تحليل

الثّلاثاء 03 فبراير 2026 9:21 صباحًا - بتوقيت القدس

من الحرب إلى الأزمة الإنسانية: كيف تعيد المؤسسات الثقافية العالمية صياغة سردية غزة؟

شهدت اللغة المعتمدة في بيانات صادرة عن مؤسسات ثقافية دولية بشأن ما يحدث في غزة تحولاً لافتاً نحو ما بات يعرف بـ'اللغة البيضاء'، وهي صياغات لا تعكس بدقة واقع منطقة تخضع لقصف متواصل تحت حصار كامل منذ أكثر من عامين. ففي بيانات أصدرتها مهرجانات سينمائية كبرى، ومتاحف عالمية، واتحادات فنية وأدبية، تكرر استخدام تعبيرات من قبيل 'الأزمة الإنسانية' و'الوضع القائم' و'المعاناة الإنسانية'، مقابل تراجع واضح لاستخدام مصطلح 'الحرب على غزة' بوصفه توصيفاً مباشراً لما يجري على الأرض.

ويأتي هذا التحول اللغوي متزامناً مع لغة البيانات والتصريحات السياسية الدولية، التي تعتمد بدورها مفردات إنسانية عامة، مما سمح لهذه الصياغات بأن تتحول إلى مرجع لغوي جاهز داخل الحقل الثقافي، من دون تسمية الفاعل أو الإشارة إلى السياق العسكري. ويُطرح تساؤل حول لجوء هذه المؤسسات إلى مرجع لغوي 'آمن'، وما إذا كان ذلك يعود لهواجس تتعلق بالتمويل أو الالتزام بقاموس سياسي محدد.

بعد أسابيع قليلة من بدء الحرب في أكتوبر 2023، اعتمدت المؤسسات الدولية قاموساً يركز على الأثر الإنساني ويبتعد عن توصيف الفعل العسكري. وأفادت مصادر تابعة للأمم المتحدة (OCHA) بأن 'الوضع الإنساني في قطاع غزة يواصل التدهور'، بينما وصفت وكالة 'الأونروا' ما يجري بأنه 'أزمة إنسانية كارثية'، في تركيز واضح على النتائج دون تسمية الحرب.

هذا القاموس استقر في أعلى مستويات الخطاب الدولي؛ ففي أكتوبر 2023، دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى 'هدنة إنسانية فورية ودائمة'، وكرر مجلس الأمن الصيغة نفسها في قراره رقم 2720 متحدثاً عن 'الاحتياجات الإنسانية العاجلة'. وانتقل هذا القاموس تلقائياً إلى المؤسسات الثقافية لتجنب الاصطدام المباشر بالسياسة، حيث وصف الاتحاد الأوروبي الوضع في يناير 2024 بـ'الكارثي' دون إشارة للعمليات العسكرية.

وفي السياق الأمريكي، ركزت التصريحات الرسمية على 'الوقفات الإنسانية' بدلاً من 'وقف إطلاق النار' في المراحل الأولى. ووجد هذا التوجه طريقه لخطاب 'بينالي فينيسيا' في أبريل 2024، حيث رُبط فتح الجناح الإسرائيلي بـ'اتفاق لوقف إطلاق النار وإطلاق سراح الرهائن' دون ذكر الحرب، وهو ما تكرر في متاحف أمريكية استخدمت وصف 'المعاناة الإنسانية المستمرة'، وفي مهرجان 'صاندانس' الذي قدم أفلام غزة كـ'قصص من مجتمعات متأثرة'.

وفي حالات استبعاد فنانين بسبب مواقفهم، استخدمت المؤسسات عبارات مثل 'حساسية اللحظة الراهنة' كأداة لإدارة الأزمة. ولا يعد هذا التطابق مع القاموس السياسي مصادفة، إذ تعمل هذه المؤسسات ضمن منظومات تمويل وحوكمة مرتبطة بالدول، وتمر بياناتها عبر مستشارين قانونيين يبحثون عن صياغات لا تثير القلق، مما يمنحها غطاءً أخلاقياً وقانونياً على حساب الدقة في توصيف الواقع الفلسطيني المرير.

دلالات

شارك برأيك

من الحرب إلى الأزمة الإنسانية: كيف تعيد المؤسسات الثقافية العالمية صياغة سردية غزة؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.