تحليل

الأربعاء 25 فبراير 2026 5:12 صباحًا - بتوقيت القدس

كلما ارتفع منسوب الحشد العسكري، تضاءلت مساحة المناورة السياسية أمام ترمب مع إيران

واشنطن – سعيد عريقات – 25/2/2026

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تكشف التحركات العسكرية الأخيرة عن مشهد يتجاوز مجرد "رسائل ردع" تقليدية. فقد أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بوصول طائرات الشبح الأميركية من طراز رابتور إف 22 (F-22 Raptor)  إلى قاعدة جوية جنوب إسرائيل، بعد أن كانت متمركزة في قاعدة لاكنهيث البريطانية  في المملكة المتحدة. وبحسب بيانات تتبع الرحلات، أقلعت 12 طائرة، عادت إحداها بسبب عطل فني، فيما واصلت البقية طريقها إلى الشرق الأوسط في استعراض قوة نادر في طبيعته وتوقيته.

يتزامن ذلك مع تقارير نشرتها صحيفة نيويورك تايمز  استناداً إلى صور أقمار صناعية وبيانات ملاحة، تفيد بوجود أكثر من 60 طائرة هجومية في قاعدة موفق السلطي في الأردن، إضافة إلى عشرات طائرات النقل التي هبطت منذ منتصف شباط. كما رُصدت طائرات إف-35   الأحدث، إلى جانب مسيّرات ومروحيات ومنظومات دفاع جوي جديدة. وأشارت رويترز  بدورها إلى حشد كبير في قاعدة العديد في قطر.

هذا الحشد، الذي يُقال إنه الأكبر منذ غزو العراق عام 2003، يترافق مع مفاوضات نووية يفترض أن تُستأنف في جنيف، حيث حصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على ضوء أخضر لتقديم مقترح مضاد للفريق الأميركي. غير أن المسار الدبلوماسي يبدو محاطاً بلغة تصعيدية غير مسبوقة من جانب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي هدد مراراً بضربة عسكرية إذا فشلت المحادثات.

المفارقة أن ترمب يجد نفسه اليوم في ورطة سياسية واستراتيجية. فقد كان يعتقد، كما عبّر في مقابلة على قناة فوكس نيوز   ، أن استعراض القوة بهذا الحجم سيجبر إيران على الخنوع والقبول بالشروط الأميركية. هذا التقدير ردّده أيضاً المفاوض ستيف ويتكوف على القناة نفسها، حين أشار إلى أن طهران "أسبوع واحد" فقط بعيداً عن امتلاك مادة انشطارية صالحة لسلاح نووي، في صياغة تذكّر بسرديات سابقة استخدمت لتبرير تصعيد عسكري.

لكن رهان "الصدمة والرعب" السياسي لا يبدو أنه يحقق النتائج المرجوة. فإيران لم تُظهر مؤشرات تراجع، بل ردّت بضرب أهداف إسرائيلية وأميركية في المنطقة، ما يعكس استعداداً لتحمّل المخاطر. وهنا تكمن المعضلة: كلما ارتفع منسوب الحشد العسكري، تضاءلت مساحة المناورة السياسية أمام ترمب، وأصبح التراجع مكلفاً داخلياً وخارجياً. تصريحات ترمب بأن المواجهة العسكرية ستكون "أمراً سهلاً" إذا اتُخذ القرار، تنطوي على تبسيط لمسرح عمليات معقّد، حيث تنتشر قواعد أميركية وقوات حليفة في مرمى نيران مباشرة.

إسرائيل، من جهتها، تنقل عبر وسائل إعلامها قناعة بأن الضربة الأميركية باتت حتمية، وأن التنسيق العسكري في أعلى مستوياته. ونقلت القناة الثانية عشرة عن مسؤول قوله إن التوصل إلى حل دبلوماسي سيكون "مفاجأة العام". مثل هذا الخطاب يخلق دينامية ضغط متبادل: واشنطن لا تريد أن تبدو مترددة، وتل أبيب لا تريد تفويت لحظة تعتبرها تاريخية.

ويُتداول في واشنطن احتمال أن يكون ترمب قد آثر الانتظار إلى ما بعد خطابه عن حالة الاتحاد قبل الإقدام على أي ضربة، بحيث لا يطغى حدث عسكري مفاجئ على رسالته الداخلية، أو يُفسَّر كتشتيت عن أولوياته الاقتصادية. تأجيل القرار إلى ما بعد المنبر السنوي قد يمنحه هامشاً لإعداد الرأي العام، أو لإظهار أن الخيار العسكري جاء بعد استنفاد المسار الدبلوماسي.

في المحصلة، يبدو أن الإدارة الأميركية انتقلت من سياسة "الضغط الأقصى"الاقتصادية إلى "الضغط الأقصى" العسكري، من دون ضمانة بأن الطرف المقابل سيقرأ الرسالة كما تريد واشنطن. وإذا كان الهدف فرض اتفاق بشروط أفضل، فإن تضخيم التهديد قد يجعل أي تسوية لاحقة تبدو تراجعاً، لا إنجازاً.

تعكس الأزمة الحالية خللاً بنيوياً في تقدير متبادل للردع. ترمب بنى مقاربته على فرضية أن إيران تتصرف بعقلية تجنب الخسارة، وأنها ستنحني أمام تهديد مباشر بسحق بنيتها النووية والعسكرية. لكن التجربة أظهرت أن طهران تميل إلى امتصاص الضربات وإعادة التموضع، معتبرة أن الصمود بحد ذاته انتصار سياسي. كلما ارتفع سقف التهديد الأميركي، زادت كلفة التراجع الإيراني داخلياً، وتحول الردع إلى اختبار إرادات مفتوح، لا إلى أداة لإغلاق مسار التصعيد.

واللافت أن الخطاب حول "أسبوع واحد" لامتلاك مادة انشطارية يعيد إنتاج منطق الاستعجال الذي طبع أزمات سابقة في الشرق الأوسط. هذا النوع من التصريحات يضغط على صانع القرار لاتخاذ خطوات سريعة قبل "فوات الأوان"، ما يقلص زمن الدبلوماسية ويعزز أولوية الخيار العسكري. في المقابل، قد ترى إيران في هذا الاستعجال دليلاً على ارتباك أميركي، فتراهن على عامل الوقت وتوسيع هامش المناورة. بين استعجال واشنطن ورهان طهران على الصبر، تقف المنطقة على حافة حسابات قد يخطئ فيها الجميع.

دلالات

شارك برأيك

كلما ارتفع منسوب الحشد العسكري، تضاءلت مساحة المناورة السياسية أمام ترمب مع إيران

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.