كنت أجلس ذات مساء أراجع بيانات التقييم المؤسسي لإحدى المدارس ضمن برنامج تطوير الإدارة التربوية، حين لفت نظري تناقض صارخ: نسب النجاح الأكاديمي بلغت ذروتها، ومؤشرات الأداء تتألق في كل خانة، غير أن تقارير المرشد التربوي تكشف تصاعدًا مقلقًا في حوادث التنمر، وتراجعًا حادًا في مهارات التعاطف والتواصل الإنساني بين الطلاب. وقفت أمام هذا التناقض طويلاً، وأدركت أننا نحصد ما زرعناه: عقولاً مصقولة، وأرواحاً متشققة.
لقد آن الأوان أن نقول بصوت عالٍ ما يهمس به الضمير التربوي منذ سنوات: نحن نعيش أزمة إنسانية في قلب مؤسساتنا التعليمية، وهي أزمة لا تُحلّ بمزيد من التقنية أو تحسين المناهج وحده، بل تبدأ بمراجعة جذرية لفلسفتنا في التعليم وغاياته.
منذ مطلع الألفية الثالثة، انخرطت معظم منظومات التعليم في العالم في سباق محموم تحكمه معادلة واحدة: الكفاءة القابلة للقياس. تصنيفات "بيزا" الدولية، ومؤشرات التنافسية المعرفية، ومتطلبات سوق العمل الرقمي، كلها قوى ضاغطة أعادت تشكيل الإدارة التربوية وفق منطق "المصنع": مدخلات، وعمليات، ومخرجات. وفي هذا المنطق، لا مكان يُذكر للأسئلة الوجودية الكبرى: ما الذي يجعل الإنسان إنسانًا؟ وما الذي يجعل المجتمع جديرًا بالعيش فيه؟
يقول المفكر التربوي الكبير جون ديوي: "الهدف من التعليم ليس أن تملأ دلوًا، بل أن تشعل نارًا." لكن النار التي نشعلها اليوم في مدارسنا هي في معظمها نار الطموح الفردي، لا نار الوعي الجماعي. نحن نُخرّج متسابقين بارعين، لكننا نُفقر المجتمع من الرفقاء الصادقين.
وهذا ما أسميه في أبحاثي "فجوة الإنسانية المؤسسية": الهوّة المتسعة بين ما تُعلنه المؤسسات التعليمية من قيم في وثائقها ورسائلها، وبين ما تُمارسه فعليًا في قاعات الدراسة وممرات المدارس. إنها فجوة لا تُرى في جداول البيانات، لكنها تُحسّ بعمق في نسيج المجتمع.
في علم النفس التربوي، يُميّز الباحثون بين نوعين من الذكاء: الذكاء الأداواتي الذي يُمكّن صاحبه من تحقيق أهدافه بكفاءة، والذكاء الأخلاقي الذي يُمكّنه من تحديد أيّ الأهداف يستحق السعي إليها أصلاً. لقد أجدنا في تنمية الأول، وأهملنا الثاني إهمالاً شبه تام.
والنتيجة؟ مجتمعات تعجّ بالخبراء الذين يتقنون تفسير القوانين المادية وتشغيل آليات الحياة، لكنها تفتقر إلى الأرواح القادرة على إدراك معنى العيش المشترك وكرامة الوجود. نرى محامين يعرفون كيف يُبرّئون المذنب، لكنهم لا يعرفون لماذا يجب أن يُدافعوا عن العدل. ونرى مديرين يتقنون إدارة الأزمات، لكنهم يعجزون عن الاعتراف بخطأ بسيط أمام فريقهم.
إن غياب الميزان الداخلي، هذا الضمير الحي الذي يوجّه الإنسان نحو الخير حتى حين لا يراقبه أحد، هو الجرح الأعمق في جسد منظومتنا التربوية. وهو جرح يتضاعف حين تُقدّم الإدارة التربوية نفسها نموذجًا للبيروقراطية الباردة، لا للقيادة الإنسانية الدافئة.
يُعرّف ريتشارد ستيرز الإدارة الفعّالة بأنها "القدرة على تحقيق الأهداف المؤسسية مع المحافظة على رضا أعضاء المنظمة وتطويرهم". لكنني أذهب أبعد من ذلك في تعريفي للإدارة التربوية الفعّالة: إنها القدرة على تحقيق الأهداف المؤسسية مع إنضاج الأرواح وصون كرامة الإنسان. واعتقد انها الشرط الجوهري لأي تعليم يدّعي أنه يخدم الإنسان.
