لم يكن المنخفض الجوي “هاري” الذي ضرب شمال شرقي تونس مؤخراً مجرد تقلب جوي عابر، بل شكل جرس إنذار حقيقي لأخطار تهدد هضبة “سيدي بوسعيد” السياحية ومواقع أثرية هامة. المنخفض الذي دفع بأمواج المتوسط لمسافات طويلة نحو اليابسة، كشف عن تداخل العوامل الطبيعية مع الأخطاء البشرية التي ضاعفت حجم الخسائر في ظل غياب الاستعدادات الكافية.
وشهدت مناطق الشمال والشرق التونسي تقلبات حادة استمرت 48 ساعة، أسفرت عن فيضانات واسعة أدت لمصرع 7 أشخاص في ولاية المنستير، فيما لا يزال بحاران في عداد المفقودين. وعلى إثر هذه الأضرار، أصدرت بلدية “سيدي بوسعيد” المقامة على هضبة تطل على البحر أوامر بإخلاء 8 منازل مؤقتاً تحسباً لانهيارات أرضية.
ولم تقتصر الأضرار على المباني السكنية، بل طالت المواقع الأثرية في سواحل ولاية نابل، مما دفع المعهد الوطني للتراث لتسيير فرق تقييم ميدانية. وفي هذا السياق، أكد الرئيس قيس سعيّد خلال لقائه بوزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي على ضرورة التحرك العاجل لحماية وصيانة التراث التاريخي والحضاري للبلاد.
من جانبه، أوضح أستاذ الجيومورفولوجيا منجي بورو أن ما حدث كان متوقعاً، معتبراً أن البحر استعاد مجاله الطبيعي الذي تم الاستيلاء عليه عمرانياً. وأشار بورو إلى أن 90% من الفنادق السياحية في تونس مشيدة على أملاك بحرية، مما يجعلها عرضة مباشرة للعواصف، منتقداً التوسع العمراني غير المنظم الذي طمر مسارات تصريف السيول الطبيعية.
البحر لم يجتح المناطق العمرانية بل عاد ببساطة إلى مجاله الطبيعي الذي استولى عليه البشر عبر بناء المقاهي والفنادق.
وحذر بورو من وضع هضبة سيدي بوسعيد، مبيناً أن أجزاء كبيرة منها مقامة على جرف صخري هش يزداد ضعفاً مع تشبع التربة بمياه الأمطار وغياب الصرف الصحي. ودعا إلى إجراءات هندسية عاجلة مثل بناء الجدران الداعمة والحقن الإسمنتي، معتبراً أن بعض المباني الواقعة على حافة الجرف باتت في منطقة خطر لا يمكن إنقاذها.
وفي الشأن الأثري، أعرب أستاذ الآثار رياض المرابط عن قلقه من ظهور عظام تعود للمقبرة الفاطمية في المهدية نتيجة التعرية البحرية. وأشار إلى أن مواقع رومانية في نابل باتت مهددة بالتلف، مؤكداً أن المعهد الوطني للتراث يفتقر للإمكانيات المالية واللوجستية اللازمة لتنفيذ برامج حماية فعالة رغم وجود خطط نظرية مسجلة منذ عقود.
وخلص المرابط إلى ضرورة اتخاذ إجراءات “إسعافية” سريعة لوقف التعرض المباشر للأمواج، معترفاً بأن الوضع الاقتصادي الراهن يضع أولويات الإنفاق في قطاعات أخرى، مما يترك التراث التونسي في مواجهة مفتوحة مع التغيرات المناخية القاسية.





شارك برأيك
تداعيات المنخفض الجوي في تونس: البحر يستعيد مجاله ومخاوف من انزلاقات في سيدي بوسعيد