تحليل

الإثنين 09 مارس 2026 6:33 صباحًا - بتوقيت القدس

صراع الإرادات في الشرق الأوسط: ما وراء الحرب النفسية والميدانية بين التحالف وإيران

تشهد المنطقة في الآونة الأخيرة تصعيداً غير مسبوق يتمثل في حرب نفسية متزامنة تشنها الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية، بموازاة العمليات العسكرية الشرسة المستمرة ضد إيران. وتقوم هذه الحرب على جملة من الادعاءات التي تحاول فرض واقع النصر المطلق لصالح الحلف الأمريكي الإسرائيلي، رغم التحديات التي يفرضها الميدان حتى اللحظة.

يبرز في هذا السياق خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يشدد على أن بلاده حشدت قوات هائلة في الشرق الأوسط لا يمكن مواجهتها. ويهدف ترامب من خلال هذه الضغوط إلى فرض استسلام كامل على القيادة الإيرانية، وصولاً إلى اختيار قيادة جديدة تتوافق مع الشروط والمصالح الأمريكية في المنطقة.

ولا تقتصر الأهداف الأمريكية على الجانب السياسي فحسب، بل تمتد لتشمل السيطرة الكاملة على احتياطيات النفط الإيراني، وفق ما تسرب من دوائر صنع القرار في واشنطن. وتستهدف هذه الحملة المكثفة الداخل الأمريكي وأطراف الصراع الإقليمي، في محاولة لزعزعة الاستقرار الداخلي في طهران.

من جانبه، يسوق رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو لرواية مفادها أن الحرب تقترب من نهايتها بانتصار تاريخي سيغير خارطة الشرق الأوسط. ويسعى نتنياهو من خلال هذا التصعيد إلى تحقيق رؤيته لما يسمى 'إسرائيل الكبرى'، مستغلاً الدعم العسكري والسياسي اللامحدود من واشنطن.

يدعي الطرفان الأمريكي والإسرائيلي أن الضربات الجوية المشتركة نجحت في تحييد الدفاعات الجوية الإيرانية وتدمير منصات إطلاق الصواريخ. وترافق ذلك مع دعوات تحريضية لعناصر الحرس الثوري والجيش الإيراني للتمرد، مع وعود بمنحهم عفواً كاملاً في حال انهيار النظام.

في المقابل، تتبع واشنطن وتل أبيب سياسة التكتم الإعلامي بشأن الخسائر البشرية والمادية التي تتكبدها قواتهما في الميدان. وتهدف هذه السياسة إلى الإيحاء بأن تكلفة الحرب ضئيلة مقارنة بالإنجازات المحققة، وذلك للحفاظ على معنويات الجبهة الداخلية في كلا البلدين.

وعلى الرغم من هذه الضغوط، يواصل الجانب الإيراني إظهار قدرات دفاعية وهجومية من خلال إطلاق صواريخ متطورة ذات قدرات تدميرية عالية. وتعكس هذه التحركات الميدانية رسالة تحدٍ واضحة، تؤكد فيها طهران رفضها للتفاوض تحت وطأة التهديد أو الاستسلام للشروط المفروضة.

لقد مضت تسعة أيام على اندلاع هذه المواجهة الشاملة التي استنزفت كميات ضخمة من الذخائر والموارد العسكرية من كافة الأطراف. ومع ذلك، لم تظهر أي مؤشرات على تغيير في المواقف الاستراتيجية، مما يشير إلى أن الصراع قد يطول أمده أكثر مما كان متوقعاً في البداية.

وفي تطور لافت، أعلنت مصادر إيرانية عن توجه لوقف استهداف القواعد العسكرية في دول الجوار، شريطة عدم استخدام أراضيها كمنطلق للعدوان. وتأتي هذه الخطوة في إطار محاولة طهران تحييد الدول العربية وتأكيد حرصها على علاقات حسن الجوار رغم وجود القواعد الأمريكية.

من جهتها، التزمت دول الخليج العربي بسياسة الدفاع عن النفس وحرصت على عدم الانخراط المباشر في العمليات الهجومية ضد إيران. ويبدو أن هذا الموقف نابع من إدراك عميق للأبعاد الخطيرة لهذه الحرب وتأثيراتها الكارثية المحتملة على أمن واستقرار المنطقة بأكملها.

بدأت تظهر في الأفق ملامح استياء خليجي من الدور الأمريكي، حيث تشير مصادر إلى وجود شعور بأن واشنطن ركزت إمكانياتها لحماية قواتها وتل أبيب فقط. هذا القصور في الالتزامات الدفاعية تجاه الحلفاء التقليديين قد يؤدي إلى مراجعات استراتيجية عميقة في المستقبل القريب.

إن الأهداف المعلنة للتحالف الأمريكي الإسرائيلي تثير هواجس قوية لدى العواصم العربية، كونها تمس جوهر الأمن القومي العربي. فالأطماع التوسعية والسيطرة على الموارد لا تستثني أحداً، مما يجعل من الضروري إعادة تقييم المخاطر المحدقة بالمنطقة بعيداً عن البروباغندا.

كشفت التصريحات المسربة لوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو عن حقيقة أن إسرائيل هي من بادرت بالدفع نحو هذه المواجهة. وأوضح روبيو أن واشنطن وجدت نفسها مضطرة للانخراط في الحرب لحماية مصالحها وقواتها المنتشرة، مما يؤكد دور تل أبيب في التحريض على الصراع.

ختاماً، يبدو أن هذه الحرب قد بددت الكثير من الأوهام حول طبيعة التهديدات في المنطقة، وأعادت ترتيب الأولويات الاستراتيجية. فقد أثبتت الوقائع أن خطر الاحتلال يظل هو التهديد الدائم والداهم الذي يستهدف الأمة العربية برمتها، وليس مجرد طرف إقليمي واحد.

دلالات

شارك برأيك

صراع الإرادات في الشرق الأوسط: ما وراء الحرب النفسية والميدانية بين التحالف وإيران

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.