تُشير نظرية القيادة التحويلية التي أرسى دعائمها جيمس ماكغريغور بيرنز إلى أن القائد التحويلي لا يكتفي بتحفيز أتباعه على تحقيق الأهداف، بل يرفع مستوى دوافعهم الأخلاقية ويُعلّمهم كيف يتجاوزون مصالحهم الضيقة نحو رؤية أشمل وأنبل. وهذا بالضبط ما تحتاجه مدارسنا اليوم: قادة تربويون تحويليون يُدركون أن دورهم لا يقتصر على رفع معدلات التحصيل، بل يمتد إلى تشكيل أرواح إنسانية قادرة على البناء والعطاء.
من واقع تجربتي الميدانية والأكاديمية، أرى أن استعادة الإنسانية في مؤسساتنا التعليمية تمرّ عبر ثلاثة مسارات متكاملة:
المسار الأول: إعادة تعريف النجاح. يجب أن تجرؤ الإدارات التربوية على توسيع مفهوم النجاح ليتجاوز الدرجات والشهادات، ويشمل مؤشرات النضج الأخلاقي والاجتماعي. لا يكفي أن يُجيد الطالب حل المعادلات؛ يجب أن يُجيد أيضًا الإنصات لزميله المكلوم، والاعتراف بخطئه بشجاعة، والتمسك بالحق حين يكون مكلفًا. هذه مهارات تُبنى، ولا تُولد، وتحتاج إلى بيئة مدرسية تُقدّرها وتُكافئها.
المسار الثاني: دمج التربية الأخلاقية في صميم المنهج. لا أعني بذلك إضافة مادة دراسية جديدة، بل أعني فلسفة تربوية متكاملة تجعل من كل موقف تعليمي فرصة لبناء الشخصية. من مناقشة نص أدبي إلى تجربة علمية، من حصة الرياضة إلى اجتماع مجلس الطلاب، ثمة فرص لا حصر لها لزرع قيم الأمانة والتعاون والمسؤولية، شريطة أن يمتلك المعلم والمدير الوعي الكافي لاستثمارها.
المسار الثالث: القيادة بالقدوة لا بالخطاب. إن أشد ما يُضعف التربية الأخلاقية في مدارسنا هو الفجوة بين ما يُقال على المنابر وما يُمارس في الغرف المغلقة. حين يرى الطالب مديره يُقرّ بخطأ أمام الجميع، أو يرى معلمه يُنصف طالبًا ضعيفًا على حساب طالب نافذ، فإنه يتعلم في لحظة واحدة ما لا تُعلّمه كتب الأخلاق في سنوات. القدوة هي أقوى مناهج التربية، وأرخصها تكلفةً، وأبعدها أثرًا.
في نهاية كل عام دراسي، حين أقف أمام دفعة جديدة من الطلاب المتخرجين، لا أسألني: كم منهم حصل على أعلى الدرجات؟ بل أسألني: كم منهم سيكون قادرًا على أن يكون إنسانًا حقيقيًا حين يواجه الاختيار الصعب؟ حين يُغريه الكذب، أو يُغريه الصمت أمام الظلم، أو يُغريه الانسحاب من مسؤولية يُكلّفه الوفاء بها؟
مجتمعنا لا يحتاج إلى مزيد من الخبراء في كل شيء. هو يحتاج إلى أناس يُتقنون فن العيش بإنسانية. وهذا الفن لا يُعلَّم في ورشة عمل، ولا يُكتسب في دورة تدريبية. إنه يُبنى يومًا بيومٍ، في كل موقف صغير، في كل قرار يتخذه المعلم، وكل سياسة ترسمها الإدارة التربوية، وكل رسالة تُبثّها المدرسة في روح طفل لا يزال قابلاً للتشكّل.
فلنجعل من مؤسساتنا التعليمية بيئات تحتفي بالإنسان أولاً، وتُوحّد بين العقل والضمير، بين الإنجاز والقيمة. فمجتمعنا أجمل حين نتقن فن العيش قبل فن الإنجاز، وحين نعلم أبناءنا أن الذكاء الحقيقي هو ذلك الذي يعرف كيف يكون رحيمًا.
أقلام وأراء
الأربعاء 04 مارس 2026 9:59 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
نداء عاجل لإعادة إنسانية التعليم