أقلام وأراء

الأربعاء 11 مارس 2026 6:34 صباحًا - بتوقيت القدس

بؤس القوة الصهيونية وأوهام الاستسلام الإيراني: قراءة في تحالف ترامب ونتنياهو

يرى مراقبون أن محركات سياسات الدول الكبرى باتت تبتعد كلياً عن القيم والمبادئ، لتتمحور حول المصالح الضيقة التي قد لا تتوافق بالضرورة مع مصالح الشعوب. وفي هذا السياق، تسعى قوى دولية لتشويه مفاهيم السلام والتعايش لتبرير حروب عدوانية تخدم أجندات سياسية محددة، وهو ما يتجلى في الدعم المطلق لتوجهات اليمين المتطرف في إسرائيل.

تظهر التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب انحيازاً كاملاً لرؤية بنيامين نتنياهو، حيث وصل الأمر بترامب إلى التدخل المباشر في الشؤون الداخلية الإيرانية عبر الدعوة لتغيير القيادة. هذا النهج يعكس قصراً في النظر السياسي، حيث يضع المصالح الأمريكية في تبعية كاملة للأهداف الإسرائيلية التي تسعى لتدمير الخصوم الإقليميين دون اعتبار للعواقب الدولية.

إن محاولات تغيير الأنظمة السياسية بالقوة أثبتت فشلها تاريخياً، كما حدث في التجربة الأمريكية المريرة في أفغانستان التي انتهت بعودة طالبان للحكم بعد عقدين من الحرب. ومع ذلك، يبدو أن الإدارة الأمريكية الحالية تكرر ذات الأخطاء عبر التلويح بالحرب الشاملة ضد إيران، متجاهلة أن التفاوض والردع يختلفان تماماً عن سياسة الهدم الكلي.

في حواراته الصحفية الأخيرة، أقر ترامب بأن القرارات المتعلقة بالحرب مع إيران ستكون 'مشتركة' مع نتنياهو، مما يعكس تراجعاً في استقلالية القرار السيادي الأمريكي لصالح تل أبيب. هذا التحالف يكرس مفهوم احتكار القوة وممارسة الهيمنة، مما يزرع بذور صراعات مستقبلية لن تقتصر شرارتها على الشرق الأوسط بل قد تمتد لتشمل العالم أجمع.

تختلف استراتيجية 'سلام القوة' التي تدعيها إسرائيل عن النماذج الدولية المعترف بها، مثل تعامل أوروبا مع روسيا أو واشنطن مع الصين، حيث تُستخدم القوة هناك لمنع وقوع العدوان وليس لهندسته. ما تفعله إسرائيل حالياً هو خروج صريح على قواعد النظام الدولي عبر اجتياح حدود دول مستقلة وممارسة سياسات التهجير القسري وحروب الإبادة.

يسعى نتنياهو من خلال ما يصفه بـ 'حرب يوم القيامة' إلى فرض هيمنة كاملة تتيح له التحكم في أنظمة تسليح الدول المجاورة وسياساتها الدفاعية. هذه الاستراتيجية تهدف إلى إخضاع المنطقة عسكرياً عبر نفوذ 'عن بعد'، مما يضع جغرافيا المنطقة الممتدة من النيل إلى الفرات في دائرة خطر وجودي غير مسبوق.

على الجانب الآخر، جاء اختيار مجتبى خامنئي ليكون المرشد الثالث للثورة الإيرانية ليعزز من نفوذ الحرس الثوري ومؤسسة خاتم الأنبياء في مفاصل الدولة. هذا التطور يبعث برسالة واضحة مفادها أن الرهان على سقوط النظام الإيراني أو استسلامه الكامل تحت ضغط الضربات العسكرية هو رهان خاسر وغير واقعي.

تشير المعطيات الميدانية إلى أن إيران بقيادة الحرس الثوري تتجه نحو التصعيد الدفاعي وتطوير قدراتها الصاروخية لحماية أراضيها وأجوائها. ورغم الأخطاء الاستراتيجية التي وقعت فيها طهران بضرب أهداف في دول مجاورة، إلا أنها لا تزال تملك أوراق ضغط قوية قادرة على إرباك الحسابات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.

دبلوماسياً، بدأت طهران مساراً لـ 'تدويل الحرب سياسياً' عبر مطالبة مجلس الأمن الدولي بمحاسبة واشنطن على انتهاكات القانون الدولي. هذا التحرك يتزامن مع 'تدويل اقتصادي' تمثل في التهديد الجدي بإغلاق مضيق هرمز، وهو ما أدى بالفعل إلى قفزة كبيرة في أسعار الطاقة العالمية اقتربت من حاجز المئة دولار للبرميل.

إن استمرار غرور القوة وحماقات القيادات الحالية في إسرائيل والولايات المتحدة يقلص فرص وقف إطلاق النار ويدفع المنطقة نحو حرب استنزاف قد تستمر لسنوات. العالم اليوم يقف أمام مأزق اقتصادي وسياسي حاد، حيث يهدد التضخم وحالة عدم اليقين بانهيار فرص النمو العالمي وانزلاق البشرية نحو كارثة تاريخية لا يمكن التنبؤ بنهايتها.

دلالات

شارك برأيك

بؤس القوة الصهيونية وأوهام الاستسلام الإيراني: قراءة في تحالف ترامب ونتنياهو

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.