عربي ودولي

الأربعاء 11 مارس 2026 6:19 صباحًا - بتوقيت القدس

تضارب في واشنطن حول 'استراتيجية الخروج' من الحرب على إيران وسط ضغوط اقتصادية وشعبية

تكتنف حالة من الغموض استراتيجية خروج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران، في ظل صدور روايات متباينة من البيت الأبيض والبنتاغون بشأن الجدول الزمني للنزاع وأهدافه النهائية. وأفادت مصادر بأن ترامب صرح للصحافيين مؤخراً بأن الولايات المتحدة تقترب جداً من إنهاء عملياتها، مما يوحي برغبة في مخرج قريب، إلا أن الواقع الميداني والتصريحات اللاحقة لمسؤوليه تشير إلى خلاف ذلك.

من جانبه، أكد وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث أن الصراع لا يزال تحت السيطرة، كاشفاً عن استمرار تقليص عدد موظفي السفارات الأمريكية في المنطقة كإجراء احترازي. ولوّح هيغسيث بحملة قصف وصفها بأنها ستكون الأكبر من نوعها، مما يعكس فجوة واضحة بين حديث الرئيس عن النهاية الوشيكة واستعدادات الجيش لمراحل أكثر تصعيداً في العمليات العسكرية الجارية.

وفي سياق متصل، أبدى المبعوث الأمريكي الخاص إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف عدم معرفته بكيفية نهاية هذه الحرب، مشدداً على أن الخط الأحمر الوحيد هو منع طهران من امتلاك سلاح نووي. وأشار ويتكوف إلى أن أفعال النظام الإيراني تتناقض مع ادعاءاته السلمية، مؤكداً أن الرئيس ترامب لن يتهاون في فرض معادلة ردع تمنع التهديد النووي بشكل نهائي.

المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، وضعت شرطاً فضفاضاً لإنهاء الحرب، وهو وصول إيران إلى حالة 'الاستسلام غير المشروط' وتوقفها عن تشكيل تهديد للقوات الأمريكية وحلفائها. ولم تقدم ليفيت أي جدول زمني واضح، مكتفية بالقول إن القرار بيد القائد الأعلى للقوات المسلحة لتقييم مدى تحقيق الأهداف العسكرية على الأرض، وهو ما يفتح الباب أمام صراع طويل الأمد.

ميدانياً، دخلت المواجهة مرحلة حرجة منذ بدء الهجوم المشترك في 28 فبراير الماضي، حيث ردت إيران بإطلاق أكثر من 2000 صاروخ وطائرة مسيرة استهدفت دول الخليج. وقد نالت الإمارات النصيب الأكبر من هذه الهجمات، بينما تعرضت البحرين لاستهداف مباشر لمصفاة النفط الوحيدة فيها، مما أدى لإصابات بشرية وإعلان حالة القوة القاهرة في قطاع الطاقة.

داخلياً، يواجه ترامب تراجعاً حاداً في شعبيته التي وصلت إلى 38%، حيث أظهرت استطلاعات الرأي أن أكثر من نصف الأمريكيين يعارضون الطريقة التي يدير بها الأزمة. وكشف استطلاع لشبكة 'إن بي سي نيوز' أن 54% من المواطنين يرفضون العمل العسكري، بينما يخشى 71% من المشاركين في استطلاعات أخرى أن يمتد الصراع لسنوات، محاكياً تجارب العراق وأفغانستان.

وعلى الصعيد الدولي، أعرب المستشار الألماني فريدريش ميرتس عن قلقه العميق من غياب خطة مشتركة لإنهاء الحرب، مؤكداً أن أوروبا ليس لها مصلحة في نزاع لا نهاية له. وتأتي هذه التصريحات بعد أن كان ميرتس قد أبدى دعماً أولياً لفكرة تغيير النظام، لكنه عاد للمطالبة بالعودة إلى طاولة المفاوضات بالتنسيق مع قادة فرنسا والمملكة المتحدة.

