كشف تقرير لموقع "آكسيوس" أن كبار المسؤولين الديمقراطيين الذين أعدّوا دراسة داخلية سرية حول نتائج انتخابات 2024 خلصوا إلى أن موقف إدارة الرئيس السابق جو بايدن من الحرب في غزة أضرّ بشكل ملموس بفرص نائبة الرئيس كاملا هاريس الانتخابية، وأسهم في خسارتها أمام المرشح الجمهوري دونالد ترمب في انتخابات تشرين الثاني 2024. وبحسب الموقع، فإن الدراسة بقيت طي الكتمان بقرار من قيادة الحزب، ما أثار تساؤلات داخل الأوساط الديمقراطية حول دوافع حجبها وتوقيتها.
وتكتسب هذه الدراسة أهمية خاصة لأنها تمثل التقييم الأكثر شمولًا داخل الحزب لأسباب الإخفاق في انتخابات 2024. وكان مسؤولو اللجنة الوطنية الديمقراطية قد أعلنوا العام الماضي أنهم لن ينشروا نتائج التدقيق، مبررين ذلك بالرغبة في تجنب تشتيت الجهود قبل الاستحقاقات المقبلة. إلا أن بقاء التقرير سريًا، رغم انتهاء الانتخابات، زاد من الجدل الداخلي، خاصة في ظل الانقسام المتصاعد بين التيار التقدمي والتيار المعتدل بشأن السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل.
ويشهد الحزب الديمقراطي انقسامًا حادًا حيال الحرب في غزة؛ إذ ينتقد الجناح التقدمي بشدة الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل، ويطالب بربط المساعدات العسكرية بشروط تتعلق بحقوق الإنسان. في المقابل، يتمسك المعتدلون بخط الدعم التقليدي لإسرائيل مع الدعوة إلى حلول إنسانية وتخفيف التصعيد. هذا الانقسام انعكس بوضوح خلال الحملة الانتخابية القصيرة لهاريس، التي حاولت السير على حبل مشدود بين إظهار دعم قوي لإسرائيل، والدعوة إلى وقف إطلاق النار، والتعبير عن التعاطف مع المدنيين الفلسطينيين والرهائن الإسرائيليين على حد سواء.
غير أن مصادر مطلعة، وفقًا لما أورده الموقع، أشارت إلى أن هذا التوازن جاء متأخرًا ولم يكن حاسمًا بما يكفي لاستعادة ثقة قطاعات من الشباب والناخبين التقدميين، الذين شعروا بخيبة أمل من موقف الإدارة. وأفادت التقارير أن مساعدي اللجنة الوطنية الديمقراطية عقدوا اجتماعًا مغلقًا مع مجموعة مؤيدة للفلسطينيين لمناقشة تأثير الحرب على توجهات الناخبين.
وخلال الاجتماع، أبلغ نشطاء من مشروع سياسات الاقتصاد في الشرق الأوسط (IMEU) مسؤولي الحزب بأن دعم إدارة بايدن–هاريس لإسرائيل كان عاملًا رئيسيًا في تراجع الحماس بين الشباب والناخبين التقدميين، ما انعكس على نسب المشاركة والتصويت في ولايات حاسمة. ونقل الموقع عن متحدث باسم المنظمة أن مسؤولي اللجنة أقروا بأن بياناتهم أظهرت أثرًا سلبيًا لهذه السياسة على نتائج 2024، وهو ما أكده مصدران آخران مطلعان على الاجتماع.
في المقابل، نفت المتحدثة باسم اللجنة الوطنية الديمقراطية وجود أي محاولة لحجب نتائج تتعلق بإسرائيل، مؤكدة أن الحزب تواصل مع مئات الجهات ضمن عملية التقييم، وأنه يدمج خلاصات البحث في مناقشاته مع المرشحين استعدادًا لانتخابات التجديد النصفي المقبلة. لكن الجدل لم يتوقف، إذ اتهمت جهات ناشطة قيادة الحزب بإخفاء النتائج لتفادي تعميق الانقسامات الداخلية.
من جهتها، ألمحت هاريس في جولة ترويجية لمذكراتها إلى أنها كانت تفضّل مقاربة أكثر صراحة في انتقاد إدارة الحرب. وقالت في إحدى الفعاليات: "كان ينبغي علينا بذل المزيد كإدارة"، مضيفة أنه كان يتعين التعبير علنًا عن انتقاد طريقة إدارة رئيس وزراء إسرائيل للحرب. وذكرت في كتابها أن تراجع شعبية بايدن، والذي عزته جزئيًا إلى منحه نتنياهو "شيكًا على بياض"، انعكس سلبًا على حملتها، مشيرة إلى أنها حثّت الرئيس سرًا على إظهار مزيد من التعاطف مع المدنيين في غزة، لكنها لم تعارضه علنًا خلال السباق الانتخابي.
ويبدو أن تداعيات هذا الجدل لن تقتصر على قراءة الماضي، بل ستمتد إلى رسم استراتيجية الحزب للمرحلة المقبلة، خصوصًا في ظل مؤشرات على أن قضايا السياسة الخارجية باتت تؤثر بصورة مباشرة في تحفيز القواعد الانتخابية الشابة والمتنوعة عرقيًا.
وتكشف هذه المعطيات عن تحوّل نوعي في سلوك الناخب الديمقراطي، ولا سيما بين الشباب. فبعد سنوات من اعتبار السياسة الخارجية ملفًا ثانويًا أمام القضايا الاقتصادية والاجتماعية، أظهرت انتخابات 2024 أن صور الحرب في غزة وتداعياتها الإنسانية أصبحت عامل تعبئة أو إحباط مؤثر. هذا التحول يعكس تنامي الوعي الحقوقي لدى جيل جديد يرى في الاتساق الأخلاقي معيارًا للحكم على السياسات، حتى لو تعارض ذلك مع الحسابات الجيوسياسية التقليدية.
ومع أن إبقاء التقرير سريًا قد يكون مفهوماً من زاوية إدارة الخلافات الداخلية، لكنه يحمل مخاطر إستراتيجية. إلا أن غياب الشفافية يفتح المجال أمام التسريبات والتأويلات، ويغذي انعدام الثقة بين القيادة والقاعدة. في مرحلة ما بعد الهزيمة، تحتاج الأحزاب عادة إلى مصارحة تنظيمية تعيد تعريف الأولويات. وإذا لم يُحسم الجدل حول موقع قضية غزة في الخطاب الديمقراطي، فقد يتكرر التآكل ذاته في الاستحقاقات المقبلة.
وتعكس تجربة هاريس معضلة أوسع في السياسة الأمريكية: حدود قدرة نائب الرئيس على التمايز عن الرئيس في قضايا حساسة. فمحاولتها الموازنة بين الولاء المؤسسي وتلبية مطالب القاعدة التقدمية وضعتها في منطقة رمادية أضعفت رسالتها الانتخابية. الدرس المستفاد أن الغموض المدروس قد لا يكفي في لحظات الاستقطاب الحاد، وأن وضوح الموقف—حتى لو أثار جدلاً—قد يكون أقل كلفة سياسيًا من التردد.





شارك برأيك
الديمقراطيون يعملون على تقرير سري يكشف أن غزة كلفت هاريس الكثير من الأصوات