تحليل إخباري
تتسارع التطورات في المشهد الأميركي الإيراني على نحو يعكس لحظة مفصلية قد تعيد رسم توازنات الإقليم برمته. ففي 22 شباط 2026، نقل موقع "أكسيوس" عن مسؤول أميركي رفيع أن واشنطن مستعدة لعقد جولة جديدة من المفاوضات في جنيف إذا تسلمت خلال 48 ساعة مقترحاً إيرانياً مفصلاً بشأن اتفاق نووي. هذا العرض المشروط لا يبدو مجرد خطوة إجرائية، بل رسالة سياسية مزدوجة: الباب لم يُغلق بعد أمام الدبلوماسية، لكنه لن يبقى مفتوحاً طويلاً. إدارة دونالد ترمب تضع الكرة في الملعب الإيراني، وتربط أي لقاء بإظهار طهران جدية مكتوبة، في إشارة إلى أن زمن البيانات العامة قد انتهى.
اللافت أن المسؤول الأميركي لم يستبعد بحث اتفاق مؤقت قبل التوصل إلى اتفاق شامل، وهو ما يعكس إدراكاً لتعقيد الهوة بين مطلب "عدم التخصيب" الذي تتبناه واشنطن، وإصرار طهران على الاحتفاظ بحقها في التخصيب ولو رمزياً. هذا الطرح المرحلي يكشف عن براغماتية تكتيكية، لكنه يحمل أيضاً مخاطر تكريس حلول مؤقتة قد تتحول إلى أزمات مؤجلة. فالتجربة السابقة مع الاتفاقات المرحلية أظهرت أن غياب الثقة البنيوية يجعل كل تفاهم عرضة للانهيار عند أول اختبار سياسي.
في المقابل، صعّد ترمب لهجته في 20 شباط، ملوحاً بالخيار العسكري إذا فشلت المفاوضات، ومشيراً إلى أن "أحداثاً سيئة" قد تقع، بل ولمّح إلى أن تغيير النظام في طهران قد يكون "أفضل ما يمكن أن يحدث". هذه اللغة تتجاوز إطار منع الانتشار النووي إلى إعادة تشكيل البيئة السياسية الإيرانية، ما يثير تساؤلات حول الهدف النهائي: هل هو اتفاق نووي مضبوط تقنياً، أم إعادة هندسة التوازن الداخلي الإيراني؟ هذا التداخل بين الأمني والسياسي يضعف رسائل الطمأنة ويعزز الشكوك الإيرانية بأن المسألة أعمق من مجرد أجهزة طرد مركزي.
التصعيد الخطابي تزامن مع أكبر حشد بحري أميركي في المنطقة منذ عام 2003. فقد انتشرت حاملة الطائرات آبراهام لينكولن USS Abraham Lincoln برفقة مدمرات موجهة بالصواريخ، إضافة إلى الحاملة جيرالد فورد USS Gerald Ford، الأكبر في العالم، مع تعزيزات جوية واسعة شملت مقاتلات متقدمة وطائرات إنذار مبكر وتموين. هذا الانتشار يمنح واشنطن قدرة ردع عالية ومرونة عملياتية، لكنه في الوقت ذاته يرفع سقف التوقعات ويقلص هامش التراجع دون كلفة سياسية. حين تُحشد حاملتا طائرات، يصبح التراجع من دون مقابل ملموس أقرب إلى خسارة رمزية.
مع ذلك، يلاحظ غياب قوات برية كبيرة، ما يوحي بأن واشنطن لا تستعد لغزو أو احتلال، بل لخيارات جوية وصاروخية محدودة. غير أن مفهوم "الضربة المحدودة" ذاته يظل إشكالياً. فإيران ، وفق الخبراء، راكمت خلال السنوات الماضية أدوات رد غير تقليدية، من الصواريخ الدقيقة إلى الطائرات المسيّرة، فضلاً عن شبكة حلفاء إقليميين قادرين على توسيع مسرح العمليات. أي استهداف مباشر للقيادة، وخصوصاً إذا طال المرشد الأعلى علي خامنئي ، قد يدفع إلى رد يتجاوز الحسابات التكتيكية نحو مواجهة مفتوحة يصعب احتواؤها.
في هذا السياق، جاءت تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لتعكس مزيجاً من التحدي والانفتاح. فقد أكد أن إيران لا تسعى إلى حرب لكنها لن تقبل التهديد، وأن نافذة الاتفاق لا تزال مفتوحة إذا التزمت واشنطن برفع فعلي للعقوبات، معتبراً أن الحشد العسكري رسالة ضغط سياسي أكثر منه تمهيداً لحرب. هذه المقاربة تكشف عن محاولة إيرانية دقيقة للموازنة بين احتواء التصعيد والحفاظ على صورة الصلابة داخلياً، إذ إن القيادة في طهران تدرك أن التراجع تحت وطأة التهديد قد يُفسَّر ضعفاً يمس شرعيتها، لكنها في الوقت ذاته تعي أن الانزلاق إلى مواجهة شاملة سيحمل كلفة باهظة اقتصادياً وأمنياً.
ومن هنا تتقاطع الحسابات الداخلية مع المعادلات الإقليمية والدولية في نقطة حساسة: فكل خطوة عسكرية أميركية، حتى لو وُصفت بأنها محدودة أو جراحية، قد تفتح مسارات رد متعددة تتجاوز حدود الضربة ذاتها، سواء عبر أدوات تقليدية أو غير تقليدية، أو من خلال توسيع نطاق الاشتباك جغرافياً. كما أن أي اضطراب واسع سيصيب أمن الخليج وأسعار الطاقة والملاحة في مضيق هرمز، ما يضع الحلفاء الأوروبيين والقوى الكبرى أمام خيارات صعبة بين دعم الردع ومنع الانفجار.
بذلك، بحسب الخبراء، تصبح الدبلوماسية، على ضيق نافذتها، أقل كلفة من اختبار فرضيات القوة. غير أن نجاحها يتطلب آليات تحقق صارمة وجدولاً زمنياً واضحاً لرفع العقوبات، وإرادة سياسية قادرة على تحويل الرسائل النارية إلى تفاهمات مكتوبة. وبين استعراض القوة وتبادل المقترحات، تبقى المنطقة معلّقة على قدرة الطرفين على إدراك أن أي خطأ في الحساب قد يحوّل الضغط التكتيكي إلى تحول استراتيجي لا يملك أحد السيطرة الكاملة على مآلاته.





شارك برأيك
على حافة الهاوية: بين دبلوماسية اللحظة الأخيرة واستعراض القوة في المواجهة الأميركية الإيرانية