تستعد الأوساط الثقافية العربية لإحياء ذكرى رحيل شيخ المؤرخين العرب، الدكتور قسطنطين زريق، الذي غادر عالمنا قبل نحو ربع قرن تاركاً خلفه إرثاً فكرياً غنياً اتسم بالدقة والموضوعية. ويعد زريق قامة علمية رفيعة ساهمت في صياغة الوعي التاريخي العربي الحديث عبر مؤلفات رصينة واكبت تحولات المنطقة وتحدياتها الكبرى.
استطاع زريق من خلال كتبه المرجعية مثل 'معنى النكبة' و'نحن والتاريخ' أن يفتح آفاقاً جديدة لأجيال الاستقلال، محذراً من مغبة الركون إلى العواطف في مواجهة المشروع الصهيوني. وقد ركز في أطروحاته على ضرورة اكتساب ناصية التقدم والحداثة كسبيل وحيد لضمان البقاء والكرامة في عالم لا يعترف إلا بالقوة والعلم.
في شهادة حية على حضوره الطاغي، يستذكر معاصروه كيف ظل زريق حتى في خريف عمره متمسكاً بوضوح التفكير وبلاغة التعبير، مؤكداً في محاضراته على قيمة الحرية في تنمية البحث العلمي. لقد كان يجمع بين أناقة العلم ودماثة الخلق، مما جعل منه نموذجاً للمفكر الموسوعي الذي يقرن النظرية بالتطبيق الأخلاقي.
تمثلت أولى الإشكاليات التي شغلت بال الراحل في القلق الوجودي على المستقبل العربي، خاصة مع استشراء التخلف وتمدد الاستيطان في الأراضي الفلسطينية. وكان يرى أن استجماع القدرة الذاتية للأمة هو الرهان الحقيقي، شريطة أن يكون هذا الفعل ضمن نطاق قومي شامل يحقق التنمية والتحرير.
آمن زريق بأن المستقبل لا يصنع بالأماني، بل بالعقل الذي يرسم الاستراتيجيات ويوجه الطاقات نحو الإنتاج والإبداع، داعياً إلى تأسيس 'دولة العقل'. فالعقل في منظوره هو الكيان المنتظم الذي يضبط النوازع ويمنح المؤسسات والمجتمعات سلطتها الحقيقية وقدرتها على التغيير الجذري.
طرح المؤرخ الراحل سؤالاً جوهرياً حول كيفية قلب المجتمع العربي من حالة الانفعال والتوهم الميثولوجي إلى حالة الفعل والتحقيق العقلاني. واعتبر أن هذه الثورة الفكرية هي الضمانة الوحيدة للسلامة والقدرة في العصر الحديث، مما يتطلب بيئة حاضنة تقوم أساساً على الحرية الشاملة.
ارتبطت الحرية في فكر زريق بقدرة العقل على الاجتهاد ورسم معالم المستقبل، حيث لا يمكن للعقل أن يزدهر في ظل القيود أو التبعية. ومن هنا كانت دعوته الدائمة لتوفير المناخات الديمقراطية التي تسمح بتلاقح الأفكار واجتراح الوسائل الكفيلة بالنهوض الحضاري.
السبيل هو قيام دولة العقل، لأن العقل هو في جوهره كيان منتظم يعرف إمكاناته وحدوده ويضبط نوازعه.
لم ينفصل فكر زريق عن القضايا السياسية والاجتماعية الملحة، حيث شدد على أهمية العلمانية بمعناها الذي يستبعد الطائفية من مؤسسات الدولة والتشريع. ورأى أن بناء الدولة الحديثة يتطلب تنقية المجال العام من الروح الطائفية التي تعيق الاندماج الوطني وتعرقل مسيرة التحديث.
وفي نقد لاذع للواقع السياسي، أشار زريق إلى غياب الديمقراطية وانتشار الفساد وهيمنة الروح القبلية والزبائنية على معايير الكفاءة في العالم العربي. واعتبر أن هذه الأمراض الاجتماعية هي العائق الأكبر أمام تحقيق تكافؤ الفرص واستثمار الطاقات البشرية المبدعة في بناء المجتمع.
أما عن الوحدة العربية، فقد كان ينظر إليها كضرورة استراتيجية لتوسيع الأسواق والاستفادة من التنوع المواردي والبشري الهائل. واقترح الصيغة الاتحادية كمدخل ملائم يركز على التنسيق في مجالات السياسة والاقتصاد والدفاع، بما يضمن قوة الكتلة العربية دولياً.
سبق زريق عصره في التنبيه إلى أهمية 'براديغم' المعرفة والعلم قبل أن تصبح هذه المصطلحات شائعة في أدبيات التنمية العالمية. وحذر مبكراً من أن إهمال البحث العلمي سيؤدي حتماً إلى استدامة التخلف وتوسيع الفجوة بين العرب والركب الحضاري العالمي.
يتفق الباحثون على أن قيمة قسطنطين زريق تكمن فيما تركه للأجيال القادمة من أدوات فكرية ومنهجية صالحة للعمل والبناء. فهو لم يكتفِ بتشخيص الداء، بل قدم خارطة طريق تعتمد على النقد الذاتي الجريء والانفتاح الواعي على منجزات العصر.
كانت نصيحته الدائمة لطلابه وللأجيال الشابة تتمحور حول الإخلاص للنضال المطلوب والاستعداد لدفع ثمن التغيير مهما كان باهظاً. وطالب الشباب بتأهيل أنفسهم ومقاضاة ذواتهم بصرامة ليكونوا جديرين بالانتساب إلى أمتهم ومستحقين لعزة التاريخ.
يبقى إرث قسطنطين زريق منارة لكل الباحثين عن مخرج من الأزمات الحضارية العربية، حيث تظل إشكالياته حول العقل والحرية والمستقبل راهنة وحاضرة. إن استحضار ذكراه اليوم هو استحضار لمشروع نهضوي متكامل لا يزال ينتظر من يكمله ويحوله إلى واقع ملموس.





شارك برأيك
قسطنطين زريق.. شيخ المؤرخين واستشراف المستقبل العربي في ذكرى رحيله