تحليل

الجمعة 10 أبريل 2026 8:02 مساءً - بتوقيت القدس

إسلام آباد على حافة الاختبار: عشية انطلاق المفاوضات الأميركية–الإيرانية وسط تصعيد إقليمي متسارع

رسالة واشنطن


واشنطن – سعيد عريقات – 10/4/2026

عشية الجولة المرتقبة من المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، تتكثف المؤشرات على هشاشة التهدئة المعلنة، وسط تعقيدات ميدانية واقتصادية تعكس فجوة واسعة بين المسارات السياسية والوقائع على الأرض. فبينما يفترض أن تشكل الهدنة مدخلاً لخفض التصعيد وتهيئة بيئة تفاوضية مستقرة، تكشف التطورات المتسارعة عن واقع مغاير، حيث يستمر إغلاق مضيق هرمز الحيوي، وتتواصل العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان بوتيرة عنيفة، ما يقوض الثقة بأي تفاهمات أولية.

وفي هذا السياق، أفادت تقارير إعلامية أميركية بأن حركة الملاحة في مضيق هرمز لا تزال عند مستويات متدنية للغاية، رغم الإعلان عن وقف إطلاق النار. فخلال الساعات الأربع والعشرين الأولى من التهدئة، لم تعبر المضيق سوى ناقلة نفط واحدة وخمس سفن شحن جاف، مقارنة بنحو 140 سفينة يومياً قبل اندلاع الحرب، ما يعكس استمرار المخاطر الأمنية وغياب الضمانات الفعلية لحرية الملاحة. كما تشير بيانات ملاحية إلى أن عدد السفن التي عبرت خلال اليومين الأولين لم يتجاوز 12 سفينة، في مؤشر واضح على أن التهدئة لم تترجم بعد إلى واقع عملي.

بالتوازي، تبرز اتهامات بفرض إيران رسوماً باهظة على مرور ناقلات النفط عبر المضيق، تصل إلى نحو مليوني دولار للناقلة الواحدة، وفق آليات غير رسمية يُعتقد أن الحرس الثوري يشرف عليها. وتشمل هذه الترتيبات الدفع بعملات بديلة مثل اليوان الصيني أو العملات الرقمية، فيما تُستثنى بعض الدول التي ترتبط بتفاهمات دبلوماسية مع طهران. هذا الواقع يعكس محاولة إيرانية لإعادة صياغة قواعد الاشتباك الاقتصادي في ظل الضغوط، لكنه في الوقت نفسه يعمّق من حالة القلق في الأسواق العالمية.

ورغم التوقعات بأن يسهم وقف إطلاق النار في استقرار أسعار النفط، فإن الأسواق الفورية لا تزال تحت ضغط، حيث تواصل بعض المصافي في أوروبا وآسيا دفع أسعار مرتفعة تقترب من 150 دولاراً للبرميل. ويأتي ذلك في وقت تترقب فيه الأسواق صدور بيانات التضخم الأميركية، التي يُتوقع أن تعكس التأثيرات الأولية للأزمة، ما يضيف بعداً اقتصادياً حساساً للمفاوضات المرتقبة.

ميدانياً، يتواصل التصعيد الإسرائيلي في لبنان بوتيرة لافتة، رغم الحديث عن شمول الهدنة لهذا الملف. فقد أسفرت الغارات الإسرائيلية المكثفة عن سقوط مئات الضحايا بين قتيل وجريح، في حين يواصل حزب الله الرد عبر استهداف مواقع عسكرية إسرائيلية. ويعكس هذا التدهور الميداني غياب توافق فعلي على نطاق التهدئة، خصوصاً في ظل نفي واشنطن وتل أبيب شمول لبنان بالاتفاق، مقابل تأكيدات إيرانية وباكستانية معاكسة.

وفي موازاة ذلك، تتحرك قنوات دبلوماسية موازية، حيث يُتوقع عقد محادثات تمهيدية بين إسرائيل ولبنان في واشنطن على مستوى السفراء، في محاولة لاحتواء التصعيد. غير أن هذه الجهود تبدو محدودة التأثير حتى الآن، في ظل استمرار العمليات العسكرية وطرح شروط سياسية معقدة، من بينها مطالب إسرائيلية تتعلق بإعادة تشكيل المشهد الحكومي اللبناني.

ويكشف الإصرار الإسرائيلي على مواصلة عملياته العسكرية في لبنان، بالتوازي مع المسار التفاوضي مع إيران، عن نمط سلوكي يقوم على تقويض أي فرصة لتهدئة شاملة. فبدلاً من التعامل مع الهدنة كإطار لخفض التصعيد، تبدو تل أبيب وكأنها توظفها لإعادة ترتيب أوراقها الميدانية وفرض وقائع جديدة بالقوة. هذا النهج لا يهدد فقط بإفشال المفاوضات في إسلام آباد، بل يعزز أيضاً من مناخ انعدام الثقة، ويؤكد أن إسرائيل تتعامل مع الدبلوماسية كغطاء تكتيكي لا كخيار استراتيجي.

أما الموقف الأميركي، فيبدو متذبذباً إلى حد يثير التساؤلات حول مدى استقلالية القرار في واشنطن. فبينما تسعى الإدارة الأميركية إلى دفع مسار تفاوضي قائم على نقاط عشر تم التوافق عليها كأساس للحوار، فإنها في الوقت ذاته تتغاضى عن السلوك الإسرائيلي الذي يقوض هذه الأسس. هذا التناقض يضعف مصداقية الولايات المتحدة كوسيط، ويعكس خضوعاً واضحاً للاعتبارات الإسرائيلية، ما يفرغ العملية التفاوضية من مضمونها ويجعلها رهينة لموازين القوى الميدانية.

في المحصلة، يبدو أن المفاوضات المرتقبة في إسلام آباد تنطلق في بيئة شديدة الهشاشة، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية والتجاذبات السياسية. ومع استمرار إسرائيل في نهجها التصعيدي، وتردد واشنطن في فرض التزامات واضحة على حليفتها، فإن فرص تحقيق اختراق حقيقي تبقى محدودة. بل إن المشهد الراهن يوحي بأن المسار التفاوضي قد يتحول إلى مجرد أداة لإدارة الأزمة، لا لحلها، في ظل غياب إرادة دولية حقيقية لفرض قواعد اشتباك مستقرة.

دلالات

شارك برأيك

إسلام آباد على حافة الاختبار: عشية انطلاق المفاوضات الأميركية–الإيرانية وسط تصعيد إقليمي متسارع

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.