واشنطن - سعيد عريقات - 23/3/2026
تحليل إخباري
لا يمكن فهم التعتيم الإسرائيلي على الخسائر في أوقات الحروب أو التصعيد العسكري بوصفه سلوكًا ظرفيًا أو استجابة آنية لاعتبارات ميدانية، بل هو جزء من بنية مؤسسية راسخة تُدار ضمن مقاربة شاملة تمزج بين الأمني والنفسي والسياسي. في سياق صراع ممتد ومعقّد، تتحول المعلومة إلى مورد استراتيجي موازٍ للقوة العسكرية، ويغدو التحكم في تدفقها عنصرًا حاسمًا في إدارة المعركة، ليس فقط على الأرض، بل في تشكيل الوعي العام داخليًا وخارجيًا. ومن هذا المنظور، يصبح التعتيم أداة فاعلة تُستخدم بوعي لتوجيه الإدراك، وضبط التوقعات، والحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية.
في جوهره، يرتبط التعتيم بالحفاظ على الاستقرار المجتمعي ومنع تآكل المعنويات. فالمجتمع الإسرائيلي، الذي يعيش حالة تعبئة شبه دائمة، يتأثر بعمق بحجم الخسائر البشرية، خصوصًا عندما تطال الجنود أو المدنيين على حد سواء. الإعلان عن أرقام مرتفعة قد يفتح الباب أمام موجات من القلق، وربما الاحتجاج، ويُضعف الثقة بالقيادة السياسية والعسكرية، خاصة إذا طال أمد العمليات دون حسم واضح. لذلك، تُدار المعلومات بعناية، بحيث تُحافظ على حالة التعبئة دون الانزلاق إلى الإحباط، في معادلة دقيقة بين الكشف والإخفاء.
في الوقت ذاته، يخدم التعتيم هدفًا مركزيًا في حرمان الخصم من تحقيق مكاسب معنوية. فالحروب الحديثة لا تُحسم فقط بالسيطرة على الأرض، بل بقدرة كل طرف على فرض روايته وإقناع جمهوره بجدواها. الكشف عن الخسائر قد يمنح الخصوم مادة دعائية تُستخدم لتأكيد فاعلية عملياتهم، حتى وإن كانت محدودة عسكريًا. وعليه، يصبح تقليل هذه الخسائر أو تأخير إعلانها جزءًا من معركة أوسع على الصورة والانطباع، حيث تُدار الحرب بوصفها صراعًا على الإدراك بقدر ما هي مواجهة ميدانية.
إلى جانب البعدين النفسي والإعلامي، هناك بعد عملياتي مباشر يفسر جانبًا من هذا التعتيم. فبعض المعلومات المرتبطة بالخسائر قد تكشف، بصورة غير مباشرة، عن طبيعة العمليات العسكرية، أو تكتيكات الانتشار، أو حتى نقاط الضعف. في بيئة قتالية تتسم بالتعقيد والتطور التكنولوجي، يمكن لأي معلومة جزئية أن تُستثمر من قبل الخصم لتحسين أدائه. لذلك، يُنظر إلى حجب هذه التفاصيل كإجراء وقائي يهدف إلى حماية القوات والحفاظ على سرية العمليات الجارية.
ولا ينفصل هذا النهج عن البعد السياسي الخارجي، حيث تسعى إسرائيل إلى الحفاظ على صورة الردع والقدرة على السيطرة. هذه الصورة ليست مجرد عنصر دعائي، بل هي عامل مؤثر في حسابات الحلفاء، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة. فاستمرار الدعم السياسي والعسكري يرتبط، جزئيًا، بالانطباع العام عن قدرة إسرائيل على إدارة الصراع بكفاءة. من هنا، يصبح تقليل الحديث عن الخسائر جزءًا من الحفاظ على هذه الصورة، بما يخدم المصالح الاستراتيجية الأوسع.
على مستوى الأدوات، تعتمد إسرائيل على منظومة رقابة عسكرية مؤسسية تفرض قيودًا واضحة على نشر المعلومات الحساسة. هذه الرقابة لا تقتصر على المنع، بل تمتد إلى توجيه الخطاب الإعلامي بصورة غير مباشرة، عبر تحديد ما يمكن نشره وتوقيته. في كثير من الحالات، يتم تأخير الإعلان عن الخسائر إلى حين استكمال إجراءات معينة، مثل إبلاغ العائلات أو انتهاء العمليات المرتبطة بها، ما يتيح هامشًا لإدارة التوقيت بما يتلاءم مع الأهداف السياسية والعسكرية.
