تتصاعد التساؤلات في الأوساط المالية العالمية حول تحركات وصفت بـ 'المريبة' في بورصة وول ستريت، حيث تزامنت هذه التقلبات مع التطورات المتسارعة للحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران. وتشير المعطيات إلى أن بعض المستثمرين تمكنوا من تحقيق أرباح ضخمة عبر استغلال تقلبات الأسعار الناتجة عن القرارات السياسية والعسكرية المفاجئة.
ويبرز إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الثالث والعشرين من مارس الماضي بشأن إرجاء قصف إيران كنموذج صارخ لهذه الظاهرة، إذ رصدت مصادر مالية إقبالاً كثيفاً على الشراء قبل صدور التصريح بنحو عشر دقائق فقط. هذا التوقيت الدقيق مكن هؤلاء المستثمرين من جني مكاسب طائلة فور قفز أسعار الأسهم عقب الإعلان الرسمي، مما يعزز فرضية تسريب المعلومات.
من جانبه، أكد موقع 'أكسيوس' الإخباري وجود ظواهر غير طبيعية في الأسواق المالية ترافقت مع التصعيد العسكري، لافتاً إلى احتمالية وجود تداولات مبنية على معلومات داخلية مسربة. وأوضح الموقع أن بعض 'حيتان' المال ربما كانوا على علم مسبق بالخطوات التصعيدية أو التراجعية، مما منحهم ميزة غير عادلة في أسواق الطاقة والسلاح.
وفي سياق متصل، شهدت أسهم كبرى شركات الدفاع الأمريكية قفزات تاريخية في قيمتها السوقية خلال يوم واحد من التداول في مطلع مارس الجاري. ووفقاً للبيانات، ارتفعت القيمة السوقية لشركات 'نورثروب غرومان' و'لوكهيد مارتن' و'آر تي إكس' بمبالغ إجمالية تجاوزت 28 مليار دولار، مدفوعة باستمرار العمليات العسكرية ضد الأهداف الإيرانية.
ودخلت القيادة الإيرانية على خط التحذيرات، حيث دعا رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف المستثمرين إلى توخي الحذر من الأخبار التي تسبق افتتاح الأسواق. ووصف قاليباف تلك الأنباء بأنها مجرد أدوات تضليلية تهدف لتهيئة الأجواء لجني الأرباح السريعة، ناصحاً المتعاملين باتخاذ قرارات معاكسة لما تروج له تلك التسريبات.
ولم تقتصر الشكوك على المستثمرين المجهولين، بل طالت مسؤولين في الإدارة الأمريكية، حيث نقلت تقارير صحفية بريطانية عن مصادر مطلعة أن وزير الدفاع بيت هيغسيث أجرى محاولات استثمارية في شركات دفاعية قبيل اندلاع المواجهة. ورغم نفي البنتاغون لهذه الأنباء، إلا أن الجدل لا يزال قائماً حول تضارب المصالح في ظل الحرب.
ويرى مراقبون أن عقلية 'التاجر' التي يدير بها ترامب الأزمات الدولية تساهم في هذه التقلبات الحادة، حيث يتم توظيف التصريحات السياسية كأدوات اقتصادية. وتتسبب هذه السياسة في حالة من عدم اليقين بأسواق الطاقة العالمية، مما أدى لارتفاع أسعار النفط والغاز وزيادة معدلات التضخم التي أثقلت كاهل الاقتصاد العالمي.
انتبهوا لما يسمى بالأخبار قبل افتتاح السوق، فغالباً ما تكون مجرد إعداد لجني الأرباح.. افعلوا العكس.
ويؤكد خبراء اقتصاديون أن لكل حرب مستفيدين يطلق عليهم 'حيتان الحرب'، وهم الذين يقتنصون الفرص من معاناة الشعوب وتدمير البنى التحتية. وأوضح الخبراء أن الحرب الحالية كشفت عن وجه اقتصادي عارٍ، حيث لم تعد الدوافع المالية خفية بل أصبحت محركاً أساسياً للقرارات العسكرية والسياسية في المنطقة.
وفي المغرب، أشار المحلل الاقتصادي محمد جدري إلى أن بعض القوى الكبرى تدفع نحو إشعال النزاعات لزيادة مبيعات أسلحتها وضمان تدفق الأرباح لشركاتها الكبرى. واعتبر جدري أن المستهلك البسيط في مختلف دول العالم هو من يدفع الفاتورة النهائية لهذه الصراعات عبر غلاء المعيشة وتدهور القدرة الشرائية.
كما لفت الأكاديمي محمد ياوحي إلى أن ترامب يضع مصالح بلاده وشركاتها كأولوية قصوى، بغض النظر عن دقة التصريحات التي يدلي بها. وأضاف أن المفاوضات مع طهران قد لا تبدأ إلا عندما تشعر واشنطن أن مصالحها الاقتصادية المباشرة بدأت تتضرر بشكل جدي نتيجة استمرار النزاع.
وتواجه الولايات المتحدة ضغوطاً دولية متزايدة، خاصة من الدول الآسيوية المتضررة من اضطراب إمدادات الطاقة، والتي قد تلجأ للبحث عن بدائل للدولار في تعاملاتها التجارية. ويرى محللون أن استمرار التلاعب بالأسواق قد يدفع حلفاء واشنطن، مثل اليابان، لإعادة تقييم تحالفاتهم الاستراتيجية لحماية أمنهم الاقتصادي.
الميدان العسكري لا يزال مشتعلاً منذ أواخر فبراير الماضي، حيث تتبادل الأطراف الضربات الصاروخية التي طالت منشآت حيوية وأعياناً مدنية. وبينما تنشغل غرف العمليات بالتخطيط العسكري، تنشغل غرف التداول في نيويورك برصد الأرقام وتحويل الدماء والدمار إلى أرقام خضراء في شاشات البورصة.
إن الربط بين التصريحات السياسية وحركة الأسهم يكشف عن فجوة أخلاقية في النظام المالي العالمي، حيث تصبح المعلومات العسكرية السرية سلعة تباع وتشترى. هذه الظاهرة تضع مصداقية المؤسسات الرقابية المالية على المحك، في ظل عجزها عن ضبط التداولات التي تسبق الأحداث الكبرى.
ختاماً، تبقى الحرب على إيران ساحة مفتوحة ليس فقط للمواجهة العسكرية، بل لتصفية الحسابات الاقتصادية وجني المكاسب غير المشروعة. ومع استمرار التصعيد، يترقب العالم ما ستسفر عنه الأيام القادمة من مفاجآت قد تغير خارطة القوى الاقتصادية والسياسية في الشرق الأوسط والعالم.





شارك برأيك
حيتان الحرب في وول ستريت: أرباح مريبة وتداولات تسبق القرارات العسكرية ضد إيران