اقتصادياً، تسببت الحرب في اضطرابات عنيفة بأسواق الطاقة العالمية، حيث قفزت أسعار النفط لتلامس حاجز 119 دولاراً للبرميل قبل أن تتراجع نسبياً عقب تصريحات تهدئة من ترامب. ويخشى مراقبون أن يؤدي استمرار الحرب إلى ارتفاع أسعار البنزين في الداخل الأمريكي، مما قد ينعكس سلباً على نتائج انتخابات التجديد النصفي المقبلة ويضع ضغوطاً سياسية إضافية على الإدارة.

وفي محاولة لتبديد المخاوف، حاول وزير الدفاع هيغسيث التأكيد على أن هذه الحرب تختلف جذرياً عن غزو العراق عام 2003، مشدداً على أنها ليست حرب 'بناء دول'. وأوضح أن الجيل الحالي من القادة العسكريين لن يسمح بتكرار أخطاء الإدارات السابقة، رغم أن الغموض حول تعريف 'النصر' أو 'الاستسلام الإيراني' لا يزال يثير تساؤلات المشرعين في الكابيتول هيل.

من جهة أخرى، يرى خبراء سياسيون أن أهداف واشنطن قد لا تتطابق بالضرورة مع الأهداف الإسرائيلية في هذا النزاع، حيث تركز أمريكا على تحييد القدرات الهجومية الإيرانية. وأشار مارك شورت، المسؤول السابق في إدارة ترامب، إلى أن الرئيس قد يجد نفسه مضطراً للبحث عن مخرج سريع بسبب تكلفة الطاقة المرتفعة، وهو عامل حاسم في حساباته السياسية والانتخابية.

إيران من جانبها، أظهرت صموداً سياسياً بتعيين مرشد أعلى جديد وتكثيف عملياتها الصاروخية ضد القواعد والمصالح الحيوية في المنطقة، نافية الرواية الأمريكية حول انهيار قيادتها. وتؤكد مصادر مطلعة أن طهران تشترط لوقف إطلاق النار رحيل القواعد الأمريكية من المنطقة بشكل كامل، وهو شرط تضعه أمام دول الخليج كقاعدة لعودة العلاقات الطبيعية.

وفي ظل هذا التصعيد، نجحت الدفاعات الجوية في البحرين في اعتراض مئات الأهداف الجوية منذ بدء النزاع، إلا أن وصول بعض الصواريخ إلى أهداف حيوية مثل مصفاة سترة كشف عن ثغرات أمنية مقلقة. وتتزايد الضغوط على دول المنطقة التي تجد نفسها في قلب صراع القوى الكبرى، وسط تقارير عن خلافات داخلية حول مستوى الانخراط في التحالف العسكري الذي يقوده ترامب.

ويبقى التساؤل القائم في أروقة واشنطن حول ماهية 'الخط الأحمر' الحقيقي، فبينما يتحدث البعض عن السلاح النووي، تذهب تصريحات أخرى نحو تغيير السلوك الإقليمي بالكامل. هذا التضارب في تحديد سقف التوقعات يجعل من استراتيجية الخروج أمراً معقداً، خاصة مع استمرار إيران في إظهار قدرتها على إلحاق أضرار اقتصادية جسيمة بحلفاء واشنطن في المنطقة.

ختاماً، يبدو أن ترامب يحاول الموازنة بين صورته كقائد حازم وبين رغبته المعلنة دائماً في إنهاء 'الحروب التي لا تنتهي'، وهي معادلة صعبة في ظل تعقيدات الملف الإيراني. ومع اقتراب أسعار النفط من مستويات قياسية، قد يجد البيت الأبيض نفسه مضطراً لتقديم تنازلات أو قبول تسويات لم تكن مطروحة في بداية الهجوم في فبراير الماضي.

دلالات

شارك برأيك

تضارب في واشنطن حول 'استراتيجية الخروج' من الحرب على إيران وسط ضغوط اقتصادية وشعبية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.