تعود الجذور العميقة لمحاولات أنسنة النزاعات المسلحة إلى المنهج النبوي الذي وضع ضوابط أخلاقية صارمة تمنع استهداف النساء والأطفال والشيوخ أو تخريب العمران والبيئة. وقد تبلورت هذه القيم لاحقاً في اتفاقيات جنيف الأولى التي سعت لوضع حد أدنى من الضوابط الأخلاقية داخل الحروب، مراهنة على حماية الكرامة الإنسانية مهما بلغت حدة الصراع.
عقب الحرب العالمية الثانية، ساد تفاؤل دولي بأن البشرية نجحت في تقييد الوحشية عبر اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولات الملحقة بها. لم يكن الهدف إنهاء الحروب كلياً، بل وضع سياج قانوني يحمي المدنيين والمرافق الحيوية من الدمار الشامل الذي شهدته النزاعات الكبرى السابقة.
إلا أن المشهد الراهن يفرض تساؤلات وجودية حول مصير هذا النظام القانوني، خاصة مع تحول الانتهاكات الجسيمة إلى سياسات رسمية معلنة. ما يحدث اليوم، وتحديداً منذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة، يتجاوز مجرد الخروقات العابرة ليصل إلى مرحلة التفكيك المنهجي للقواعد التي تأسست عام 1945.
تتجلى خطورة المرحلة في تحول الخطاب الرسمي لقادة دوليين إلى أداة للتحريض والاعتراف الصريح بارتكاب جرائم حرب. التهديد بضرب المستشفيات وقصف الجسور الحيوية لم يعد يتم في الخفاء، بل بات يُعلن عنه كإنجازات عسكرية تتباهى بها الحكومات أمام الرأي العام.
في هذا السياق، برزت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي هدد صراحة بتوسيع الضربات ضد إيران لتشمل محطات الطاقة والجسور. ترامب لم يكتفِ بالتهديد، بل أشاد عبر منصاته بتدمير بنى تحتية مدنية، متوعداً بإعادة دول بأكملها إلى 'العصر الحجري' في حال عدم استجابتها لمطالبه السياسية.
وعلى الجانب الآخر، يواصل قادة الاحتلال الإسرائيلي التباهي باغتيال الشخصيات السياسية والمدنية، ضاربين عرض الحائط بالحصانات الدولية. هذا السلوك يعكس رغبة واضحة في تقويض مبدأ الحماية الشخصية لرؤساء الدول والمسؤولين، مما يشرعن فوضى الاغتيالات السياسية على مستوى عالمي.
ولم يسلم العمل الصحفي من هذا الاستهداف الممنهج، حيث وثقت تقارير استشهاد عدد كبير من الإعلاميين في غزة ولبنان أثناء أداء مهامهم. مصادر ميدانية أكدت أن استهداف طواقم مثل مراسلي القنوات الفضائية في مجمع الشفاء أو جنوب لبنان يهدف إلى طمس الحقيقة وترهيب الشهود على الجرائم.
نحن لسنا أمام خروقات معزولة، بل أمام نمط متكرر ومعلن يكشف فجوة هائلة بين النص القانوني والممارسة الواقعية، وعودة الحرب إلى منطق القوة العارية.
جيش الاحتلال حاول مراراً شرعنة قتل الصحفيين عبر ادعاءات غير مثبتة بانتمائهم لفصائل مسلحة، بل وصل الأمر إلى تزوير أدلة بصرية. الاعتراف لاحقاً باستخدام صور معدلة إلكترونياً 'فوتوشوب' لإظهار صحفي بزي عسكري يكشف حجم التضليل الممارس لنزع الصفة المدنية عن الأهداف البشرية.
إن القانون الدولي الإنساني يحمي الصحفيين بوضوح كمدنيين ما لم يشاركوا مباشرة في الأعمال القتالية، وهو ما لم تثبته أي جهة دولية مستقلة في الحالات المذكورة. تبرير القتل بمجرد الشبهة أو الانتماء الفكري يعد خرقاً فاضحاً لمبدأ التمييز الذي تقوم عليه اتفاقيات جنيف الرابعة.
سقوط مبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية بات سمة بارزة في الحروب الحديثة بالمنطقة. المستشفيات والمدارس وأماكن العبادة وشبكات المياه، التي تتمتع بحماية خاصة، أصبحت أهدافاً متكررة للقصف الإسرائيلي في غزة ولبنان تحت ذرائع واهية.
التحول النوعي الخطير يكمن في إعادة تعريف 'الهدف المشروع' ليشمل المجال المدني بالكامل، مما يعني تآكل الحماية القانونية تدريجياً. عندما يتم تشبيه السكان بالحيوانات في خطابات رسمية، فإن ذلك يمهد الطريق أخلاقياً وقانونياً لارتكاب المجازر دون شعور بالذنب أو الخوف من المحاسبة.
نزع الإنسانية عن الخصم هو التمهيد النظري للجريمة، حيث يفتح الباب لاستهداف العلماء والأطباء والأطفال بشكل ممنهج. هذا النمط يعكس رغبة في تدمير مقومات الحياة للمجتمعات المعارضة، وهو ما يصنف دولياً كجريمة إبادة جماعية مكتملة الأركان.
العنجهية في الاعتراف بالانتهاكات وصلت إلى حد معاقبة المؤسسات القضائية الدولية نفسها، كما فعلت واشنطن مع قضاة المحكمة الجنائية الدولية. هذا السلوك يعني أن القوى الكبرى لم تعد تكتفي بخرق القانون، بل تسعى لتدمير آليات المساءلة لضمان إفلات المجرمين من العقاب.
في الختام، يقف العالم أمام مفترق طرق تاريخي، فإما إصلاح عميق يعيد الهيبة للقانون الدولي، أو العودة إلى قانون الغاب والقوة العارية. إن غياب المحاسبة الفعلية يجعل من نصوص الاتفاقيات الدولية مجرد حبر على ورق، مما يهدد بانهيار السلم والأمن الدوليين بشكل غير مسبوق.





شارك برأيك
هل يلفظ القانون الدولي أنفاسه الأخيرة؟ حين تتحول جرائم الحرب إلى 'فخر' رسمي