تشير القواعد التقليدية لفنون الحرب إلى ضرورة الإبقاء على مساحة للمناورة والتفاوض، إلا أن الخطوة الأمريكية الأخيرة باغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي قد أحرقت كافة جسور العودة مع طهران. هذا التطور الدراماتيكي يتجاوز مفهوم تغيير الأنظمة السياسية، ليدخل في صراع الهوية والرموز الدينية التي تشكل جوهر الدولة الإيرانية.
لا يمثل خامنئي مجرد رأس للهرم السلطوي يمكن استبداله في ترتيبات 'اليوم التالي'، بل هو المرجعية الدينية والأخلاقية الأعلى التي تحظى بقدسية خاصة لدى أتباع المذهب الشيعي. إن ضريحه ومكانته في الوجدان الإيراني تجعل من استهدافه عملاً يمس الكرامة الوطنية والدينية، وهو ما يختلف جذرياً عن نماذج سياسية أخرى شهدها العالم.
تعتبر القراءة الأمريكية التي حاولت إسقاط النموذج الفنزويلي على الحالة الإيرانية نوعاً من السذاجة السياسية المفرطة، نظراً للاختلافات الجوهرية في الثقافة والتركيبة الاجتماعية. فإيران تمتلك عمقاً بشرياً يصل إلى ثلاثة أضعاف سكان فنزويلا، بالإضافة إلى ترسانة عسكرية وقدرات دفاعية تجعل من المواجهة المباشرة مقامرة غير مأمونة العواقب.
جاء الرد الإيراني سريعاً وعنيفاً عبر استهداف المصالح الأمريكية في عدة عواصم خليجية بشكل متزامن، مما عكس رغبة طهران في توسيع دائرة الصراع. هذا التصعيد الميداني يبعث برسالة واضحة مفادها أن القيادة الإيرانية لم يعد لديها ما تخسره بعد استهداف رمزها الأول، وهو ما يضع المنطقة على فوهة بركان.
قرار إغلاق مضيق هرمز مثل ذروة التصعيد الإيراني، حيث يهدف لضرب الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي والضغط على القوى الدولية المتفرجة. هذه الخطوة تعني تحويل التهديدات النظرية إلى واقع ملموس يهدد إمدادات الطاقة العالمية ويضع المجتمع الدولي أمام استحقاقات اقتصادية وأمنية خطيرة وغير مسبوقة.
في المقابل، تعاني الإدارة الأمريكية من تخبط واضح في إدارة الأزمة، حيث بدأ التأييد الداخلي لقرارات الرئيس ترامب بالتراجع نتيجة المخاوف من الانزلاق لحرب شاملة. هذا الارتباك في واشنطن يغذي حالة من عدم اليقين لدى الحلفاء الدوليين الذين يراقبون المشهد بقلق بالغ على مصالحهم الاستراتيجية.
تجد دول الخليج نفسها في وضع حرج، حيث تلاشت الثقة في المظلة الأمنية الأمريكية التي لم تمنع وصول شرارات الصراع إلى أراضيها رغم وجود القواعد العسكرية. إن استهداف المصالح الحيوية في المنطقة يثبت أنه لا يوجد طرف بمنأى عن تداعيات الانفجار العسكري الكبير الذي تسببت به الخطوة الأمريكية.
اغتيال خامنئي ليس مجرد إنهاء لسلطة سياسية، بل هو مساس برمزية دينية وكرامة لا تقبل التفاوض في العرف الإيراني.
يطرح المراقبون تساؤلات ملحة حول الدوافع الحقيقية وراء قرار ترامب، وهل كان يدرك حجم كرة اللهب التي أطلقها في المنطقة. يرى البعض أن الرعونة في اتخاذ مثل هذه القرارات المصيرية قد تكون محاولة للهروب من ضغوط داخلية أو ملفات شخصية شائكة تلاحق الرئيس في واشنطن.
إن استنزاف دول الخليج وإدخال أوروبا في نفق اقتصادي مظلم يبدو نتيجة حتمية لاستمرار التصعيد العسكري الحالي دون أفق للحل. ومع ذلك، يصر البيت الأبيض على إظهار القوة لتجنب الاعتراف بالوقوع في فخ حرب استنزاف طويلة الأمد لا يمكن التنبؤ بنهايتها أو تكلفتها البشرية والمادية.
التاريخ يعلمنا أن الحروب مهما بلغت ضراوتها تنتهي دائماً على طاولة المفاوضات، لكن الثمن الذي تدفعه الشعوب من دماء ودمار لا يمكن تعويضه. إن القرارات التي تُعلي مصالح الأفراد والسلطة على حساب أمن البشر تقود العالم دوماً إلى كوارث إنسانية كان يمكن تلافيها بانتهاج لغة العقل والدبلوماسية.
تعيش الملايين اليوم تحت وطأة الذعر والخطر المحدق نتيجة غياب الحكمة السياسية وتغليب منطق القوة على منطق القانون الدولي. إن تحويل المنطقة إلى ساحة لتصفية الحسابات الشخصية والسياسية يعكس انحداراً في القيم الدبلوماسية التي كانت تحكم العلاقات بين الدول الكبرى والقوى الإقليمية.
يبقى السؤال قائماً حول قدرة المجتمع الدولي على التدخل للجم هذا التدهور المتسارع قبل وصول الصراع إلى نقطة اللاعودة. فالتخبط الأمريكي الحالي قد يدفع أطرافاً أخرى للتدخل، مما يحول النزاع من مواجهة ثنائية إلى حرب إقليمية واسعة النطاق تلتهم الأخضر واليابس في طريقها.
إن المقارنة بين ما يحدث اليوم وبين حروب سابقة انتقدها ترامب ووصف رؤساءها بـ 'الأغبياء' تضع صدقية الرئيس الأمريكي على المحك أمام ناخبيه. فالتورط في صراع مع دولة بحجم إيران وقدراتها يتطلب استراتيجية واضحة، وهو ما يبدو غائباً تماماً عن المشهد الحالي المليء بالرعونة.
في نهاية المطاف، ستصمت المدافع يوماً ما ويجلس الجميع للبحث عن مخرج، لكن الجروح التي خلفها اغتيال رمز ديني وسياسي ستظل غائرة في الذاكرة الإيرانية. إن كلفة السلام بعد هذا التصعيد ستكون باهظة جداً، وقد تتطلب تنازلات لم تكن واشنطن تتخيل تقديمها قبل إقدامها على هذه الخطوة الانتحارية.





شارك برأيك
تداعيات اغتيال خامنئي: هل أحرقت واشنطن مراكب العودة مع طهران؟