تشير القراءات الميدانية بعد مرور أسابيع على المواجهة العسكرية المباشرة إلى أن الرهان على عزل النظام الإيراني عبر استهداف قياداته لم يحقق النتائج المرجوة. فالبنية التنظيمية لطهران أثبتت امتلاكها لسلسلة قيادة بديلة ومعدة سلفاً للتعامل مع حالات الطوارئ والاغتيالات، مستلهمة في ذلك تجربة حزب الله اللبناني في التعافي السريع.
لم تنجح الولايات المتحدة وإسرائيل حتى الآن في انتزاع تنازلات جوهرية تتعلق بالبرنامج النووي أو وقف إنتاج الصواريخ الباليستية بعيدة المدى. ورغم القصف المكثف، لا تزال طهران متمسكة بمواقفها السياسية والعسكرية، مما يضع المخططين الحربيين في واشنطن أمام مأزق استمرار حرب بلا أفق واضح للنصر.
على الجبهة اللبنانية، نجحت مصادر المقاومة في جر الاحتلال إلى استنزاف بري وجوي كبير بهدف تخفيف الضغط العسكري عن العمق الإيراني. وقد تجلى ذلك في الكمائن النوعية التي استهدفت آليات الميركافا في الجنوب، بالإضافة إلى الرشقات الصاروخية المستمرة التي شلت الحركة في مستوطنات الجليل.
أثبتت الصواريخ الإيرانية قدرتها الفائقة على اختراق المنظومات الدفاعية الأكثر تطوراً في العالم، بما فيها القبب الحديدية والنظم الأمريكية الحديثة. ووصلت هذه الصواريخ إلى نقاط استراتيجية حساسة قرب مفاعل ديمونة، مما دفع القيادة الإسرائيلية للاعتراف بصعوبة الموقف ووصف الليالي التي مرت بـ 'العصيبة'.
تتناقض الروايات الرسمية الإسرائيلية والأمريكية بشكل صارخ مع الواقع الميداني، حيث سبق وأن أعلن نتنياهو وترامب تدمير القدرات النووية الإيرانية في جولات سابقة. إلا أن تكرار الحرب والعودة لاستهداف ذات المنشآت يكشف زيف تلك الادعاءات ويوضح أن الهدف الحقيقي يتجاوز الملف النووي إلى محاولة كسر الإرادة السياسية.
برزت قضية الدفاع عن وجود الكيان الصهيوني كمحرك أساسي للإدارة الأمريكية الحالية في هذه الحرب، حيث اعتبر ترامب أن إيران تشكل تهديداً وجودياً لا يمكن التغاضي عنه. ومع ذلك، فإن المبررات التي ساقتها المتحدثة باسم البيت الأبيض ظلت فضفاضة وغير محددة، مما يعكس ارتباكاً في تحديد الأهداف النهائية للعملية العسكرية.
تعد هذه المواجهة بالنسبة لبنيامين نتنياهو معركة مصيرية وشخصية، حيث يسعى من خلالها للهروب من ملاحقاته القضائية وتثبيت شرعيته السياسية. وقد استخدم نتنياهو خطاب 'الحرب الوجودية' لتبرير حجم الدمار الهائل والضربات التي طالت العمق الإيراني، رغم المخاطر الكبيرة لردود الفعل المعاكسة.
إن نظاماً إيرانياً مسلحاً بصواريخ بعيدة المدى وأسلحة نووية سيشكل تهديداً لا يُطاق للشرق الأوسط وللشعب الأمريكي أيضاً.
في المقابل، استطاعت إيران توجيه ضربات مؤلمة للقواعد الأمريكية في المنطقة، ووصلت صواريخها إلى قلب تل أبيب والمنشآت النفطية الحيوية. كما سجلت المواجهة تطوراً لافتاً بسحب حاملة الطائرات 'جيرالد فورد' من الخدمة بعد تعرضها لإصابات، مما أضعف القدرة الهجومية البحرية للتحالف.
يظل إغلاق مضيق هرمز السلاح الأكثر فتكاً في يد طهران، حيث تسبب في أزمة طاقة عالمية خانقة أدت لارتفاع جنوني في أسعار الوقود. ورغم محاولات واشنطن استخدام مخزونها الاستراتيجي، إلا أن توقف تدفق نفط الخليج أصاب الدول الصناعية الكبرى الحليفة لأمريكا بالشلل الاقتصادي.
تحول المضيق إلى نقطة ارتكاز سياسية دفعت دولاً مثل اليابان وكوريا الجنوبية وباكستان إلى مراجعة مواقفها من الانضمام للتحالف العسكري الأمريكي. فقد فضلت هذه الدول النأي بنفسها عن الصراع لتجنب المزيد من الأضرار الجانبية التي لحقت باقتصاداتها نتيجة توقف الملاحة في هذا الممر الحيوي.
بدأ الخطاب الأمريكي يتراجع تدريجياً من مربع 'إسقاط النظام' إلى البحث عن مخارج ديبلوماسية عبر وسطاء دوليين. وظهر ترامب في تصريحاته الأخيرة أكثر ميلاً للحديث عن اتفاقات تضمن عدم امتلاك إيران للسلاح النووي، وهو ما يمثل تراجعاً عن سقف المطالب العالية التي وضعت في بداية الحرب.
لعبت سلطنة عمان دوراً محورياً في كشف كواليس المفاوضات السرية، حيث أكد وزير خارجيتها بدر البوسعيدي أن طهران كانت قد وافقت بالفعل على شروط تقنية قبل اندلاع الحرب. هذا التصريح أحرج البروباغندا الغربية وأظهر أن التصعيد العسكري كان رغبة إسرائيلية محضة لتعطيل أي تقارب محتمل.
تشير التقارير إلى وجود أصابع للموساد في محاولة تخريب أي تهدئة محتملة بين واشنطن وطهران، ومن ذلك الانفجارات الغامضة التي طالت منشآت نفطية داخل أمريكا. ويهدف هذا السلوك إلى إبقاء الولايات المتحدة منخرطة في الحرب ومنع ترامب من التوصل إلى اتفاق ينهي العمليات العسكرية قبل تحقيق أهداف نتنياهو.
يبقى التساؤل قائماً حول مصير دول المنطقة التي وجدت نفسها عالقة في صراع لا ناقة لها فيه ولا جمل، دون أن تكون جزءاً من صياغة الاتفاقات. فبينما تتفاوض القوى الكبرى، تظل هذه الدول عرضة لتبعات الحرب الاقتصادية والأمنية، بانتظار ما ستسفر عنه 'حرب الكلمات' في الجولات الديبلوماسية القادمة.





شارك برأيك
صمود طهران ومعضلة الاستنزاف: لماذا فشلت الرهانات على انهيار القيادة الإيرانية؟