عربي ودولي

الإثنين 09 فبراير 2026 11:22 صباحًا - بتوقيت القدس

"مجلس السلام" التابع لترمب يحدد موعدًا لاجتماعه في واشنطن


نسبت صحيفة نيويورك تايمز، يوم الأحد، إلى مسؤول أميركي قوله إن "مجلس السلام" الجديد الذي أنشأه الرئيس دونالد ترمب، ويُقال إنه يهدف إلى حل النزاعات العالمية، يستعد لعقد اجتماع في واشنطن خلال الأسابيع المقبلة. وبحسب مسؤول أميركي ومسؤول داخل المجلس، فإن الاجتماع مقرر في 19 شباط ، وفق رسالة دعوة اطّلعت عليها الصحيفة، فيما أكد مسؤولون هذه التفاصيل شريطة عدم الكشف عن هويتهم بسبب حساسية المناقشات الدبلوماسية.
ورغم أن المجلس قُدّم بوصفه منصة "عملية" لتسريع جهود السلام وإعادة الإعمار (في غزة)، إلا أنه أثار منذ لحظة الإعلان عنه انقسامًا واضحًا بين حلفاء الولايات المتحدة، خصوصًا في أوروبا. فقد رفضت فرنسا وعدد من الدول الأوروبية الانضمام في المرحلة الحالية، وهو ما يعكس مخاوف من أن المجلس قد يكون محاولة لإعادة هندسة النظام الدولي لما بعد الحرب العالمية الثانية، أو إنشاء كيان منافس للأمم المتحدة يمنح واشنطن نفوذًا أوسع خارج آليات التوازن التقليدية.
المثير في "مجلس السلام" ليس فقط توقيته، بل فلسفته السياسية. فالمجلس يظهر في لحظة تتراجع فيها الثقة بقدرة الأمم المتحدة على إنتاج حلول قابلة للتنفيذ، وفي ظل رغبة أميركية واضحة في تجاوز التعقيدات المؤسسية. غير أن تحويل "السلام" إلى منصة تقودها دولة واحدة، مع منح رئيسها حق نقض على بعض القرارات، يفتح سؤال الشرعية: هل الهدف فعلاً بناء السلام أم إعادة توزيع السلطة الدولية؟ هنا تصبح "المرونة" عنوانًا لهيمنة محتملة أكثر من كونها إصلاحًا بيروقراطيًا.
وكانت الفكرة الأصلية لإنشاء المجلس مرتبطة بإعادة إعمار غزة التي دمرتها الحرب، ضمن خطة من 20 نقطة أعلنها ترمب في سبتمبر الماضي لإنهاء الحرب بين إسرائيل وحماس. وتشير المعلومات إلى أن هذه الخطة ساعدت في تمهيد الطريق لاتفاق وقف إطلاق النار الذي جرى التفاوض عليه في الخريف بمشاركة مصر وقطر وتركيا والولايات المتحدة. إلا أن نطاق المجلس توسع لاحقًا، بحيث لم يعد محصورًا بغزة، بل أصبح يتحدث عن “تأمين سلام دائم في المناطق المتأثرة بالنزاعات أو المهددة بها”، وفق ما ورد في الميثاق التأسيسي الذي تم توقيعه الشهر الماضي.
هذا التوسع لا يبدو تفصيلاً ثانويًا، بل هو مؤشر على أن المجلس قد يتحول إلى أداة سياسية ودبلوماسية متعددة الوظائف، تتعامل مع النزاعات وفق معايير مختلفة عن المنظومة الأممية. فالميثاق يتضمن دعوة إلى "هيئة دولية أكثر مرونة وفعالية لبناء السلام”" وهي صياغة تُقرأ على نطاق واسع بوصفها نقدًا ضمنيًا للأمم المتحدة، وتلميحًا إلى أن إدارة ترمب تسعى لخلق قناة بديلة يمكن التحكم بها بسهولة أكبر.
ووفقًا لمسؤولين تحدثوا للصحيفة، بالإضافة إلى مسؤول آخر داخل مجلس السلام، فإن أحد الأهداف الرئيسية لاجتماع واشنطن يتمثل في جمع الأموال اللازمة لإعادة الإعمار. ويعكس ذلك توجهًا واضحًا لتحويل المجلس إلى منصة تمويلية أيضًا، لا مجرد إطار سياسي. لكن هذا البعد المالي يثير بدوره إشكاليات إضافية، إذ ينص الميثاق على أن الدول الراغبة في أن تصبح أعضاء دائمين مطالبة بالمساهمة بمليار دولار.
