عامان مضيا والأوجاع لم تهدأ، في وطنٍ لا يعرف النوم، في سادية المحتل، عامان وأنا أبحث عن صغيري (يوسف) حين أصبحت الخيمة بيتنا وملاذنا الوحيد، حينها أحرقت كل المواثيق والقواعد والقوانين الإنسانية على أعمدة الخيمة، وأحرق بيتنا مسقط رأس فلذة كبدي (يوسف)، اثنا عشر عاماً وهو يرسم حلم العودة ويسرد قصص جدتي وحكاياتها في بلدتنا المهجرة، التي روتها له جدتي، عامان عجاف مضيا، وأنا أبحث عنه في وطن ما جف دمعه، فالجرح المفتوح يننزف في القلوب الثكلى من الفراق، والوجع الغائر في أعماقنا يزداد ويزداد.
اسألوا عنه الرمل؛ اسألوا عنه ليلنا الدامس في الخيمة، اسألوا سماءنا تحت غيوم الدخان المتصاعد من النيران والقصف، اسألووا بحرنا، اسألوا عنه كل من عرفه؛ اسالوا عنه ضوء الشمس؛ اسألوا عن أصوات ارتفعت هنا؛ عن أم تندب وتبحث عن صغيرها المفقود؛ اسألوا عن أبيه الذي خرج ولم يعد، عن أخيه الذي بترت ساقه؛ الأصوات تزداد وترتفع حولنا، والجرح المفتوح من يضمده، من يداويه؛ من يعيد لها أسرتها؛ بيتها. ما زالت تترقب على عتبة خيمتها عودة الصغير، وعلى وتدها رسمت خارطه فلسطين ؛ وفوق شادرها خطت علم فلسطين؛ لم تعد ترسم على الرمل.
تعالى الصوت وارتفع أكثر (ما حدش يطلع، لا للتهجير، محدش يطلع برا غزة)، أم مكلومة، تعالى الصوت في الأرجاء بين الخيام في أكاديمية الصبر والثبات، في الخيمة، لتكون الرواية الخالصة الحقة؛ ليشهد عليهم ملح البحر وبارئها في شيفرة في حبر سري، أخذونا وغمونا، ويسألوننا عن يوسف…
يوسف لم يعد، وأخبرونا أنهم سيحرقون أولادنا جميعاً في الخيام؛ صراخاتهم ترتفع، وصوتهم ينادي، لعل الإجابة تكون فيه، في زمنٍ يعاقَب فيه الصوت الحر قررت فرنشيسكا ألبانيزي أن ترفع صوت الحقيقة عالياً في زمنٍ يعاقب الصوت الحر، لتقول ما يخشاه الجميع، لم تتحدث بلغة المجاملات الدبلوماسية، ولم تختبئ خلف المصطلحات الرمادية، بل وضعت إصبعها على الجرح المفتوح؛ غزة ليست مجرد مأساة، بل جريمة تُرتكب أمام العالم؛ إن هناك عدواً مشتركاً، ليس شعباً ولا ديانة، بل نظامٌ سمح باستمرار آلة الإبادة؛ ووفر لها المال والسلاح والغطاء السياسي، وهنا بدأت العاصفة.
برلين وفرنسا لم تناقشا مضمون ما قالت، بل طالبتا برأسها، لم تزعجها صور الأطفال تحت الركام، ولا المستشفيات التي تقصف ولا الجوع الذي يُفرض كسلاح، وألبانيزي فعلت ما يخشاه كثيرون لتصف مأساتنا، فهي ليست قدر مأساتنا، هي قرار، نعم.. قرار، فغزة صوت حر، يرفض الخضوع للباطل، وصوت يوسف يُسمع في الأرجاء مدوّياً، يُسمع من بعيد، سيعود وتفرح أمه بالعودة، سيعود.. حقاً سيعود.
أقلام وأراء
الثّلاثاء 03 مارس 2026 10:44 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
رسالة من الخيمة.. عامان وأنا أبحث عن صغيري يوسف