تتصاعد في الأوساط السياسية والأمنية داخل دولة الاحتلال تساؤلات جوهرية حول التناقض الصارخ في أداء الأجهزة الاستخباراتية، خاصة بعد المزاعم التي تحدثت عن تصفية نحو أربعين مسؤولاً إيرانياً رفيع المستوى في عملية خاطفة استغرقت أربعين ثانية فقط. هذا النجاح المزعوم أعاد فتح جراح الفشل الذريع الذي مُنيت به المنظومة الأمنية في السابع من أكتوبر، وسط حيرة من قدرة سلاح الجو والاستخبارات على رصد اجتماعات سرية للغاية في الخارج وعجزها عن كشف تحركات على حدود قطاع غزة.
وفي هذا السياق، اعتبر نحمان شاي، وزير شؤون الشتات السابق والمتحدث الأسبق باسم جيش الاحتلال أن ما حققته إسرائيل مؤخراً من اغتيالات لقادة النخبة السياسية والعسكرية في إيران يمثل قدرة استثنائية. وأوضح أن طائرات التحالف الإسرائيلي الأمريكي تمكنت من رصد اجتماع سري للغاية، مما أتاح لسلاح الجو تنفيذ ضربة دقيقة قضت على جميع المشاركين، وهو ما يطرح تساؤلاً مريراً حول سبب غياب هذه اليقظة في صبيحة الهجوم الكبير.
وأشار شاي في تحليل نشرته صحيفة معاريف، إلى أن العمليات العسكرية منذ الثامن من أكتوبر أظهرت قدرات عالية جداً لسلاح الجو والاستخبارات، اللذين يعتبران القوات 'المفضلة' في الجيش. ورغم هذه الإنجازات التي شملت اغتيالات واسعة في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، إلا أن الفشل المؤلم في أكتوبر يظل يلاحق هذه المؤسسات ويسلط الضوء على الفجوة غير المفهومة في الأداء الاستراتيجي.
ويرى المسؤول السابق أن الاغتيالات الدقيقة ليست سوى جزء من صورة استخباراتية أوسع تُعرض على صناع القرار لتمكينهم من اختيار الأهداف وتوقيت الهجوم. ومع ذلك، فإن هذه 'المعجزات' الاستخباراتية تثير سؤالاً ستطرحه الأجيال القادمة من الإسرائيليين واليهود حول العالم، وهو: أين كانت كل هذه التكنولوجيا والقدرات البشرية عندما بدأت الأحداث في غلاف غزة؟
لا يُعقل أن تكون هذه هي الدولة نفسها، والجيش نفسه، وأجهزة المخابرات نفسها التي زجّت بالإسرائيليين في هذا الفشل.
وتتركز صيغة التساؤل الإسرائيلي حول كيفية إخفاق كافة الأجهزة الأمنية مجتمعة، بدءاً من الاستخبارات العسكرية والوحدة 8200 المتطورة، وصولاً إلى جهاز 'الشاباك' المسؤول المباشر عن ملف غزة. وحتى جهاز 'الموساد'، الذي يراقب أنشطة حماس في الخارج، لم ينجُ من سهام النقد كونه كان يمتلك أجزاءً من الصورة العامة التي سبقت الهجوم بشكل أو بآخر.
وأكد شاي في قراءته للمشهد، أنه من الصعب استيعاب فكرة أن الجيش وأجهزة المخابرات التي تحقق نجاحات مذهلة اليوم هي ذاتها التي قادت الإسرائيليين إلى كارثة أكتوبر. هذه الفجوة العميقة بين 'الدهشة' من النجاح الحالي و'الاستغراب' من الفشل السابق، خلقت بيئة خصبة لانتشار نظريات المؤامرة وقصص الخيانة والاتهامات التي لا أساس لها من الصحة داخل المجتمع الإسرائيلي.
كما لفت الانتباه إلى أن الاتهامات الشخصية المتبادلة بين القادة لم تكشف عن الحقيقة الكاملة حتى الآن، معرباً عن شكوكه في إمكانية تشكيل لجنة تحقيق قادرة على تقديم إجابات شافية. ويبقى السؤال الذي يفتقر لأي إجابة منطقية في تل أبيب هو: ماذا حدث بالضبط في تمام الساعة 6:49 صباحاً من ذلك اليوم الذي غير وجه المنطقة؟
وخلص التحليل إلى أن صورة الاستخبارات 'القاتلة' التي تتباهى بها إسرائيل الآن في ملاحقة قادة حزب الله وحماس وإيران، تزيد من حجم المأزق الأخلاقي والمهني للمؤسسة الأمنية. فكلما زادت دقة العمليات الحالية، تعمقت القناعة بأن فشل السابع من أكتوبر لم يكن ناتجاً عن نقص في الوسائل، بل عن خلل بنيوي وتجاهل لمعلومات كانت كفيلة بتغيير مسار التاريخ.





شارك برأيك
تساؤلات في تل أبيب: كيف نجحت الاستخبارات ضد إيران وفشلت في منع السابع من أكتوبر؟