شرط المساهمة بمليار دولار يكشف أن المجلس صُمم ليكون ناديًا انتقائيًا، لا إطارًا دوليًا شاملًا. فهو يحدّ من المشاركة ويجعل النفوذ مرتبطًا بالقدرة المالية، وهو نموذج أقرب لصناديق التمويل الكبرى منه لمنظمات حفظ السلام. وفي ملف غزة تحديدًا، قد يخلق ذلك مشكلة سياسية: من يدفع سيطالب بتحديد الأولويات وربما صياغة الواقع على الأرض. عندها تصبح إعادة الإعمار ليست مجرد عملية إنسانية، بل أداة لإعادة رسم توازنات المنطقة، وتحديد من يمتلك القرار في مستقبلها.
وكان المجلس قد عقد لقاءه الأول في دافوس بسويسرا الشهر الماضي، حيث وقعت الدول الأعضاء على ميثاقه التأسيسي. وأفادت تقارير بأن أكثر من 20 دولة انضمت حتى الآن، من بينها الأرجنتين والمجر وإندونيسيا وباكستان والمملكة العربية السعودية وتركيا والإمارات العربية المتحدة وقطر. ويعكس هذا التشكيل شبكة تحالفات سياسية واقتصادية متقاطعة، تجمع بين دول تسعى إلى نفوذ إقليمي، وأخرى تبحث عن موقع أكبر في النظام الدولي، ودول خليجية ترى في إعادة الإعمار مدخلًا للاستقرار وتوسيع الشراكات.
ويعد رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، وهو عضو في المجلس، أول رئيس حكومة يؤكد حضوره علنًا. إذ قال في فعالية انتخابية يوم السبت: "بعد أسبوعين، سنلتقي مجددًا في واشنطن… لأن مجلس السلام سيعقد اجتماعه الافتتاحي". وتمنح هذه الإشارة اللقاء طابعًا سياسيًا يتجاوز الجانب التقني، خصوصًا مع الحديث عن ملفات أخرى قد تتداخل مع الاجتماع.
ويعتبر رفض فرنسا ودول أوروبية الانضمام ليس موقفًا أخلاقيًا بقدر ما هو موقف مؤسسي. فالأوروبيون يرون أن أي كيان دولي جديد بقيادة ترمب قد يضعف المنظومة متعددة الأطراف التي استفادوا منها لعقود. كما يخشون أن يتحول المجلس إلى منصة لتطبيع نزاعات العالم وفق رؤية أميركية ضيقة، تربط الحلول بالتمويل وبالولاءات السياسية. ومع ذلك، قد تجد أوروبا نفسها لاحقًا مضطرة للتعامل معه إذا أصبح قناة رئيسية لإدارة ملفات ساخنة، مثل غزة أو أزمات أخرى.
وفي السياق نفسه، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه سيلتقي ترمب في واشنطن يوم الأربعاء المقبل "لمناقشة المفاوضات مع إيران". ورغم أن نتنياهو قبل دعوة ترمب للانضمام إلى المجلس، فإنه لم يشارك في توقيع ميثاقه في دافوس، ما يترك علامات استفهام حول طبيعة دوره الفعلي. وفي المحصلة، يبدو أن “مجلس السلام” ليس مجرد مبادرة تقنية لإعادة الإعمار، بل مشروع سياسي يعكس رغبة إدارة ترمب في صياغة أدوات جديدة للنفوذ الدولي، وسط بيئة عالمية مضطربة تبحث عن حلول، لكنها لا تتفق على من يملك حق تعريف "ألسلام".

دلالات

شارك برأيك

"مجلس السلام" التابع لترمب يحدد موعدًا لاجتماعه في واشنطن

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.