مع دخول المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران أسبوعها الثاني، بدأت ملامح الفشل تظهر على التقديرات الأولية التي وضعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فبعد أن أبدى دهشته من عدم استسلام طهران السريع، اصطدمت طموحاته بواقع سياسي وعسكري جديد يتجاوز حسابات الغارات الجوية المكثفة.
لقد شكل انتخاب السيد مجتبى خامنئي ولياً فقيهاً ثالثاً للجمهورية الإسلامية صدمة لصناع القرار في واشنطن وتل أبيب، حيث يُعرف الزعيم الجديد بصلابته وقدرته على إدارة الأزمات الطويلة. هذا التحول في القيادة، الذي جاء بعد استشهاد الإمام علي خامنئي، قطع الطريق على مراهنات ترامب حول حدوث انهيار داخلي في بنية النظام الإيراني.
وفي الوقت الذي صرح فيه ترامب في التاسع من مارس الجاري بأن نهاية الحرب باتت وشيكة، جاء رد الحرس الثوري الإيراني حاسماً بأن طهران هي من تملك زمام المبادرة في تحديد توقيت وشكل النهاية. هذا السجال يعكس انتقال ثقل المعركة من الهجوم الأمريكي المفاجئ إلى مرحلة استنزاف طويلة الأمد لم تكن في الحسبان.
ميدانياً، شهد الأسبوع الثاني تحولاً نوعياً في القدرات الصاروخية الإيرانية، حيث استخدمت طهران طرازات من الصواريخ البالستية الأكثر تطوراً وتقنية. وقد أسفرت هذه الضربات عن دمار واسع النطاق في مناطق استراتيجية ممتدة من النقب جنوباً وصولاً إلى حيفا شمالاً، مع تركيز مكثف على المراكز الحيوية في تل أبيب.
بالتوازي مع الجبهة الإيرانية، تضاعفت فاعلية حزب الله في العمليات القتالية بشكل ملحوظ مقارنة بالأيام الأولى للحرب. هذا التصعيد المنسق أربك حسابات نتنياهو الذي كان يأمل في تحييد الجبهات المساندة، مما جعل العمق الإسرائيلي تحت ضغط ناري غير مسبوق يهدد الاستقرار الداخلي للاحتلال.
وتشير المعطيات الحالية إلى استحالة تحقيق الهدف الأمريكي المعلن بالإطاحة بالنظام الإيراني واستبداله بقيادة موالية، على غرار السيناريوهات التي حاولت واشنطن تطبيقها سابقاً. فالبنية الداخلية للنظام أثبتت متانة عالية، مدعومة بالتفاف شعبي ظهر جلياً خلال مراسم وداع القيادة السابقة تحت القصف.
من جانب آخر، كشفت مصادر عن زيارة مرتقبة للمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف إلى إسرائيل الأسبوع المقبل لتنسيق الخطوات التصعيدية القادمة. وتأتي هذه الزيارة في ظل ادعاءات أمريكية بتدمير قدرات التخصيب الإيرانية، وهو ما تنفيه الوقائع الميدانية واستمرار تدفق الصواريخ المتطورة نحو الأهداف المحددة.
إيران هي التي تقرر كيف تنتهي الحرب ومتى، والميدان يثبت أن السيطرة الجوية لا تحسم معركة ضد شعب مقاتل.
وفي سياق التحركات الدولية، أبلغ الرئيس الروسي نظيره الأمريكي في اتصال هاتفي بأن موسكو لن تشارك معلومات استخباراتية مع طهران، في محاولة للنأي بنفسها عن الصدام المباشر. ومع ذلك، تظل التقارير حول تزويد إيران بإحداثيات لأهداف أمريكية تثير قلقاً بالغاً في أروقة البيت الأبيض والبنتاغون.
وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث توعد من جانبه بشن غارات هي الأعنف منذ بدء العدوان في 28 فبراير الماضي، في محاولة لاستعادة الردع المفقود. إلا أن هذه التهديدات قوبلت ببرود من القيادة الإيرانية، حيث وصفها علي لاريجاني بأنها 'جوفاء' ولن تغير من واقع الميدان شيئاً.
إن القراءة الدقيقة لمواقف ترامب المتعجل لقطف ثمار سياسية، ونتنياهو الذي تحركه دوافع البقاء في السلطة هرباً من أزماته القانونية، تشير إلى سوء تقدير استراتيجي. فالحروب الكبرى لا تُحسم بالسيطرة الجوية فقط، خاصة عندما تواجه جيوشاً تمتلك عقيدة قتالية وقاعدة صناعية عسكرية مستقلة.
لقد أثبت الشعب الإيراني عبر تاريخه العريق أنه لا يخضع لسياسات الإملاءات العسكرية، وهو ما يغيب عن 'الاستشراق الترامبي' الذي يبخس من قدر الخصوم. فالتلاحم بين القيادة الجديدة والكوادر المقاتلة على الأرض خلق سداً منيعاً أمام محاولات كسر الإرادة الوطنية الإيرانية.
وعلى الرغم من أن الحرب لا تزال في مراحلها الأولى، إلا أن التغير في معادلة القوة بين الأسبوعين الأول والثاني يصب في مصلحة محور المقاومة. فالصبر الاستراتيجي الذي تمارسه طهران بدأ يؤتي أكله في استنزاف القدرات الدفاعية الأمريكية والإسرائيلية المنهكة أصلاً من تعدد الجبهات.
إن التركيز على تدمير البنية التحتية الإيرانية لم يمنع طهران من إظهار تقدمها التقني في مجال الصواريخ البالستية والمسيرات الانتحارية. هذه القدرات التقنية، مضافة إليها الروح المعنوية العالية، تجعل من هدف 'تغيير النظام' مجرد أوهام سياسية بعيدة المنال في ظل الواقع الراهن.
ختاماً، يبقى الميدان هو الحكم الفصل في هذه المواجهة التاريخية التي أعادت رسم توازنات القوى في الشرق الأوسط. ومع استمرار تدفق الدعم الأمريكي العسكري لإسرائيل، تواصل إيران وحلفاؤها إرسال رسائل نارية تؤكد أن زمن الهيمنة الأحادية قد ولى، وأن ثمن العدوان سيكون باهظاً على الجميع.





شارك برأيك
معادلات الأسبوع الثاني: مأزق ترامب في مواجهة 'الولي الفقيه' الثالث وتصاعد القوة الصاروخية