تواجه الإدارة الأمريكية الجديدة تساؤلات متزايدة حول مدى التزام الرئيس دونالد ترامب بوعوده الانتخابية لمجتمع العملات المشفرة. وقد رصدت تقارير صحفية دولية حالة من القلق تسود أوساط المستثمرين الذين دعموا ترامب بقوة، آملين في بيئة تنظيمية أكثر مرونة ونمو مطرد في قيمة أصولهم الرقمية.
وتشير القراءات التحليلية إلى أن الانهيار الأخير في أسعار العملات المشفرة بدأ يلقي بظلاله على المناطق التي تعد معاقل تقليدية لمؤيدي شعار 'لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى'. هؤلاء المستثمرون، الذين عانوا من سياسات التضخم والقيود التنظيمية السابقة، يجدون أنفسهم الآن أمام واقع اقتصادي مغاير لما روجت له الحملة الانتخابية.
وبينما انتعشت الثروة الشخصية لعائلة ترامب بأكثر من مليار دولار نتيجة لنمو استثماراتهم الخاصة، يعاني المستثمرون العاديون من خسائر فادحة. فقد شهدت الأسواق تبخر تريليونات الدولارات منذ وصول البيتكوين إلى ذروتها التاريخية عند 126 ألف دولار في أكتوبر الماضي، مما أثار موجة من الإحباط.
وسجلت العملة الرقمية الأبرز، البيتكوين، انخفاضاً بنحو 5% في شهر أكتوبر وحده، لتنهي بذلك سلسلة مكاسب استمرت لسنوات. ويرجع محللون هذا التراجع إلى مخاوف المستثمرين من السياسات الحمائية التي أعلنها ترامب، بما في ذلك فرض رسوم جمركية بنسبة 100% على الواردات الصينية.
ولم تتوقف الخسائر عند هذا الحد، بل تراجعت البيتكوين بنسبة 24% منذ بداية العام الحالي، لتستقر عند مستويات 67 ألف دولار. وهذا الرقم يضع العملة في موقع أدنى من قيمتها التي كانت عليها لحظة انتخاب ترامب لولاية ثانية، والتي بلغت حينها قرابة 70 ألف دولار.
وامتدت حالة الاضطراب لتشمل منصات التداول الكبرى، حيث أعلنت منصة 'كوين بيس'، وهي الأكبر في الولايات المتحدة، عن خسائر ربع سنوية غير متوقعة. هذا التراجع يعكس حالة الانكماش التي أصابت القطاع رغم الوعود بأن يكون ترامب 'رئيس العملات المشفرة' الأول في تاريخ البلاد.
وفي خطوة أثارت جدلاً واسعاً، أطلق ترامب وزوجته ميلانيا عملات 'ميمية' خاصة بهما قبيل حفل التنصيب الرسمي. هذه الخطوة اعتبرها البعض محاولة للاستفادة الشخصية من الزخم الرقمي، بينما رآها آخرون سبباً في تشتيت السيولة النقدية داخل السوق المنهك أصلاً.
هل تفقد حركة 'ماغا' ثقتها في وعود ترامب بشأن البيتكوين بعد أن تبخرت تريليونات الدولارات من قيمتها السوقية؟
ونقلت مصادر عن ستيفن ستيل، أحد المسؤولين عن تسويق العملات الرقمية المرتبطة بحركة 'ماغا'، قوله إن هناك شعوراً بخيبة الأمل داخل المعسكر المؤيد للرئيس. وأوضح ستيل أن إطلاق العملات الخاصة بعائلة ترامب سحب السيولة من المشاريع القائمة، مما أدى إلى تضرر المستثمرين الأفراد بشكل مباشر.
ورغم أن قيمة عملات ترامب وميلانيا شهدت قفزة في الأيام الأولى لإطلاقها، إلا أنها سرعان ما تراجعت ولم تتعافَ حتى الآن. هذا التقلب الحاد ترك العديد من المؤيدين يحتفظون بأصول فقدت قيمتها السوقية، مما زاد من حدة الانتقادات الموجهة لتوجهات البيت الأبيض الاقتصادية.
في المقابل، تحاول الإدارة الأمريكية طمأنة الأسواق من خلال خطوات إجرائية وتعيينات استراتيجية في مناصب حساسة. ومن أبرز هذه الخطوات تعيين بول أتكينز رئيساً لهيئة الأوراق المالية والبورصات، وهو شخصية معروفة بمواقفها الإيجابية تجاه الابتكار في قطاع التشفير.
كما سعت الإدارة لتمرير قوانين جديدة تهدف لتنظيم العملات المشفرة المرتبطة بالدولار، في محاولة لإضفاء صبغة شرعية ومستقرة على هذا القطاع. وتأتي هذه التحركات كاستجابة لمطالب قديمة من قادة الصناعة الذين طالبوا بوضوح تشريعي يحمي الاستثمارات من التقلبات العنيفة.
وعلى صعيد السياسات النقدية، وقع ترامب أمراً تنفيذياً لإنشاء احتياطي وطني استراتيجي من البيتكوين، يعتمد على الأصول التي تصادرها الحكومة. هذه الخطوة كانت من أبرز الوعود التي ألهبت حماس المستثمرين خلال المؤتمرات الانتخابية، واعتبرت تحولاً تاريخياً في نظرة الدولة للعملات الرقمية.
ومع ذلك، لا تزال الحكومة الأمريكية مترددة في البدء بعمليات شراء واسعة النطاق لتعزيز هذا الاحتياطي، مما قلل من الأثر الإيجابي للقرار على الأسعار. ويرى مراقبون أن الفجوة بين القرارات الورقية والتنفيذ الفعلي تساهم في استمرار حالة عدم اليقين في الأسواق المالية.
يبقى التساؤل قائماً حول قدرة ترامب على استعادة ثقة هذا القطاع الحيوي الذي ساهم في وصوله إلى السلطة. فبين الطموحات السياسية والواقع الاقتصادي المتقلب، يجد مستثمرو العملات المشفرة أنفسهم في رحلة محفوفة بالمخاطر، بانتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة من سياسات فعلية.





شارك برأيك
تصدع الثقة بين ترامب ومجتمع العملات المشفرة: وعود البيتكوين في مهب الريح