حذر البروفيسور الإسرائيلي ياغيل ليفي، الخبير البارز في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات بين الجيش والمجتمع، من تنامي حالة 'انفصام الشخصية الأمنية' والغطرسة العسكرية لدى القيادة الإسرائيلية في أعقاب أحداث السابع من أكتوبر. وأشار ليفي إلى أن إسرائيل تنزلق فعلياً نحو نموذج 'اسبارطة الجديدة'، وهو الوصف الذي سبق واستخدمه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قبل نحو عامين للتعبير عن رؤيته لمستقبل الدولة العبرية.
ويرى ليفي في قراءته النقدية أن السلوك الإسرائيلي الراهن يمكن تأطيره ضمن سعي محموم نحو ما يسمى 'الأمن الدائم'. هذا المصطلح، الذي استعاره من المؤرخ ديرك موزس، يصف تطلع الدولة إلى تحقيق حصانة مطلقة ودائمة من كافة التهديدات، وهو تطلع لا يكتفي بإزالة الأخطار الراهنة بل يمتد لمحاولة محو أي تهديد مستقبلي محتمل عبر القوة المفرطة.
وأوضح الخبير الإسرائيلي أن هذا النهج خاضع لوعي 'بارانوئيدي' يؤدي في نهاية المطاف إلى إنتاج تهديدات تحقق ذاتها، حيث لا يترك مجالاً للتسويات السياسية أو الردعية. وبحسب ليفي، فإن السعي للحل النهائي في هذا السياق يرتبط بالضرورة بسياسات الإبادة أو التهجير أو فرض السيطرة المطلقة على الجماعات السكانية التي تُصنف كتهديد وجودي للدولة.
واستعرض ليفي تاريخ إسرائيل مع هذا المفهوم، مشيراً إلى أنها سعت لسنوات طويلة نحو أمن دائم بصيغة 'ناعمة' كانت تعترف بحدود القوة وبالقيود التي يفرضها القانون الدولي والموقف الأمريكي. وضرب مثالاً بحرب عام 1973، حيث أدركت إسرائيل حينها حدود قدراتها العسكرية، مما دفعها للانسحاب من سيناء مقابل السلام مع مصر رغم وصفها السابق لتلك الحدود بأنها 'حدود أوشفيتز'.
إلا أن أحداث السابع من أكتوبر، وفقاً للتحليل، أدت إلى سقوط كافة الحواجز التي كانت تقيد منطق البارانويا الإسرائيلي، مما دفع الدولة لتبني نسخة أكثر تشدداً وعنفاً من 'الأمن الدائم'. واعتبر ليفي أن هذا التحول جاء مدفوعاً بافتراض وجود تفوق عسكري كاسح وهامش واسع من التسامح الدولي تجاه العمليات العسكرية الإسرائيلية غير المسبوقة.
وفي نقد مباشر للنتائج الميدانية، أشار ليفي إلى أن إسرائيل قتلت عشرات الآلاف من المدنيين ودمرت أحياء سكنية كاملة في قطاع غزة لمجرد مطاردة عدد محدود من المقاتلين. كما لفت إلى توسيع الحدود فعلياً عبر إقامة مناطق عازلة داخل أراضي الدول المجاورة، في محاولة لفرض واقع أمني جديد يعتمد على نزع السلاح في المحيط الإقليمي بالكامل.
الأمن الدائم لا يهدف فقط إلى إزالة الأخطار الفورية، بل المستقبلية أيضاً، ولذلك فهو خاضع لوعي بارانوئيدي ينتج تهديدات تحقق ذاتها.
وعلى الصعيد الإيراني، ذكر البروفيسور أن إسرائيل رفضت كافة الحلول الدبلوماسية التي تقيد القدرات النووية دون إلغائها، وفضلت اللجوء إلى العمل العسكري المباشر. ويعكس هذا التوجه رغبة في إزالة تهديد الصواريخ بشكل نهائي، حتى في الحالات التي لا تبادر فيها إيران بشن هجمات مباشرة، مما يعزز منطق السيطرة على الآخر وتغيير الأنظمة.
وحذر ليفي من أن السعي وراء الأمن المطلق ينطوي بالضرورة على تقييد الديمقراطية وكبح المعارضة الداخلية، حيث يتم إخضاع أمن الأفراد والجماعات لهدف مجرد. وفي هذا الإطار، تصبح فجوات الحماية في المدن الحدودية مثل 'كريات شمونة' مجرد أضرار جانبية مقبولة في سبيل تحقيق هدف تدمير قدرات الخصوم مثل حزب الله.
كما انتقد ليفي تحول الأسرى الإسرائيليين في الوعي العسكري الجديد إلى مجرد 'ورقة مساومة' ثانوية أمام الأهداف الاستراتيجية الكبرى. وأكد أن الاعتبارات السياسية باتت تخضع بالكامل للمنطق العسكري، حيث يتم تحديد توقيت المفاوضات الدبلوماسية بناءً على نوافذ الفرص المتاحة لتنفيذ عمليات اغتيال مستهدفة بدلاً من السعي للحلول السلمية.
ويرى التحليل أن الجهد الإسرائيلي الأحادي لتعزيز الأمن يدفع الخصوم بالضرورة إلى محاولة سد فجوات ضعفهم بكل الوسائل المتاحة، وهو ما يكرر سيناريوهات تاريخية سابقة. والنتيجة الحتمية لهذا الصدام هي زيادة انعدام الأمن بدلاً من تحقيقه، حيث يضطر الخصم للرد بقوة أكبر كلما استعاد جزءاً من عافيته العسكرية.
وخلص ليفي إلى أن عقيدة 'الأمن الدائم' تقتضي استنزاف الموارد الوطنية والتضحية بها على 'مذبح الأمن'، مع الأمل الواهم بأن الخصم لن يتمكن يوماً من تجاوز ضعفه. وأكد أن نتنياهو لم يخطئ حين وعد بأن هذا المسار سيقود إسرائيل لتصبح دولة 'اسبارطية' تعيش على حد السيف وتفتقر لمقومات الاستقرار المدني.
من جهة أخرى، عزز المحلل الاستخباراتي يوسي ميلمان هذه الرؤية بالإشارة إلى أن حكومة نتنياهو لديها أجندة لإبقاء الحرائق مشتعلة لاعتبارات انتخابية بحتة. وأوضح ميلمان أن قرار الحرب على لبنان كان سيتخذ حتى في غياب الاستفزازات، وذلك لضمان استمرار حالة الطوارئ حتى موعد الانتخابات القادمة في الصيف أو الخريف.





شارك برأيك
خبير إسرائيلي: إسرائيل تتحول إلى 'اسبارطة جديدة' وتتبنى عقيدة أمنية بارانوئيدية