تتصاعد حدة المواجهات العسكرية في السودان مع دخول الحرب عامها الثالث، حيث لم يعد الصراع مقتصرًا على الداخل بل امتد ليشمل شبكة معقدة من التحالفات الإقليمية ومسارات الإمداد العسكري التي تغذي الجبهات المشتعلة بين الجيش وقوات الدعم السريع. وتكشف التقارير الميدانية عن دور محوري تلعبه دول الجوار في رسم خارطة القوى، وسط اتهامات متبادلة بالتدخل المباشر وغير المباشر.
تتصدر دولة الإمارات قائمة الاتهامات التي توجهها الحكومة السودانية، حيث تشير تقارير دولية إلى وجود جسر جوي عسكري لنقل العتاد إلى قوات الدعم السريع التي تسيطر على مساحات واسعة في غرب وجنوب البلاد. ورغم النفي القاطع من أبوظبي، إلا أن عقوبات الخزانة الأمريكية على قادة في الدعم السريع كشفت عن روابط مالية ولوجستية وثيقة تمر عبر دول مثل تشاد وليبيا.
في المقابل، تبرز مصر كحليف استراتيجي للجيش السوداني بقيادة الجنرال عبد الفتاح البرهان، حيث ترى القاهرة في مؤسسة الجيش الضامن الوحيد للاستقرار والشرعية. وتؤكد مصادر دبلوماسية أن مصر تسعى جاهدة لصد التوسع الإماراتي في المنطقة، خاصة في ظل التنافس على الموارد الزراعية وموانئ البحر الأحمر التي تمثل عمقاً استراتيجياً للأمن القومي المصري.
شهدت الأشهر الأخيرة اتهامات من جانب قوات الدعم السريع للقاهرة بالمشاركة المباشرة في العمليات العسكرية عبر شن غارات جوية وتزويد الجيش بطائرات مقاتلة ومسيرات حديثة. وقد رصدت صور الأقمار الاصطناعية انتشاراً لمنظومات طيران مسير، يُرجح أنها تركية الصنع، في قواعد جوية مصرية قريبة من الحدود السودانية، مما يعزز فرضية الدعم العسكري المباشر للخرطوم.
على الجبهة الليبية، يبرز دور المشير خليفة حفتر الذي يسيطر على شرق البلاد، حيث تتهمه منظمات دولية بتسهيل عبور شحنات الوقود والأسلحة لصالح قوات الدعم السريع. السيطرة على المثلث الحدودي الاستراتيجي بين السودان وليبيا ومصر مكنت الدعم السريع من تأمين خطوط إمداد حيوية قادمة من القواعد الخلفية في الجنوب الليبي بتنسيق إقليمي.
تحركت مصر والسعودية وتركيا لممارسة ضغوط دبلوماسية وعسكرية مكثفة لقطع هذه الشرايين، مما أدى إلى إغلاق مطار الكفرة الليبي الذي كان يعد قاعدة أساسية للواردات العسكرية. وأفادت مصادر أمنية أن الطريق البري الواصل بين شرق ليبيا ومعاقل الدعم السريع في دارفور قد قُطع بالكامل تقريباً نتيجة هذه التحركات المنسقة لتجفيف منابع الإمداد.
أدى التضييق على المسارات الليبية إلى تحول ثقل الإمدادات نحو الأراضي التشادية، حيث وثقت تحقيقات دولية عبور شحنات أسلحة عبر مطار أم جرس القريب من الحدود السودانية. وبالرغم من نفي الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي تقديم أي تسهيلات عسكرية، إلا أن الضغوط الداخلية من إثنية الزغاوة المعادية للدعم السريع دفعت السلطات لإغلاق الحدود مؤخراً.
الإمارات أقامت جسراً جوياً عسكرياً كبيراً للوصول إلى قوات الدعم السريع عبر أنظمة عميلة في دول الجوار.
الجبهة الشرقية للسودان لم تكن بمنأى عن هذا الاستقطاب، حيث وجهت الخرطوم اتهامات صريحة لإثيوبيا بالسماح باستخدام أراضيها كمنطلق لهجمات الطائرات المسيرة. وتحدثت تقارير عن إقامة معسكرات تدريب داخل الأراضي الإثيوبية تضم آلاف المقاتلين التابعين للدعم السريع، بهدف شن عمليات في مناطق النيل الأزرق الاستراتيجية التي تشهد معارك طاحنة.
أظهرت تحليلات لصور الأقمار الاصطناعية أجريت في عام 2025 تنفيذ عمليات تطوير وتوسعة في مطار أصوصا بشمال إثيوبيا، وهو المطار الذي استُخدم سابقاً كقاعدة لإطلاق المسيرات. ورغم النفي الرسمي من أديس أبابا، إلا أن التحركات الميدانية تشير إلى تحول المنطقة إلى قاعدة خلفية محتملة لدعم العمليات العسكرية ضد الجيش السوداني في الولايات الشرقية.
يعكس هذا التداخل الإقليمي صراعاً أوسع على النفوذ في القرن الإفريقي ومنطقة البحر الأحمر، حيث تضخ دول مثل الإمارات مليارات الدولارات للاستثمار في قطاعات الذهب والزراعة. هذا التوسع الاقتصادي يواجه بمقاومة من حلف إقليمي يضم مصر والسعودية، اللتين تريان في التحركات الإماراتية تهديداً لموازين القوى التقليدية في المنطقة الحيوية.
تسببت هذه التحالفات المتضاربة في إطالة أمد النزاع المسلح وزيادة معاناة المدنيين، حيث تتدفق الأسلحة المتطورة إلى طرفي الصراع رغم الحظر الدولي المفروض. ويرى مراقبون أن استمرار تدفق الدعم العسكري عبر الحدود المفتوحة يجعل من الحل السياسي أمراً بعيد المنال في ظل رهان كل طرف على حلفائه الإقليميين لتحقيق حسم عسكري على الأرض.
أفادت مصادر بأن الضغوط المصرية الأخيرة شملت تدمير قافلات إمداد كانت تحاول عبور الحدود الغربية، في رسالة واضحة بأن القاهرة لن تسمح بزعزعة استقرار حدودها الجنوبية. هذا التصعيد الميداني يتزامن مع تحركات في مجلس الأمن الدولي لتوثيق الانتهاكات المتعلقة بخرق حظر توريد الأسلحة، وسط مطالبات بفرض عقوبات دولية مشددة على الجهات الموردة.
يبقى السودان ساحة لتصفية حسابات إقليمية كبرى، حيث تتداخل فيها المصالح الجيوسياسية مع الأطماع الاقتصادية في الموارد الطبيعية التي يزخر بها السودان. ومع تعنت الأطراف المتحاربة، تظل مسارات الإمداد عبر الصحاري والحدود الوعرة هي الشريان الذي يبقي آلة الحرب مشتعلة، مما يهدد بانهيار الدولة السودانية بالكامل وانتقال الفوضى إلى الجوار.
في نهاية المطاف، تظهر الخارطة العسكرية أن الصراع في السودان تجاوز كونه نزاعاً داخلياً على السلطة، ليصبح حرباً بالوكالة تتعدد فيها الأطراف والوسائل. وبينما تستمر الطائرات المسيرة والشحنات العسكرية في العبور عبر الحدود، يظل الشعب السوداني هو الضحية الأكبر لهذا التكالب الإقليمي الذي لا تلوح في أفقه بوادر تهدئة قريبة.





شارك برأيك
خارطة التحالفات العسكرية في السودان: مسارات الإمداد وصراع النفوذ الإقليمي