يرصد المتأمل في مسارات التحول التاريخي للمجتمعات الناشئة ظاهرة مرضية تبرز بوضوح كلما اهتزت الأركان القديمة وبزغت ملامح يقظة جديدة. تسمى هذه الظاهرة 'نخب الفقاعة'، وهي فئة تتقن الطفو فوق تضحيات الآخرين مستغلة حالة السيولة القيمية والاضطراب الفكري السائد.
هؤلاء ليسوا مجرد عابرين في قطار المرحلة، بل هم طفيليات يمتصون رحيق الآمال ليحقنوا في جسد الأمة سموم الرداءة والزيف. تبدأ مأساة هذه النخب من الخواء الذاتي، حيث يفتقر الواحد منهم إلى الجذور الضاربة في الأرض التي يستمد منها المثقف الحقيقي وقاره وتواضعه.
إن 'نخب الفقاعة' كائنات بلا جذر، صُنعت من غشاء رقيق من الادعاء يملؤه هواء ساخن من الغرور والانتفاخ الأخلاقي. هذا الانتفاخ ليس إلا ورماً فكرياً يُراد به الإيهام بالعظمة، بينما الحقيقة تكمن في هشاشة داخلية يحاولون حمايتها بدروع من سوء الخلق.
بسبب افتقارهم للبضاعة الفكرية الرصينة، يجد هؤلاء أنفسهم مضطرين لانتهاج سياسة الهدم كبديل عن البناء والفاعلية الصادقة. إنهم لا يستطيعون الارتقاء إلى قمة الجبل، فيحاولون جاهدين خفض القمة لتتساوى مع القاع الذي يقفون عليه عبر مهاجمة المخلصين وتخوينهم.
في عرف الفيزياء، تطفو الأجسام الهشة فوق السطح بينما يغوص الذهب والياقوت في الأعماق، وكذلك تفعل نخب الفقاعة في زمن الثورات. تطفو هذه الفئة لأنها الأخف وزناً قيمياً والأسرع تجاوباً مع رياح المصالح، مشكلة زبداً يحجب رؤية النهر الحقيقي المتدفق.
تحمل هذه الفقاعات بذور فنائها في جوهر تكوينها، فكلما ازدادت تورماً واستعلاءً رق غشاؤها واقتربت لحظة انفجارها الحتمية. ومع ذلك، فإن الركون إلى الانفجار الذاتي يعد نوعاً من التواكل الفكري الذي ترفضه الروح الوثابة الباحثة عن التغيير الحقيقي.
يقتضي الواجب الشرعي والقيمي وجود 'دبابيس الصادقين' الذين يحملون وعي النقد وصدق المواجهة لتفجير هذا الانتفاخ الكاذب في المشهد العام. إن هذه المواجهة ضرورية لصيانة الحقائق من الابتذال وحماية الحراك المجتمعي من الاختزال في وجوه جوفاء لا تحمل مشروعاً حقيقياً.
إن دبوس الصادق هو في الحقيقة أداة جراحة ضرورية لاستئصال الغرغرينا الفكرية من جسد الوعي الجمعي.
تتجلى قمة المأساة حين تتحول هذه النخب إلى أبواق مستأجرة تقايض كرامتها الفكرية بفتات الموائد المادية والمعنوية المعروضة أمامها. لقد تحول هؤلاء إلى ببغاوات بزي ثقافي، يرددون ما يتم تلقينهم إياه في الغرف الخلفية لخدمة أجندات لا تمت لمصالح الأمة بصلة.
هذا الارتهان يفسر تفشي الرداءة في الفضاءات الرقمية والإعلام المرئي، حيث استُبدل المفكر الرصين بـ 'المؤثر' التافه الذي يخاطب الغرائز. إن الرداءة هنا ليست مجرد ضعف في الأداء، بل هي منهج مقصود لتمييع القضايا الكبرى وتسطيح الوعي العام وتوجيه الجماهير.
يهدف سدنة الفقاعة ومن يقف خلفهم إلى خلق حالة من التيه الفكري تجعل من السهل سوق الجماهير نحو غايات تخدم مصالح ضيقة. لكن التاريخ، بوصفه الغربال القاسي، لا يحتفظ بالفقاعات مهما علا شأنها، بل يلقي بها في غياهب النسيان مع مرور الزمن.
إن الصراع القائم بين نخب الفقاعة وبين أبناء القضايا المخلصين هو صراع أزلي بين الزيف والحقيقة، وبين العَرَض العابر والجوهر الباقي. ومهما زاد ضجيج الأبواق وانتفخت القصور الورقية، فإن جداراً واحداً من الصدق الكفيل بهدم تلك الكيانات الهشة وإعادة الأمور لنصابها.
يبقى الأمل معقوداً على تلك البقية الباقية من أولي النهى الذين يرفضون السقوط في فخ الرداءة ويصرون على أن الكلمة أمانة ثقيلة. هؤلاء هم الذين يدركون أن طريق الخلاص يبدأ بتسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية دون مواربة أو تجميل للواقع المرير.
يجب أن تسمى الفقاعة فقاعة مهما بلغت درجة انتفاخها، ويجب أن يظل الفكر الصادق هو المنارة الوحيدة التي تهتدي بها الأجيال. إن استئصال الغرغرينا الفكرية من جسد الوعي الجمعي هو الخطوة الأولى نحو بناء مجتمع سليم قادر على مواجهة التحديات.
في نهاية المطاف، لا يصح إلا الصحيح، وتظل تضحيات الصادقين وعرق الثائرين هي الوقود الحقيقي للتحولات التاريخية الكبرى. أما نخب الفقاعة، فمصيرها التلاشي بمجرد ملامسة الحقيقة، ليبقى الأثر الطيب والفكر الرصين وحدهما في ذاكرة الشعوب الحية.





شارك برأيك
نخب الفقاعة: حين يتصدر الزيف مشهد التحولات الكبرى