أفادت تقارير صحفية دولية بأن إسرائيل بدأت تتبنى نهجاً عسكرياً يتسم بالجرأة والمغامرة، مستغلة الظروف الراهنة لإعادة صياغة الواقع الجيوسياسي في المنطقة. وأشارت المصادر إلى أن سنوات من الردع المتبادل مع إيران قد انتهت، حيث باتت تل أبيب ترى في ترسانة حزب الله عائقاً تم تجاوزه عبر عمليات استباقية واسعة.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن إسرائيل والولايات المتحدة تفرضان سيطرة جوية كاملة فوق الأجواء الإيرانية، مما مكنهما من استهداف البنية التحتية للصواريخ الباليستية بشكل متكرر. هذا التحول يعكس رغبة إسرائيلية في تحييد التهديدات الوجودية قبل نضوجها، بدلاً من الاعتماد على تقديرات استخباراتية قد تخطئ في قراءة النوايا.
واعتبرت مصادر مطلعة أن الهجوم الذي شنه حزب الله مؤخراً، رغم محدودية تأثيره، وفر لإسرائيل الذريعة اللازمة لإطلاق حملة عسكرية كانت معدة مسبقاً في الأدراج. واستهدفت هذه الحملة قادة الحزب ومخازن سلاحه في بيروت ومناطق متفرقة من لبنان، في محاولة لتقويض قدرته على الرد نيابة عن طهران.
ويعكس هذا الواقع تحولاً جوهرياً في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي منذ أحداث السابع من أكتوبر، حيث تزايدت القناعة بضرورة تدمير قدرات الخصوم المادية فور تشكلها. ولم تعد النقاشات حول البرنامج النووي الإيراني تقتصر على التوقيت، بل انتقلت إلى مرحلة التنفيذ الفعلي لضرب المنشآت الحيوية.
وكشفت مصادر دفاعية أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو كان قد أصدر تعليماته للجيش منذ نهاية العام الماضي للتحضير لضربة منفردة ضد إيران. ومع ذلك، أبدى القادة العسكريون في البداية تحفظات بشأن قدرة إسرائيل على تحمل تبعات رد إيراني واسع يستهدف المدن الكبرى دون غطاء دولي.
تغير الموقف العسكري الإسرائيلي بشكل جذري بمجرد التأكد من المشاركة الأمريكية المباشرة في العمليات الهجومية والدفاعية ضد طهران. وبدأت واشنطن في حشد قواتها وتعزيز قدرات التزود بالوقود جواً، مما منح الطيران الإسرائيلي القدرة على تنفيذ غارات بعيدة المدى وبكثافة نيران غير مسبوقة.
ويرى جنرالات إسرائيليون أن هذه المرحلة تمثل فرصة تاريخية لا تتكرر لضرب البرنامج النووي الإيراني وإضعاف النظام إلى حافة الانهيار. وقد سمح الدعم الأمريكي اللوجستي بنشر أكبر أسطول جوي قتالي في تاريخ إسرائيل لتنفيذ مهام تدمير منصات الإطلاق الصاروخية في العمق الإيراني.
من المبالغة أن تعتقد دولة يبلغ تعداد سكانها 10 ملايين نسمة أنها قادرة على تغيير المنطقة بأكملها بمجرد استخدام القوة.
وفي الشأن اللبناني، تؤكد المحللة أورنا مزراحي أن العمليات الحالية ضد حزب الله ليست وليدة اللحظة، بل هي تنفيذ لخطط وضعت قبل أشهر طويلة. وتضيف أن إسرائيل كانت تتحين الفرصة المناسبة للانقضاض على البنية التحتية العسكرية التي يزرعها الحزب داخل المناطق السكنية في القرى والبلدات اللبنانية.
وتتهم إسرائيل حزب الله بخرق اتفاقات الهدنة السابقة بشكل مستمر، مما دفع الجيش لتكثيف غاراته اليومية تحت مسمى استهداف المواقع الإرهابية. وتزعم المصادر العسكرية أن الحزب حول المنازل المدنية إلى مخازن للقذائف ومنصات لإطلاق الصواريخ، مما يستدعي حملة تطهير شاملة.
من جانبه، يصر حزب الله على أن تحركاته تأتي في سياق الرد على الاستفزازات الإسرائيلية المتواصلة وانتهاك السيادة اللبنانية. وقد أدت هذه الموجة من التصعيد إلى سقوط عشرات الضحايا المدنيين ونزوح الآلاف من قراهم، مما ينذر بكارثة إنسانية تتفاقم مع استمرار العمليات العسكرية.
وتحذر أوساط تحليلية من أن الثقة المفرطة التي تبديها إسرائيل حالياً قد تؤدي إلى نتائج عكسية إذا لم تقترن بمسارات سياسية واضحة. فاستخدام القوة العسكرية المفرطة قد ينجح في تدمير الأهداف المادية، لكنه لا يضمن استقراراً طويل الأمد في منطقة تعج بالتعقيدات.
وتشير شيرا إيفرون، المحللة في مؤسسة راند، إلى أن الاعتقاد بقدرة دولة صغيرة على تغيير وجه المنطقة بالقوة وحدها هو نوع من المبالغة الاستراتيجية. وتؤكد أن السلوك العدواني، حتى وإن استهدف أطرافاً غير محبوبة دولياً، قد يواجه برفض إقليمي واسع يعقد الحلول الدبلوماسية مستقبلاً.
ويبدو أن الشراكة بين واشنطن وتل أبيب قد وصلت إلى مستويات غير مسبوقة من التنسيق العملياتي، حيث يتم تقاسم الأعباء القتالية بشكل علني. هذا التحالف يهدف ليس فقط لردع إيران، بل لفرض واقع جديد ينهي نفوذ الفصائل المسلحة المرتبطة بها في دول الجوار.
ختاماً، تظل المنطقة أمام سيناريوهات مفتوحة، حيث تواصل إسرائيل استغلال التفوق الجوي والدعم الغربي لتنفيذ أجندتها الجيوسياسية. ومع استمرار القصف المتبادل، يبقى السؤال حول مدى قدرة هذه الاستراتيجية على تحقيق أمن حقيقي بعيداً عن لغة الصواريخ والطائرات المسيرة.





شارك برأيك
نيويورك تايمز: إسرائيل تتبنى استراتيجية هجومية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط بدعم أمريكي