أقلام وأراء

الثّلاثاء 24 فبراير 2026 4:04 مساءً - بتوقيت القدس

الأمة الممكنة بين النجاعة والديمقراطية: قراءة في أطروحة محسن مرزوق للتحديث السلطوي

يتناول كتاب 'الأمة الممكنة' للسياسي التونسي محسن مرزوق، الصادر في عام 2025، رؤية شاملة لإعادة بناء الدولة التونسية، مركزاً في جزئه الأخير على قضايا إصلاح الإنسان والمنظومة التعليمية والثقافية. تنطلق هذه الرؤية من فرضية أن النهوض بالثقافة والتعليم يمثل الشرط الأساسي لأي مشروع تنموي، غير أن القراءة النقدية تكشف عن إشكالية في كيفية صياغة سؤال الإنسان داخل هذا المشروع.

يظهر الإنسان في أطروحة مرزوق بوصفه 'مشكلة' تتطلب الإصلاح، حيث يتم التركيز على الذهنيات المتخلفة وضعف الانضباط كأسباب للأزمة البنيوية. هذا المنظور يحول المجتمع إلى مادة أولية لعملية إعادة هندسة شاملة تقودها الدولة، مما ينقلنا من منطق تحرير المواطن إلى منطق إدارته وتشكيله وفق معايير السلطة.

تعيد هذه المقاربة إنتاج الفكر التحديثي العربي القديم الذي يرى في الدولة 'الطرف المتنور' الذي يجب أن يعيد صياغة المجتمع المتأخر من وجهة نظره. وبدلاً من أن تكون المدرسة فضاءً لتكوين مواطنين نقديين، فإنها تتحول في هذا المشروع إلى مصنع لإنتاج موارد بشرية تلبي احتياجات النموذج الاقتصادي والسياسي القائم.

يبرز مفهوم 'الثقافة المنتجة' في الكتاب كأداة وظيفية تُقاس قيمتها بمدى مساهمتها في الاقتصاد لا بقيمتها التحررية أو النقدية. هذا الاختزال يحول الوعي الإنساني إلى مجرد 'كفاءة' تقنية، ويجعل من المنظومة التربوية وسيلة للإدماج في سوق الشغل بدلاً من أن تكون وسيلة لإنتاج الفكر المستقل.

إن الخطورة في هذا المنظور تكمن في قلب العلاقة بين الشروط الاجتماعية والسلوك الفردي، حيث يُحمل الأفراد مسؤولية الفشل الذي هو في الأصل نتاج سياسات غير عادلة. وبدلاً من تغيير البنى التي تنتج التهميش، يركز المشروع على تغيير ذهنيات الناس ليتأقلموا مع الواقع القائم أو نسخ محسنة منه.

تتجلى النزعة الهندسية بوضوح في تصور المجتمع كجسم يمكن إعادة تصميمه عبر السياسات العمومية والبرامج التربوية الفوقية. وتغفل هذه الرؤية أن المجتمعات تتغير عبر الصراع الاجتماعي والتفاوض التاريخي وبناء الفضاءات العامة الحرة، وليس عبر الوصفات الجاهزة التي تفرضها النخب.

في المحور المتعلق بالديمقراطية، يشدد مشروع 'الأمة الممكنة' على أولوية النجاعة والقدرة على الحسم كشروط للتقدم والازدهار. ومع أن فعالية الدولة أمر مطلوب، إلا أن تحويل النجاعة إلى معيار وحيد يجعل الديمقراطية مجرد وظيفة ثانوية يمكن الاستغناء عنها إذا عطلت تنفيذ المشاريع.

يكشف هذا التوجه عما يمكن تسميته 'التحديث السلطوي الناعم'، حيث تُقبل المشاركة السياسية والحرية بشرط ألا تعرقل إرادة الدولة القوية. هذا المنطق يعيد إلى الأذهان تجارب الحكم في تونس منذ الاستقلال، والتي اعتمدت دائماً على مركزية السلطة وتوجيه المجتمع من الأعلى.

يستخدم مرزوق لغة عقلانية حديثة وأقل شعاراتية، لكنها تحتفظ بالجوهر ذاته الذي يضع سلطة الدولة فوق سلطة المجتمع. ويطرح هذا الأمر تساؤلات حيوية حول الضمانات التي تمنع تحول 'الدولة القوية' إلى دولة متغولة في ظل غياب آليات حقيقية للمساءلة الشعبية.

غالباً ما يتحول الخطاب حول النجاعة إلى نوع من التفوق الأخلاقي للنخبة، حيث يُنسب الفشل دائماً لمقاومة المجتمع أو قصور الثقافة العامة. هذا الهروب من مواجهة قيود التبعية الاقتصادية وتفاوت القوة يكرس منطق لوم الضحية بدلاً من إصلاح المؤسسات والسياسات الكبرى.

يقدم المشروع فكرة ضمنية مفادها أن 'السلطة يجب أن تسبق الديمقراطية'، وهو ما يشكل خطراً حقيقياً على مسار الانتقال الديمقراطي في المنطقة. فاستخدام 'الحسم' كذريعة قد يفتح الباب لتعليق الحقوق والحريات باسم مصلحة الأمة العليا، وهو ما شهدته تجارب سياسية حديثة.

من الناحية المنهجية، يضع مرزوق نفسه في موقع 'الخبير' الذي يمتلك نظرة شمولية تتجاوز تجارب المواطنين العاديين. هذا الموقع يعزز الفجوة بين نظرية الإصلاح وبين التعددية المجتمعية، حيث تظل الحلول محصورة في رؤية النخبة التي ترى في المجتمع مادة للتنفيذ فقط.

رغم هذه الانتقادات، يظل الكتاب مساهمة جادة في النقاش العام التونسي نظراً لشمولية رؤيته ومحاولته بناء مشروع متكامل يربط السياسة بالاقتصاد والثقافة. فهو يبتعد عن الانفعالية الأيديولوجية ويقدم تشخيصاً مركباً للأزمة التاريخية التي تعيشها الدولة الوطنية.

في الختام، يمثل 'الأمة الممكنة' جسراً بين الفكر والسياسة، ويفرض نقاشاً جوهرياً حول كيفية الموازنة بين نجاعة الدولة وحرية المجتمع. إن قيمة الكتاب تكمن في قدرته على إثارة الأسئلة الصعبة حول مستقبل تونس، حتى وإن ظل أسير مخيلة سلطوية ترى في الدولة الأداة الوحيدة للتغيير.

دلالات

شارك برأيك

الأمة الممكنة بين النجاعة والديمقراطية: قراءة في أطروحة محسن مرزوق للتحديث السلطوي

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.