيسبوك وإنستغرام وتيك توك. وبالرغم من انتشار الاسم، إلا أن البيانات الشخصية المرتبطة به كانت غير متسقة، مما يشير إلى محاولة لخلق حضور رقمي وهمي متعدد المنصات.
وتشير المعطيات إلى أن هذه الحسابات تبنت خطاباً سياسياً داعماً لإيران وجماعة الحوثي بشكل مطلق، مع إعادة نشر ادعاءات قديمة ومضللة. وشمل ذلك تداول مزاعم غير موثقة حول شخصيات عسكرية إسرائيلية، واستخدام صور أرشيفية لجنود أمريكيين قُتلوا في سنوات سابقة دون توضيح السياق الزمني الحقيقي لها.
النشاط اعتمد على حسابات ضعيفة المتابعة أعادت النشر والتعليق بكثافة، وهو نمط يرتبط عادة بحملات تضخيم منسقة أو شبكات ترويج منظمة.
كما رصد الخبراء حساباً باسم 'نجلاء' يعتمد هوية مزيفة وصورة معدلة تقنياً، مع تغييرات متكررة في اسم المستخدم ومواقع جغرافية متباينة بين ألمانيا وهولندا. وأظهرت الارتباطات التقنية استخدام أدوات متطورة لإخفاء الموقع الحقيقي، مع وجود تفاعل متبادل ومنسق مع حسابات أخرى مثل 'نور عُمان'.
وبين التقرير أن هذه الشبكات كثفت نشاطها بشكل ملحوظ في الفترة ما بين 7 أكتوبر 2023 وبداية نوفمبر 2024، تزامناً مع فترات التصعيد العسكري. وساهمت هذه الحملات في تحقيق انتشار واسع تجاوز 93 ألف منشور تفاعلي، استهدفت بالأساس التأثير على الرأي العام في البيئات العربية والخليجية.
ووفقاً للتقديرات الجغرافية، برزت اليمن وسلطنة عُمان كأكثر البيئات حضوراً في هذه التفاعلات، حيث شكل المستخدمون منهما نحو 31% من إجمالي الحسابات المتفاعلة. واعتمد جزء كبير من هذا النشاط على ما يعرف بـ'الإغراق الرقمي'، عبر استخدام نحو 400 ألف حساب يقل عدد متابعي كل منها عن 100 متابع.
يأتي هذا الكشف الرقمي في وقت تشهد فيه المنطقة توترات سياسية وعسكرية حادة، حيث فشلت الجولة الأولى من المفاوضات الإيرانية الأمريكية بعد 21 ساعة من النقاشات. وتتزامن هذه الحملات مع مطالبة طهران بالإفراج عن أموالها المجمدة في قطر كشرط مسبق لأي تقدم في المسار الدبلوماسي المتعثر.
وفي ظل استمرار إغلاق مضيق هرمز وتأثيره على إمدادات الطاقة العالمية، يبدو أن المعركة الرقمية باتت جزءاً لا يتجزأ من الصراع الميداني. وتواجه المنصات الاجتماعية تحديات كبيرة في كبح هذه الشبكات، حيث أقدمت منصة 'إكس' بالفعل على إيقاف عدد من هذه الحسابات لمخالفتها الصارخة لسياسات الاستخدام.





شارك برأيك
كشف شبكات تضليل رقمية إيرانية: 400 ألف حساب وهمي لإدارة معركة الوعي خلال الحرب