يبرز بيت هيغسيث كأحد أكثر الشخصيات إثارة للجدل في إدارة الرئيس دونالد ترامب الثانية، حيث انتقل من شاشات الإعلام إلى قيادة أقوى جيش في العالم. ببنبيته الجسدية التي تعكس خلفيته كلاعب كرة سلة سابق، يجسد هيغسيث رؤية ترامب الجديدة للمؤسسة العسكرية التي تخلت عن مسمى 'الدفاع' لتستعيد لقب 'وزارة الحرب'.
وُلد هيغسيث في ولاية مينيسوتا عام 1980، وخدم في الحرس الوطني برتبة رائد، وشارك في مهام عسكرية في العراق وأفغانستان وغوانتانامو. هذه الخبرة الميدانية المحدودة نسبياً لم تمنعه من القفز إلى قمة الهرم العسكري، مستنداً إلى ولائه المطلق لترامب وظهوره المستمر كمحلل في شبكة فوكس نيوز.
واجه تعيين هيغسيث مقاومة شرسة في مجلس الشيوخ الأمريكي، حيث لم يمر القرار إلا بفارق صوت واحد حسمه نائب الرئيس جي دي فانس. تركزت الاعتراضات على افتقاره للخبرة الإدارية الكافية لقيادة ملايين العسكريين، بالإضافة إلى اتهامات سابقة تتعلق بسلوكه الشخصي ومواقفه من النساء في الجيش.
يحمل هيغسيث على جسده رموزاً تعكس قناعاته الأيديولوجية العميقة، أبرزها وشم 'Deus Vult' أو 'إرادة الإله'، وهو شعار ارتبط تاريخياً بالحملات الصليبية. كما ظهر مؤخراً بوشم كلمة 'كافر' باللغة العربية، مما أثار تساؤلات واسعة حول طبيعة العقيدة التي يحاول غرسها في صفوف القوات المسلحة الأمريكية.
منذ توليه المنصب، شرع 'وزير الحرب' في عملية تطهير واسعة داخل البنتاغون، شملت إقالة كبار القادة العسكريين وعلى رأسهم الجنرال تشارلز براون. تهدف هذه التحركات، بحسب مصادر مطلعة، إلى التخلص من القيادات التي تتبنى سياسات 'التنوع والشمول' واستبدالها بقيادات تدين بالولاء الشخصي للرئيس.
لم يقتصر التغيير على الأسماء، بل امتد ليشمل الهوية البصرية واللفظية للمؤسسة، حيث وقع ترامب أمراً تنفيذياً بإعادة اسم 'وزارة الحرب' الذي كان معتمداً قبل عام 1947. اعتبر هيغسيث أن هذا التغيير يبعث برسالة ردع قوية للعالم، ويؤكد أن الولايات المتحدة مستعدة لتبني نهج هجومي لحماية مصالحها.
أصدر هيغسيث أوامر صارمة بخفض عدد الجنرالات والأدميرالات بنسبة تصل إلى 20%، معتبراً أن تضخم الرتب العليا يعيق الفاعلية القتالية. كما شدد على الانضباط الشكلي، مطالباً القادة العسكريين بالحفاظ على اللياقة البدنية وحلاقة اللحى، في محاولة لاستعادة ما وصفه بـ 'روحية المحارب' التقليدية.
مهمتي الرئيسية هي إعادة ثقافة المحارب إلى البنتاغون، وتطهير المؤسسة من أيديولوجيات اليقظة التي أضعفت قوتنا القتالية.
تثير التوجهات الدينية لهيغسيث قلقاً في الأوساط الدولية، خاصة مع استخدامه المكثف للخطاب الإنجيلي خلال العمليات العسكرية ضد إيران. وقد دعا الوزير الشعب الأمريكي للصلاة من أجل النصر 'باسم يسوع المسيح'، وهو ما اعتبره منتقدون خروجاً عن التقاليد العلمانية للجيش الأمريكي وتهميشاً لمنتسبيه من ديانات أخرى.
انتقد البابا ليو الرابع عشر هذا التوجه دون تسمية هيغسيث مباشرة، محذراً من تشويه الرسالة المسيحية واستخدامها لتبرير الهيمنة والحروب. وأكد البابا في عظاته أن استدعاء اسم المسيح في سياق النزاعات المسلحة هو أمر مرفوض تماماً ويتناقض مع جوهر الإيمان الذي يدعو للسلام.
على الصعيد الأمني، واجه هيغسيث انتقادات حادة بعد تقارير أكدت تسريبه لمعلومات عسكرية حساسة عبر تطبيقات مراسلة غير مؤمنة. وكشفت هيئة الرقابة في البنتاغون أنه ناقش تفاصيل ضربات جوية على اليمن عبر تطبيق 'سيغنال'، مما عرض القوات المشاركة في العمليات لمخاطر أمنية جسيمة.
تزامن هذا التخبط الإداري مع إقالة مستشار الأمن القومي مايك والتز، الذي تورط في تسريب معلومات استخباراتية حية لصحفيين عبر مجموعات دردشة. تعكس هذه الحوادث حالة من عدم الانضباط داخل الدائرة المقربة من ترامب، رغم تشديدهم العلني على ضرورة الالتزام بالقواعد العسكرية الصارمة.
في خضم التوترات المتصاعدة مع إيران، أقدم هيغسيث على خطوة مفاجئة بطلب تنحي رئيس أركان القوات البرية، الجنرال راندي جورج. وصف مراقبون هذا التوقيت بالسيئ جداً، حيث تأتي الإقالة في وقت تحتاج فيه المؤسسة العسكرية إلى الاستقرار والوحدة لاتخاذ قرارات استراتيجية حاسمة.
يرى محللون أن سياسة 'الثواب والعقاب' التي ينتهجها هيغسيث بناءً على الولاء السياسي قد تضعف كفاءة الجيش الأمريكي على المدى الطويل. فإقالة قادة ذوي خبرة مثل الأدميرال ليزا فرانشيتي والأدميرال ليندا فايغن تعكس رغبة في تحطيم القيود المؤسسية لصالح سلطة تنفيذية مطلقة.
يبقى مشروع هيغسيث لإعادة هيكلة الجيش الأمريكي تحت مسمى 'وزارة الحرب' اختباراً حقيقياً لقدرة المؤسسات الأمريكية على الصمود أمام التغييرات الجذرية. وبينما يفتخر الوزير بوشومه وخطابه المتشدد، تترقب الدوائر الدولية انعكاسات هذه العقيدة الهجومية على استقرار الأمن العالمي في السنوات القادمة.





شارك برأيك
بيت هيغسيث.. 'وزير الحرب' الذي يعيد صياغة العقيدة العسكرية الأمريكية بوشوم صليبية