بالتوازي، يجري توجيه السردية الإعلامية عبر التركيز على الإنجازات العسكرية، مثل تدمير أهداف أو تحييد تهديدات، مقابل تقليل مساحة الحديث عن الخسائر. كما تُستخدم لغة مخففة عند الإشارة إلى الأضرار، بما يحد من أثرها النفسي. ويساهم الاعتماد على مصادر رسمية موحدة في تقليص فرص تضارب الروايات، وتعزيز الانضباط الإعلامي، وهو ما ينعكس في خطاب متماسك ينسجم مع الرواية الرسمية.
غير أن هذا النهج يواجه تحديات متزايدة في عصر الإعلام الرقمي المفتوح. فوسائل التواصل الاجتماعي، والصحافة الدولية، والتسريبات، تفرض واقعًا يصعب فيه احتكار المعلومة كما في السابق. وغالبًا ما تظهر معلومات جزئية أو متناقضة مع الرواية الرسمية، ما يؤدي إلى تشكل صورة غير مكتملة، ويطرح تساؤلات حول حدود الشفافية. هذا التباين قد يخلق فجوة في الثقة، خصوصًا عندما تتراكم الفوارق بين ما يُعلن وما يتداول.
في هذا السياق، يعكس التعتيم الإسرائيلي على الخسائر بنية عميقة في عقيدة الأمن القومي، حيث تُعامل المعلومة كأداة قوة لا تقل أهمية عن السلاح. فإدارة الإدراك العام تصبح هدفًا بحد ذاته، وتُصاغ رواية رسمية تسعى إلى ضبط الوعي وتقليل مساحة الشكوك، مع التحكم بتوقيت نشر المعلومات بما يخدم القرار السياسي والعسكري. ولا يقتصر الأمر على الحجب، بل يشمل إعادة تشكيل الواقع ضمن إطار سردي محدد.
كما يتداخل التعتيم مع إدارة الحرب النفسية، حيث يُستخدم لتقليص قدرة الخصم على استثمار الخسائر معنويًا، في مقابل تضخيم النجاحات لإعادة تشكيل ميزان الإدراك. وهنا يتحول الإعلام إلى ساحة موازية للمعركة، تُخاض فيها حرب الروايات بالتوازي مع العمليات العسكرية، في محاولة مستمرة لمنع تشكل صورة هزيمة أو ضعف.
ويكشف هذا النهج أيضًا عن طبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والإعلام، حيث لا تُعامل الصحافة كسلطة رقابية مستقلة بالكامل في أوقات الأزمات، بل كشريك ضمني في إدارة المعركة. فإلى جانب القيود القانونية، تتشكل رقابة ذاتية لدى وسائل الإعلام، تدفعها إلى تبني خطاب قريب من الرواية الرسمية، ما يحد من التعددية ويؤخر ظهور الصورة الكاملة.
ومع ذلك، لم يعد التعتيم قائمًا على الإخفاء وحده، بل بات عملية ديناميكية لإدارة الفيض المعلوماتي. فالتحدي لم يعد في منع المعلومة، بل في توجيهها وإعادة صياغتها ضمن سياق يخدم الأهداف الاستراتيجية. وفي هذا التحول، يتجلى إدراك متزايد بأن السيطرة على السردية، لا حجبها فقط، هي مفتاح التأثير في زمن تتدفق فيه المعلومات بلا حدود.
ويختلف الأسلوب الأميركي عن التعتيم الإسرائيلي في كونه أقل مركزية وأكثر خضوعًا لتعدد مراكز القرار والرقابة. ففي الولايات المتحدة، ورغم وجود اعتبارات أمن قومي، تلعب المؤسسات الإعلامية المستقلة والكونغرس دورًا فاعلًا في كشف الخسائر ومحاسبة السلطة التنفيذية، ما يحدّ من إمكانية الإخفاء الكامل. كما أن ثقافة الشفافية النسبية، خاصة بعد تجارب مثل فيتنام والعراق، دفعت نحو نشر أرقام الخسائر بشكل دوري. ومع ذلك، تلجأ واشنطن إلى إعادة تأطير الخسائر ضمن خطاب تبريري، بدل إخفائها، مع التركيز على الأهداف الاستراتيجية والإنجازات العسكرية.





شارك برأيك
التعتيم الإسرائيلي على الخسائر: بين ضرورات الأمن وإدارة السردية