عربي ودولي

الخميس 09 أبريل 2026 1:12 مساءً - بتوقيت القدس

قلاع الأثواب البيضاء: كيف تواجه مستشفيات لبنان نيران الحرب؟

يخوض القطاع الصحي في لبنان معركة صمود استثنائية منذ مطلع مارس 2026، حيث تحولت المستشفيات إلى ملاذات أخيرة للحياة في ظل تصعيد عسكري غير مسبوق. من مدينة صور جنوباً إلى تخوم الضاحية الجنوبية لبيروت، يسطر الأطباء والممرضون ملاحم إنسانية، متجاوزين مخاطر القصف اليومي الذي يطال محيط منشآتهم الطبية بشكل مباشر.

في مدينة صور، يقف مستشفى حيرام كشاهد على هذا التحدي، حيث أكد مديره الدكتور سلمان عيديبي أن الطاقم الطبي المكون من 150 فرداً اختار البقاء في مواقعه. وأوضح عيديبي أن المستشفى يقع في منطقة شديدة الخطورة بين العباسية والناقورة، ومع ذلك لم تتوقف وتيرة العمل بفضل خطة طوارئ مسبقة أمنت المخزون الطبي اللازم.

وعلى مقربة من الضاحية الجنوبية لبيروت، يبرز مستشفى 'السان تيريز' (STMC) كشريان حياة أساسي لم ينقطع نبضه رغم التهديدات المستمرة. ويروي مدير المستشفى الدكتور فادي هاشم كيف يقضي الكادر التمريضي والطبي ساعات طويلة داخل أروقة المشفى، مع توفير سكن داخلي للممرضين النازحين لضمان استمرارية الخدمة الإسعافية والجراحية.

الإحصاءات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة اللبنانية تعكس حجم الضريبة الباهظة التي يدفعها هذا القطاع، إذ سجلت استشهاد 54 عاملاً في المجال الصحي وإصابة 142 آخرين حتى مطلع أبريل الجاري. كما تعرضت الجمعيات الإسعافية لنحو 87 اعتداءً مباشراً، مما أدى إلى خروج 5 مستشفيات عن الخدمة بشكل كامل نتيجة الدمار أو الحصار.

في الميدان الإسعافي، يواجه المتطوعون في كشافة الرسالة الإسلامية والهيئة الصحية الإسلامية خطر 'الاستهداف المزدوج' أثناء محاولات إنقاذ الجرحى. وأفادت مصادر ميدانية بسقوط 43 شهيداً من هاتين الجهتين وحدهما، ومع ذلك تستمر الفرق في فتح الطرقات وانتشال الضحايا تحت النيران بالتنسيق مع الجهات المعنية لتقليل الخسائر البشرية.

الالتزام الإنساني لم يقتصر على الأطباء المقيمين، بل امتد ليشمل الممرضات اللواتي لم يغادرن المستشفيات منذ أسابيع طويلة. الممرضة ريان إسماعيل أكدت أنها لم ترَ عائلتها منذ بدء المواجهات، معتبرة أن وجودها بجانب المرضى والأطفال يزرع الأمل ويؤكد أن الرسالة الطبية تسمو فوق كل المخاوف الشخصية.

داخل غرف العمليات، يواصل الجراحون إجراء عشرات العمليات المعقدة يومياً، بما في ذلك التعامل مع إصابات القصف وحالات الاختناق الناتجة عن الغارات. ويشير الطبيب عبد الناصر فران إلى أن الضغط النفسي والجسدي كبير، لكن الواجب المهني يفرض على الجميع البقاء في حالة استنفار دائم لاستقبال الإصابات الوافدة من خطوط المواجهة.

وعلى صعيد إغاثة النازحين، برز دور مستوصف المطران مارون العمار في منطقة جبل لبنان، الذي قدم خدماته لأكثر من 2000 نازح فروا من مناطق القصف. الدكتورة دعد القزي أوضحت أن المستوصف يقدم المعاينات والأدوية بالمجان، مع التركيز على الدعم النفسي للعائلات التي فقدت منازلها وتعيش في مراكز الإيواء.

التكاتف الاجتماعي ظهر جلياً من خلال انضمام أطباء نازحين للعمل في المستوصفات التطوعية، مثل الجراح علي عون الذي وضع خبرته الطويلة في خدمة المهجرين. هذه الروح التضامنية تعكس وحدة الشعب اللبناني في مواجهة الأزمة، حيث يتجاوز العمل الإنساني الاعتبارات المادية والمناطقية في سبيل إنقاذ الأرواح.

من جانبه، وجه الدكتور ناصر نسر نداءً عاجلاً للمجتمع الدولي بضرورة توفير حماية حقيقية للطواقم الطبية التي تتعرض للاستهداف المباشر. واعتبر نسر أن الاعتداء على المسعفين وسيارات الإسعاف يمثل 'معضلة أخلاقية وقانونية' تستوجب تدخلاً دولياً فورياً لمنع انهيار المنظومة الصحية بالكامل في المناطق المنكوبة.

وفي ظل غياب الدعم الرسمي الكافي، كما أشار الدكتور فادي هاشم بعتب واضح، تعتمد المستشفيات على مبادراتها الذاتية وتنسيقها المباشر مع المنظمات الأهلية. هذا الاعتماد على الذات مكن المنشآت الطبية من الصمود في وجه الحصار غير المعلن ونقص الإمدادات الذي يهدد بعض المناطق المعزولة جراء القصف.

الشهادات الميدانية من الممرضة مريم عقيل والموظفة مايا شماس تؤكد أن المستشفيات تحولت إلى بيوت ثانية للعاملين فيها، حيث يسود جو من العائلة الواحدة. هذا الترابط هو ما يمنح الكوادر القدرة على مواجهة المشاهد القاسية للإصابات البليغة التي تصل إلى أقسام الطوارئ على مدار الساعة.

إن قصص الصمود في مستشفيات لبنان ليست مجرد تقارير عابرة، بل هي توثيق لمرحلة تاريخية يواجه فيها العلم والإنسانية آلة الحرب. وتبقى هذه الصروح الطبية خط الدفاع الأخير الذي يحمي كرامة الإنسان وحقه في الحياة، رغم كل محاولات الترهيب والاستهداف الممنهج للبنية التحتية الصحية.

ختاماً، يظل القطاع الصحي اللبناني نموذجاً في التعالي على الجراح، حيث تستمر الأثواب البيضاء في أداء مهامها وسط الركام. إن دعم هذه الكوادر وحمايتها ليس مجرد مطلب إنساني، بل هو ضرورة وطنية لضمان عدم انزلاق البلاد نحو كارثة صحية شاملة لا يمكن تدارك نتائجها مستقبلاً.

دلالات

شارك برأيك

قلاع الأثواب البيضاء: كيف تواجه مستشفيات لبنان نيران الحرب؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.