مع إطلالة شهر رمضان المبارك، تتعاظم مسؤوليات الأسر الفلسطينية، وتزداد الأعباء المعيشية على كاهل الطبقة العاملة، التي تجد نفسها هذا العام أمام واقع أكثر قسوة وتعقيداً، فبين غلاء الأسعار، وتراجع فرص العمل، واستمرار الحصار والإغلاقات، يقف العامل الفلسطيني في مواجهة معادلة مختلّة يدفع ثمنها وحده، من دون شبكة أمان اجتماعي حقيقية تحميه، أو سياسات اقتصادية عادلة تنصفه.
رمضان، في الوعي الجمعي، شهر تكافل ورحمة، لكنه في الواقع الاقتصادي الراهن يتحوّل إلى موسم ضغط إضافي على العمال، في ظل تضخم متسارع، وارتفاع كلفة السلع الأساسية، وركود الأسواق المحلية، آلاف الأسر التي كانت تعتمد على الأجور اليومية أو العمل الموسمي تجد نفسها بلا دخل منتظم، فيما تتآكل المدخرات القليلة – إن وجدت– وتتراكم الديون في ظل غياب خطط حكومية واضحة لمعالجة جذور الأزمة.
لقد شكّل حرمان عشرات الآلاف من العمال الفلسطينيين من الوصول إلى سوق العمل داخل إسرائيل ضربة قاسية للاقتصاد الفلسطيني وللقوى العاملة على حد سواء، فهؤلاء العمال لم يكونوا مجرد أفراد يبحثون عن لقمة العيش، بل كانوا يشكّلون رافعة مالية لآلاف العائلات، ومصدراً رئيسياً للسيولة في الأسواق المحلية، ومع إغلاق هذا الباب بفعل سياسات وإجراءات الاحتلال، تفاقمت نسب البطالة والفقر، وازدادت هشاشة الوضع الاجتماعي، خاصة في المحافظات الأكثر اعتماداً على هذا النوع من العمل.
إن السياسات الاحتلالية الهادفة إلى تقويض مقومات الاقتصاد الفلسطيني لم تقتصر على تقييد الحركة ومنع العمال، بل امتدت إلى إضعاف القطاعات الإنتاجية، ومحاصرة الاستثمار، وفرض قيود معقّدة على الاستيراد والتصدير، ما أدى إلى تدمير ممنهج لبنية الاقتصاد الوطني، وفي هذا السياق، لا يمكن فصل معاناة العمال عن الإطار الأوسع لسياسات الاحتلال التي تنتهجها حكومات إسرائيل المتعاقبة، وكان آخرها حكومة بنيامين نتنياهو، التي واصلت سياسات التضييق والعقاب الجماعي من دون اكتراث بالتبعات الإنسانية والاجتماعية.
لكن المسؤولية لا تقع على الاحتلال وحده؛ فغياب السياسات الاجتماعية والاقتصادية العادلة على المستوى الداخلي يضاعف من حدة الأزمة، فما زالت منظومة الحماية الاجتماعية محدودة، وصناديق الإسناد الطارئة غير قادرة على تلبية احتياجات الفئات الأكثر تضررًاً، فيما تغيب الخطط الاستراتيجية لتحفيز الإنتاج الوطني، ودعم المشاريع الصغيرة، وتمكين العمال من فرص عمل بديلة ومستدامة.
إن المطلوب اليوم رؤية وطنية شاملة تنطلق من أولوية حماية الطبقة العاملة وتعزيز صمودها، عبر حزمة إجراءات عاجلة، من بينها: إطلاق برامج دعم نقدي مباشر للأسر الأشد فقراً خلال شهر رمضان، وتحفيز القطاعات الإنتاجية المحلية، وتوفير قروض ميسّرة للمشاريع الصغيرة، وتعزيز الرقابة على الأسعار، ومنع الاحتكار والاستغلال، وتطوير تشريعات العمل بما يضمن حقوق العمال في ظل الطوارئ والأزمات، فالعمال هم عماد الاقتصاد الوطني، وأي مشروع للتحرر والتنمية لا يمكن أن ينجح من دون صون كرامتهم وتأمين حقوقهم الأساسية، ومع بداية هذا الشهر الفضيل، تبقى مسؤولية الجميع – حكومة، ونقابات، ومؤسسات مجتمع مدني – أن يتحوّل التضامن من شعار أخلاقي إلى سياسة عملية تعيد الاعتبار للعدالة الاجتماعية، وتضع حداً للنزيف الاقتصادي الذي يدفع ثمنه العامل الفلسطيني كل يوم.
إن كرامة العامل الفلسطيني ليست مسألة معيشية فحسب، بل قضية وطنية بامتياز؛ لأن من يحمل لقمة عيش أطفاله بيد، يحمل في اليد الأخرى بوصلة الصمود والبقاء على هذه الأرض.





شارك برأيك
ظروف العمال الفلسطينيين مع بداية شهر رمضان بين الأعباء المضاعفة وغياب العدالة الاجتماعية